سياسة واقتصاد

انتخابات 2026: اختبار الوساطة في زمن الانتظارات الكبرى

عبد المطلب اعميار

وأنا أطلع على خبر الإعلان عن تاريخ الانتخابات التشريعية القادمة تذكرت تصريحا موثقا لأحد وزراء الحكومة الحالية عندما قال داخل البرلمان بأننا نعيش في دولة رأسمالية ، وبأن المخطط التشريعي تضعه البرجوازية، وبأن لوبيات البرلمان هي التي تشرع. وسواء اتفقنا مع توصيف الوزير أو رفضناه، فإن مجرد صدور هذا الكلام داخل البرلمان يكشف شيئا واحدا وهو أن الثقة في وظيفة التشريع نفسها صارت موضع سؤال، وأن معنى التمثيل السياسي بات يطرح أسئلة حقيقية تتعلق بقواعد المشروعية السياسية والديمقراطية في علاقتها بصياغة القوانين.


وقلت مع نفسي، لمن تعلن الحكومة تنظيم الانتخابات؟


هل تعلنها لأن المغرب طبَّع مع انتظامية الزمن الانتخابي، وأن الأجندة الدستورية العادية تفرض ذلك ؟


هل تعلنها يا ترى ليخلف الثلاثي الحكومي نفسه مرة أخرى ليستمر في التشريع للبرجوازية كما قال الوزير المذكور؟


هل تعلنها، بكل اليقين الديمقراطي، لأن كل الفرقاء السياسيين يؤمنون حقيقة بنضج العملية الديمقراطية، داخل أحزابهم، وفي المجال العام أيضا؟


هل تعلنها لأن الخيار الديمقراطي الدستوري بعد 2011 أصبح محسوما، ويسمح اليوم بالمنافسة السياسية المفتوحة، على قواعد النزاهة، والشفافية، والمصداقية؟


هل تعلنها إيمانا منها بضرورة تقديم الحساب أمام الناخبين المغاربة؟


وأخيرا، هل تعلنها لأنها قادرة على تحويل الانتخابات إلى جسر للعبور نحو المغرب المأمول؟


هذه الأسئلة ليست للبلاغة. إنها اختبار لمعنى الانتخابات حين يصبح “الزمن الوطني” أثمن مورد، وحين لا تكفي انتظاميةالموعد الانتخابي في تحقيق الأثر المرجو من العملية السياسية برمتها. 


وكيفما كان الحال، فإن مجرد الإعلان عن تاريخ الانتخابات التشريعية هو فرصة سياسية حقيقية لمساءلة المشهد السياسي العام ببلادنا، في علاقته بالانتخابات من جهة، وفي علاقته بالأهلية السياسية وما تفترضه من رهانات كبرى . وأعني بالأهلية السياسية، في هذا السياق، قدرةُ الوساطة على إنتاج القرار العام القابل للتنفيذ والمحاسبة، لا مجرد المنافسة على المواقع و استهلاك الخطاب.


إنها مناسبة للقول إن الإعلان عن تاريخ الانتخابات التشريعية جاء هذه المرة خارج زمن المتغيرات الكبرى التي طرأت على المشهد السياسي- الانتخابي منذ دخول المغرب تجربة التناوب التوافقي، باعتبار أن موازين القوى التي أفرزتها الانتخابات السابقة، وما أسفرت عنه من تكتل سياسي سينقل البلاد إلى تجريب وصفة جديدة بعد أن جرب وصفة التناوب التوافقي مع عبد الرحمن اليوسفي، ووصفة الإسلاميين بعد " الربيع العربي". جاء الإعلان هذه المرة فيما المتغيرات الكبرى قائمة، لكن أدوات السياسة وآليات الوساطة فيما يبدو لم تتغير بما يكفي لمواكبتها، وهنا بالضبط تتحدد خطورة الاستحقاق الانتخابي القادم.


وإذا كانت وصفة التناوب التوافقي التي دشنتها حكومة عبد الرحمن اليوسفي قد تأطرت بشعار الانتقال الديمقراطي، وبالمصالحات الوطنية التي رافقته، فإن وصفة الإسلاميين قد تأطرت بشعار محاربة الفساد والاستبداد التي تصادت مع حركة 20 فبراير ومع رياح الربيع العربي. غير أن المسار السياسي الذي سيعبِّد الطريق لوصفة التقاطب المالي الأوليغارشي ستستفيد عمليا من انكماش المشهد السياسي و من انهيار الحركيات الاجتماعية المدعومة سابقا من قبل القوى الديمقراطية والإسلامية، ليفتح الطريق للتكتل البورجوازي الذي ستبصم عليه التجربة الحكومية الحالية التي ستوقع على العديد من الاختيارات التشريعية ( تلك التي سماها الوزير المذكور بالمخطط التشريعي الذي يخدم اللوبيات البورجوازية) في انزياح عن روح دستور 2011، وعن التراكم الديمقراطي المنجز في المراحل السابقة.خصوصا فيما يتعلق بمبادئ الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتخليق الحياة العامة،وتضارب المصالح، واستغلال النفوذ.


واليوم، عندما نسمع وزيرا في الحكومة يصرح من داخل البرلمان بأن لوبيات المصالح هي التي تشرِّع، وبأن المخطط التشريعي في خدمة البورجوازية، فإن الأمر لا يعدو أن يكون توصيفا لطبيعة المرحلة السياسية بعد أن تم إلحاق المجال السياسي بدائرة النفوذ المالي، أي انتقال باراديغم السياسة من تنافس البرامج السياسية إلى الهرولة الانتخابية التي تحكمها شبكات المصالح وتداخل النفوذ السياسي والمالي داخل مؤسسات الوساطة نفسها، مع ما يعنيه ذلك من مصالح فئوية خاصة ، و من تشريعات تصاغ على مقاس التكتل السياسي المهيمن.


إن الأمر يتعلق هنا بتسلل آلية مخرِّبة إلى المجال السياسي، وتزداد تمكينا وتجذرا بعد أن تم إلحاق السياسة بمنطق النفوذ،وبدوائر الاستقطاب والتوظيف المالي حيث تصبح الوظائف السياسية معطلة بتعطل الوساطة العاجزة عن أداء وظائفها الأصلية، أي تمثيل المجتمع والدفاع عن مصالحه المختلفة، وضبط قواعد التنافس الحر، وإنتاج القرارات القابلة للمحاسبةالمؤسساتية والديمقراطية.


وإذا كانت العديد من المؤشرات توحي بأن الدورة الانتخابية ،إذا ما استمر المشهد السياسي على ماهو عليه، لن تعرف جديدا في تركيبة التقاطب المالي المهيمن. وبالتالي، استمرار انكماش المجال السياسي لصالح نفس التركيبة السياسية المهيمنة،فسيكون الإعلان عن تنظيم الانتخابات التشريعية القادمة،والحالة هاته، إعلانا عن إعادة نفس التقاطب السياسي إلىالواجهة. ولتفادي أن يبقى هذا الأمر حكماً عاماً، يكفي أن نلاحظ أن الإشكال ليس في الموعد الانتخابي، بل في قواعد اللعبة وحوافزها: هل الأمر يتعلق بالتنافس البرنامجيوالتأطيري في علاقته بالمجتمع، أم بالتنافس على منطق الغنيمة والولاءات؟


وهو ما يعني، أن العملية السياسية- الانتخابية لن تساهم في خلق أجواء الانفراج السياسي والحقوقي المطلوبين، و عناصر القوة الداعمة لمواجهة حدة الطلب الاجتماعي ، وشروط الانتقال إلى مغرب " السرعة الواحدة " مع ما يتطلبه من أدوات سياسية للانتقال إلى ما سماه حكيم بنشماش، الأمين العام السابق لحزب الأصالة والمعاصرة، ب "ديمقراطية الإنجاز" التي لم تعد تسمح بتعددية سياسية حولت الأحزاب إلى " وكالات انتخابية" بدون أي مضمون سياسي أو مشروع مجتمعي.والمقصود هنا أن التعددية حين تفرغ من مضامينها السياسية الحقيقية ،وتتحول إلى وكالات انتخابية عاجزة عن مواكبة ديمقراطية الإنجاز، فإنها تفقد ، بالنتيجة، معناها الوظيفي وتصبح عاملا من عوامل فرملة الطموح الوطني عوض أن تكون مواكبا وداعما له.


إن "بيان مغرب السرعة الواحدة " الذي وقعه حكيم بنشماش، وهو يدعو إلى الانتقال إلى نموذج دولة الإنجاز من خلال تحرير المجال السياسي من " ذهنية الغنيمة " ومطالبته بضرورة حماية" الزمن السيادي للدولة " يتزامن مع الإعلان عن الانتخابات التشريعية التي من المقرر أن تجرى خلال شهر شتنبر 2026، وهذا التزامن يفتح الباب مجددا أمام الأسئلة التي تتعلق بالمشهد السياسي ببلادنا في علاقته بمتطلبات النجاعةالمطلوبة لمواجهة رهانات مغرب السرعة الواحدة.والتزامن هنا ليس تفصيلا زمنيا، بل هو حدث سياسي يسائل واقع الحال قبل أن تفرض علينا الاستحقاقات منطقها وشروطها . ولعل هذا التقاطع مناسبةل كي نختبر “ أهلية الوساطة ” نفسها .


هل تملك الأحزاب والفاعلون القدرة على تحويل شرعية الإنجاز إلى أثر يومي محسوس في المدرسة والمستشفى والإدارة والشغل؟ أم سنواصل إنتاج برامج كبيرة تبقى- مهما بلغت جديتها - معلقة خارج التجربة المعيشة للمواطن، فتتحول إلى شرعية بلا ثقة، وإلى طموح بدون امتداد اجتماعي؟


وإذا كانت الرسالة المتضمنة في بيان " مغرب السرعة الواحدة " تدعو إلى إطلاق نقاش عمومي من خلال التساؤل المشروع " كيف نعيد للوساطة السياسية معناها في لحظة التحول السيادي؟ "، فإن هذه الدعوة كما أتصورها ليست التفافا علىالتعددية الحزبية، ولا ضربا للخيار الديمقراطي بل هي دعوة لتخليص التعددية الحزبية من العبث الذي يسئ للمؤسسات.وحسبنا أنه لا جهة في البلاد قادرة ، موضوعيا، على تحقيق العملية الجراحية المطلوبة غير المؤسسة الملكية التي أطلق عليها البيان المذكور " العقل السيادي" بوصفه فاعلا مركزيا في النظام السياسي المغربي بموجب الوظائف الدستورية العليا الموكولة إليه. داخل سقف الدستور، وبهدف تقوية المؤسسات لا تجاوزها، عبر تفعيل قواعد الحكامة والمحاسبة، وتحصين النزاهة، وتضييق هوامش تضارب المصالح، حتى تستعيد الوساطة معناها وتصبح قادرة على مواكبة دولة الإنجاز.


إن الأمر ليس انقلابا عن " المنهجية الديمقراطية " بل هو دعوة إصلاحية عميقة لا تخرج عن المبادرات الإصلاحية الكبرى التي قادتها الملكية في العهد الجديد منذ تدشين مسار المصالحة والانصاف، مرورا بإقرار الوثيقة الدستورية الجديدة لسنة 2011، وصولا إلى ورش " الدولة الاجتماعية " و "رهانات المغرب الصاعد ".


ولعل معيار الإصلاح اليوم هو الأثر في المدرسة والمستشفى والشغل، قبل أي شيء آخر، وهو ما يجعل الجراحة دفاعا عن جوهر الشرعية لا التفافا عليها..


وعليه، فإن الذهاب الى الانتخابات بنفس الشروط الذاتية القائمة اليوم، بنفس البنيات والعقليات والمصالح، مع ما خلفته بالأمس القريب من تعبيرات احتجاجية أربكت المجتمع، والطبقة السياسية على حد سواء، لن تعمل، والحالة هاته، إلا على تعميق الهوة بين المؤسسات التمثيلية والنسيج المجتمعي المتحرك. لذلك فالموعد الانتخابي وحده لا يكفي، إن لم يَفتح أفقا للتغيير وللأمل المتجدد. ولن يتسنى ذلك، إلا بالتصحيح الصارم لشروط الترشيح، والتمويل والمحاسبة. وإن لم تستعد وظيفة الوساطةفاعليتها، سنعيد إنتاج نفس الهوة باسم انتظامية الموعدالانتخابي.


لذلك، فان الرجة السياسية المأمولة القادرة على فتح آفاق جديدة في علاقة الدولة بالمجتمع، وفي علاقة السياسة بالمواطن، لن تتحقق دون عملية جراحية دقيقة تستأصل كل أورام الفساد الذي يعرقل المرور إلى " مغرب السرعة الواحدة "، ودون مشاريع سياسية متبارية قادرةعلى تعبئة المغاربة للذهاب الى صناديق الاقتراع في الانتخابات التشريعية القادمة. 


إن محطة الانتخابات التشريعية المقبلة تضع بلادنا أمام أجندة التحديات المختلفة بأبعادها الوطنية، والإقليمية، والقارية، والدولية. واذا كان في مقدمة هذه التحديات الحسم النهائي للسيادة الترابية على أقاليمنا الجنوبية من خلال الحكم الذاتي في الصحراء، فإن هذا الرهان لا ينفصل عن مستلزمات الترسيخ الديمقراطي والمؤسساتي الشامل، وعن تنمية الرأسمال البشري في عموم التراب الوطني في علاقة حيوية بالعدالة المجالية والترابية مع ما تقتضيه من إنصاف، وإدماج، وإنتاج،ومن رهان على تجدد النخب الوطنية وفق قواعد النزاهة والكفاءة والاستحقاق للإسهام في مختلف الاوراش الوطنية قصد اللحاق بسرعة " الإنجاز" التي يتطلبها المغرب الصاعد، وتقوية شروط الارتقاء بالمجتمع على درب المواطنة النشطة، والإنتاجية المرجوة.