ويعتبر الرأي العام مجموعة من مواقف ومعتقدات أغلبية أفراد المجتمع، تجاه قضية محددة، عامة ومثيرة للجدل في وقت معين، كما يشكل قوة مؤثرة في السياسة، والتوجهات الاجتماعية. وتضطلع وسائل الإعلام بدور أساسي ومركزي في تشكيل الرأي العام، إما توجيها، أو تضليلا. فليس الهدف هنا مقاربة مفهوم الرأي العام وأنواعه ودوره بالمجتمعات الحديثة، لكن التوقف عند بعض المحطات من حياة الصحافة المغربية التي لم تحظ بالاهتمام الكافي من طرف الباحثين والمهتمين والمنشغلين بالشأن الصحفي والاعلامي.
وإذا كانت الكتابات الصحافية، تشكل مرجعا مهما لرصد واستقصاء وقائع التاريخ السياسي لمغرب الحماية والاستقلال، فإن دور المثقفين كان رئيسيا في هذا المنجز، عبر بوابة الاعلام، إذ كثيرا ما ارتبطت بدايات الصحافة في غالبيتها بالسياسة والثقافة خلال مرحلة التأسيس للفعل الصحافي بالمملكة. ويلاحظ بأن أبرز الصحافيين، كانوا من أولئك الذين جمعوا بين الحقل الثقافي والأداء الصحفي.
الشعب والرأي العام
محمد بلحسن الوزاني ( 1910-1978) أحد رموز الحركة الوطنية كان يعتبر أن "الرأي العام"، " أكثر مما يقصد من كلمة الشعب في المفهوم الديمقراطي، ... فالشعب في المنطق الديمقراطي هو مجموعة الناخبين المقترعين في الصناديق خلال الفترات الانتخابية ... ولا كذلك الرأي العام الذي يتسع كرأي سائد في صفوف الشعب أكثر من مفهوم الشعب كما يراد منه في لغة الديمقراطية المتمثلة في الاقتراع المقيد المحدود بما يقيده به القانون من شروط، ومن بينها تحديد الاقتراع في سن محددة .."، كما دون افتتاحية العدد الأول من جريدة " الرأي العام" الصادر في 16 أبريل سنة 1947.
وتساءل الوزاني الصحافي والسياسي في مستهل ذات الافتتاحية لماذا اختيار الرأي العام عنوانا لجريدته؟ قبل أن يوضح بأنه يأتي انطلاقا من ضرورة تخويل الرأي العام سلطة المراقبة على الحكم، والى الالتزام أمام الشعب بأن نكون الصدى الذي ينقل بأمانة ما يجيش به صدر الرأي العام، وما يتطلع إليه من آمال، وما يتوجس منه من مخاوف...وإننا نرمز الى تحرير سيادة الشعب عن طريق تعزيز سلطة الرأي العام الذي اخترنا أن نطلق اسمه على جريدتنا".
وفضلا عن محاولة توجيه كفاح الشعب في وجهة استقلال ديمقراطي ينتزع السيادة من قبضة الحماية، فإن الوزاني يوضح كذلك بأن الهدف يتمثل كذلك في " السعي الى أن يعي الشعب هذه الحقيقة، قصد تجذيرها في ضمير الرأي العام الذي يصبح بوعيها أقدر على الكفاح وأقوى تحملا لتضحياته".
مصدر السلطة
كما أن الأمر يقتضى – حسب الوزاني - العمل على أن تعكس فلسفة الحكم، بما يصبح معه الرأي العام مصدر الحكم والسلطة، لا متحملا عنف الحاكمين وظلمهم، أو مسايرا لتوجهاتهم دون وعي أو مبادرة أو ابتكار"، معبرا عن كامل الاقتناع بأنه رغم الظروف الصعبة، " سينتهى بنا الأمر إلى منفذ النور الذي يفتقده الرأي العام، والذي يشكل المخرج إلى تصحيح وضع الاستقلال الذي كنا ننعته بالديمقراطي أو نقرنه بالشورى، وبأن أفضل الدساتير ما عكس إرادة الرأي العام وتطلعاته الحق".
وإذا كانت هذه سردية الوزاني حول " الرأي العام" ودواعي اختياره كعنوان للجريدة زمن الاستعمار، فإن عبد الرحمان اليوسفي ( 1924 – 2020 ) كاد عنوان " الحكومة مسؤولة أمام الرأي العام" على صدر جريدة "التحرير"، التي كان رئيسا للتحرير بها، أن تلقى به في السجن، بعدما خضع إلى استنطاق الشرطة التي أحالته على قاضي التحقيق، معتبرا أن مدبري الشأن العام على كافة المستويات والمواقع ، لم يستوعبوا في أواخر خمسينات القرن الماضي، بعد الحصول على الاستقلال دلالات الرأي العام.
واستدل اليوسفي في هذا السياق، بملابسات وتفاصيل متابعته وتصريحاته أما قاضي التحقيق، الذي بادر إلى طرح سؤال حول ماذا كان تعنى جريدة " التحرير" وتقصد بعبارة " الحكومة مسؤولة أمام الرأي العام" التي نشرتها على صدر صفحتها الرئيسة؟.
الرأي العام والصحافة
وفي معرض رده على سؤال القاضي، يقول اليوسفي إن المعروف عالميا، بأن هناك أربع سلط ( التشريعية والتنفيذية والقضائية) والرأي العام هو السلطة الرابعة الذى تمثله الصحافة. وقال في هذا الصدد، " فنحن لم نخترع شيئا جديدا أو من وحي خيالنا، إن هذا الآمر معمول به في كل المجتمعات المتحضرة “، كما كشف في الحوار الذي سبق وأن أجريته معه سنة 2015 بمنزله بالدار البيضاء، في إطار إعداد دكتوراه في الحقوق حول " النقابة الوطنية للصحافة المغربية" باعتباره أحد مؤسسي هذه المنظمة سنة 1963.
كما شرح اليوسفي للقاضي" بأن الرأي العام تمثله الصحافة كسلطة رابعة، معترف بها في مختلف بلدان المعمور، الى جانب السلطات الدستورية، وأن جل المفكرين، يجمعون على أن هناك قوة رابعة في المجتمع تتمثل في الرأي العام”.
هذه القضية، التي تزامنت مع تولى عبد الله إبراهيم رئاسة الحكومة سنة 1959، أدت تفاعلاتها – كما كشف اليوسفي إلى دعوة المغفور له محمد الخامس إلى عقد اجتماع لمجلس الوزراء، توجه في مستهله بسؤال عبد الله إبراهيم رئيس الحكومة آنذاك "أنت ، مسؤول أمام من؟ فأجابه، بالقول " أمام جلالتكم “.
رقابة الرأي العام
وبعد ذلك " رد عليه الملك: وما هو تفسيرك وقولك فيما تضمنه المقال الذي كتبه أصاحبك، (بالجريدة)، فظل مولاي عبد الله صامتا ولم يرد على السؤال“، كما حكى اليوسفي الذي خلص إلى القول: " فهمنا آنذاك في أسرة تحرير الجريدة، أن هذا هو الأصل في قرار إحالتنا على القضاء، لأن السلطات كانت لا تستسيغ ...أن تكون الحكومة وأعمالها، تحت رقابة سلطة الرأي العام الذي تؤثر في توجهاته الصحافة، وتلعب دورا مهما في الحياة العامة للبلاد".
وعلى الرغم من اختلاف سياقات ميلاد جريدة "الرأي العام" لسان حزب " الشورى والاستقلال"، والتحقيق الذي خضع له عبد الرحمان اليوسفي خلال توليه رئاسة تحرير جريدة "التحرير" حول مسؤولية الحكومة، فإن قاسمهما المشترك، يظل إبرازهما لأهمية الصحافة في تشكيل "الرأي العام".
وكانت جريدة "الرأي العام" التي يديرها المرحوم أحمد بن سودة، قد فتحت صفحاتها لمحرري جريدة " التحرير"، بعد اعتقال ومحاكمة مديرها محمد البصري ( الفقيه ) ورئيس تحريرها عبد الرحمان اليوسفي، على خلفية ملف آخر.فتحت عنوان “بقانون بن عرفة يحاكمون اليوم”، كتبت الجريدة التي كانت تتضمن صفحتها الأولى الآية القرآنية " وأمرهم شورى بينهم"، وقول عمر ابن الخطاب " متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرار ، أنه " تبين أن قاضي البحث وجه إلي البصري واليوسفي تهما أربع خطيرة ينطق ببعضها لأول مرة في عهد الاستقلال ضد وطنيين معروفين ومقاومين بارزين".
وتساءلت، فلماذا إذن اعتقل البصري واليوسفي بهذه الكيفية.. إذا كان القانون يراعى في هذه البلاد، فهو لا يسمح باعتقال رجال الصحافة بهذا الشكل، كما أن قانون الصحافة، لا يبيح اعتقال رئيس تحرير جريدة ما، لأنه غير مسؤول قانونيا:. كما تساءلت عن أسباب اعتقال شخصيتين معروفتين بكفاحهما ونضالهما، في سبيل استقلال بلادهما وتقدمها الشيء الكثير”.






