هل قدر المغرب والمغاربة أن يظل شعار "الإصلاح" ملازماً للمسار العام للبلاد منذ فجر الاستقلال؟
هل الأمر إعلان عن فشل المشاريع الإصلاحية الكبرى المرتبطة بتنمية الرأسمال البشري بالبلاد، أم أن الأمر شعور طبيعي يمليه الإحساس بالضرورة المتجددة للتغيير من أجل التقدم؟
وإذا كان مطلب الإصلاح يتجدد اليوم، فبأي معنى يكتسب مشروعيته؟
ولأن الأمر كذلك، فإن إعادة طرح سؤال الإصلاح اليوم بعد دستور 2011 ليس مزايدة سياسية، بل هو، في تقديري، ورش موضوعي تتطلبه المرحلة السياسية برمتها.
في السابق، وعلى امتداد مراحل طويلة، كانت فكرة "الإصلاح" مسنودة بنخب سياسية وفكرية تعطيها معنى محدداً في كل مرحلة معينة: معنى في السياسة، وفي المجتمع، وفي الثقافة. وكانت الفكرة الإصلاحية مسنودة بجمهورها، أي بعموم المنتسبين إليها. ولم تكن الفكرة الإصلاحية معدومة المشروعية طالما أنها كانت مسنودة بقوى اجتماعية وسياسية وفكرية حاضنة لها.
وإذا كانت فكرة الإصلاح، لاعتبارات تاريخية، فكرة سياسية بامتياز فلأنها ارتبطت بمطلب الديمقراطية في نطاق بنيات تقليدية كابحة. وفي السابق، كانت فكرة الإصلاح تمر بنقد الدولة. وكانت الدولة الوطنية، من جهتها (دولة ما بعد الاستقلال)، تعتبر "الإصلاحية" تشكيكاً في مشروعيتها. وكان مرد ذلك للصراع السياسي الذي لم يسمح بتحقيق التوافقات المطلوبة حول فكرة "الإصلاح" نفسها. لذلك كانت النخب الإصلاحية (أو القوى الداعية إلى الإصلاح) تصنف ضمن القوى المعارضة، وقد ظل الخطاب السياسي مقروناً بأولويات الإصلاح الشامل (الدستور- الانتخابات- القوانين- الإدارة..).
ولم يكن الخطاب السياسي (أي خطاب الإصلاح) منحصراً في الفكر السياسي، أو ما يقوم مقامه، بل كان يمتد إلى مجالات مختلفة سمحت بتكوين جيل متشبع بفكرة الإصلاح وحامل لكل قيمها الممكنة. وحتى أولئك الذين اعتبروا الإصلاح فكرة "رجعية"، كانوا يجدون فيها (على الأقل) الأرضية المناسبة لبسط تصوراتهم لمشروع بناء الدولة الوطنية الديمقراطية.
وهو نفس الجيل الذي كان يعتبر أن الإصلاح شرط لبناء الديمقراطية والدولة الوطنية.
ولما كانت فكرة الإصلاح من صميم السياسة، ومن غاياتها الكبرى، فقد كانت تحتاج بالضرورة لنخب سياسية حقيقية، توحد مختلف القوى الفاعلة في المجتمع. وحتى القوى التي كانت "ترفض" فكرة الإصلاح كانت تنحاز، بوعي أو بدون وعي، لأطروحة الإصلاح عساها تكون طريقاً سالكاً لتحقيق شروط الدولة الوطنية الديمقراطية.
واليوم، عندما نتساءل عن معنى الكتابة عن الإصلاح، فإننا نقدر بأن فكرة الإصلاح قطعت أشواطاً تراكمية عديدة في المسار السياسي المغربي. غير أن البيئة السياسية الحاضنة لمشروع الإصلاح أصيبت بعطب كبير، وبتلوث خطير سيفضي عملياً إلى تحويل حقل السياسة إلى "وكالات" بدون مشروع سياسي ومجتمعي وثقافي، أي بدون نخب سياسية واجتماعية وثقافية حاضنة له ومدافعة عنه.
لقد جربت "الإصلاحية السياسية" شعار النضال الديمقراطي في مرحلة السبعينيات والثمانينيات حيث ارتبط هذا الشعار بمطالب الإصلاح السياسي والدستوري. وجربت لاحقاً شعار "الانتقال الديمقراطي" في مرحلة التسعينيات ونهاية الألفية الماضية. وارتبط هذا الشعار بأدبيات العدالة الانتقالية وحقوق الإنسان والتناوب على الحكم.
ويستوجب الذكر أنه على امتداد هذه المسارات كانت الإرادة الإصلاحية للدولة تمشي في خط متواز مع حركية المجتمع ومطالب قواه الحية. وعلى الرغم من أن بعض المحطات عرفت توترات ملحوظة في سياقات معينة إلا أن الدولة كانت، في كل مرحلة، تبادر لنسج التوافقات المطلوبة، أو لتهيئة شروط الانتقالات المطلوبة.
فهل انحسار النقاش العمومي اليوم يفسر انحسار فكرة الإصلاح نفسها أم يؤشر على نهاية شعار الانتقال الديمقراطي الذي يبدو أنه استهلك مدة صلاحيته؟ بل حتى شعار "الدولة الاجتماعية" الذي أطلقته الدولة ظل مجرداً من القوى السياسية والاجتماعية المعنية به، والحاضنة له، حتى أنه أصبح شعاراً "إدارياً" بدون نفس سياسي.
إن الحاجة اليوم لتجدد مطلب الإصلاح لا تحتاج فقط لفكرة إصلاحية بل لمشروع سياسي يعلن نهاية مسار "الانتقال الديمقراطي" ويطلق نقاشاً سياسياً عميقاً حول مقتضيات الإصلاح ومداخله الممكنة. وفي مقدمة ذلك، إعادة تعريف وظائف الدولة في علاقتها بالرهانات الكبرى للبلاد، وفي علاقتها بالدستور، وبالديمقراطية، وبالتنمية، وبالطبقة السياسية.






