تقوم التنظيمات السياسية والمدنية، على فكرة أساسية هي المشروعية، تشكل جوهر الاجتماع داخلها.
والمشروعية ليست مجرد إجراء شكلي أو قاعدة تنظيمية جافة، بل هي الإطار الذي يمنح القرارات معناها، ويُكسب القيادة مصداقيتها، ويضمن احترام القواعد التي ارتضاها الجميع، وتعني الاحتكام إلى القوانين الداخلية، وإلى الوثائق المرجعية، وإلى المساطر التي تم التوافق عليها سلفا، لتنظيم العلاقة بين الأعضاء وتدبير الاختلافات بينهم.
وفي مقابل ذلك، يبرز مفهوم التوافق، الذي لا يحمل معاني السلبية في حد ذاته، وهو أداة من أدوات التدبير السياسي والتنظيمي، يُلجأ إليه عندما تقتضي الظروف تجنب الانقسام أو تجاوز وضعية استعصاء، قد تعطل السير العادي للمؤسسات.
غير أن التوافق يصبح إشكالا، عندما يتحول من آلية استثنائية، إلى قاعدة بديلة عن المشروعية، أو عندما يُستعمل لتجاوز القواعد بدل تفعيلها.
إن المشروعية داخل التنظيمات تؤدي وظيفة أساسية في ترسيخ المبادئ وبناء المؤسسية، فهي التي تجعل الجميع، قيادة وقواعد، خاضعين لنفس القواعد، وتضمن أن القرارات لا تُصنع في دوائر ضيقة خارج المؤسسات، بل تتبلور من خلال النقاشات المفتوحة والمساطر الواضحة.
وعندما تحضر المشروعية بقوة، تتعزز الثقة داخل التنظيم، ويشعر الأعضاء بأن صوتهم مؤثر وأن المؤسسات التي ينتمون إليها تعمل وفق قواعد ثابتة، وليست رهينة لموازين القوة أو الحسابات الظرفية.
أما حين يطغى منطق التوافق على حساب المشروعية، فإن المخاطر تبدأ في الظهور تدريجيا، لأن التوافقات غير المؤطَّرة قد تؤدي إلى إضعاف المؤسسات، حيث تصبح القرارات نتاج تفاهمات غير معلنة، بدل أن تكون ثمرة نقاش مؤسساتي واضح، كما قد تخلق شعورا بالغُبن لدى بعض الأطراف، خصوصا عندما يتم تجاوز القواعد التي يفترض أن يحتكم إليها الجميع.
ولذلك فإن التوافق، إذا كان ضروريا أحيانا، يجب أن يظل في مجاله الطبيعي، وهو المجال الذي يمكن وصفه بالتكتيكي، أي في تدبير التفاصيل، أو تجاوز حالات التعادل، أو تنظيم الانتقال بين مراحل معينة، دون أن يمس الأسس التي يقوم عليها التنظيم.
أما القضايا المبدئية، والمساطر الأساسية، وقواعد اختيار القيادات والمسؤولين، والالتزام بالوثائق المرجعية، فهذه مجالات لا ينبغي أن تخضع لمنطق التوافق الظرفي، لأنها تمثل جوهر المشروعية التنظيمية.
إن التنظيمات القوية لا تُبنى بالغموض، وإنما تتقوى بالوضوح، والوضوح يعني احترام قواعد النقاش الداخلي الحر، وإتاحة المجال لتعدد الآراء، والاحتكام في النهاية إلى المؤسسات وإلى روح الوثائق المرجعية، التي تشكل البوصلة الفكرية والتنظيمية، فحين يشعر الأعضاء بأن النقاش مسموح به، وله أثر، وأن القرار يُتخذ وفق قواعد معروفة، تتعزز وحدة التنظيم وتزداد قدرته على الصمود.
ويبقى التحدي الحقيقي الذي يواجه أي تنظيم، ليس في تفادي الاختلاف، بل في تدبيره داخل إطار المشروعية، لأنها هي الضامن للاستمرارية، وهي التي تحمي التنظيم من التحول إلى تجمع ظرفي تحكمه التوازنات العابرة، أما التوافق، فعندما يُستعمل خارج حدوده، قد يبدو حلا سريعا، لكنه في المدى البعيد، قد يضعف الأسس التي يقوم عليها البناء التنظيمي.






