تحليل

انتخابات 2026 عقد اجتماعي جديد

محمد الطالبي (صحفي)

 ظل موضوع الانتخابات البرلمانية المقبلة في المغرب خلال الأشهر الماضية مادة خصبة للتأويلات السياسية والقراءات المتباينة. فقد تحولت هذه المحطة الدستورية، في النقاشات التي دارت داخل الصالونات السياسية والإعلامية، إلى سؤال مفتوح حول إمكانية تأجيلها، وربطت بعض التقديرات ذلك بفرضيات تتعلق بإمكانية إدخال تعديل دستوري يفسح المجال لتسريع تنزيل مشروع الحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية، خاصة في ظل التحولات المتسارعة التي يعرفها الموقف الدولي من قضية الصحراء المغربية.

لقد تعززت في السنوات الأخيرة قناعة متنامية لدى عدد متزايد من الدول بأن الحل الواقعي للنزاع المفتعل حول الصحراء لا يمكن أن يكون إلا ضمن إطار سيادة المغرب ووحدة ترابه الوطني، من خلال مشروع الحكم الذاتي الذي طرحته المملكة باعتباره حلاً سياسياً عملياً وقابلاً للتطبيق. وفي سياق هذه التحولات، برزت أيضاً آمال متجددة في عودة آلاف المغاربة الذين قضوا عقوداً فوق التراب المجاور لبلدهم في ظروف إنسانية قاسية، امتدت لأكثر من نصف قرن، حيث واجهوا قساوة الطبيعة وندرة الإمكانيات، وافتقاد الحد الأدنى من شروط العيش الكريم.

غير أن هذه الفرضيات التي تم تداولها بكثرة في الكواليس السياسية انتهت عملياً عندما حسمت الحكومة الجدل، عقب اجتماع المجلس الحكومي المنعقد يوم الخميس، بإعلانها عن تحديد شهر شتنبر المقبل موعداً لإجراء الانتخابات البرلمانية. وقد بدا هذا الإعلان بمثابة تأكيد جديد على حرص المغرب على احترام منهجيته الدستورية وانتظام مواعيده الانتخابية، وهو تقليد سياسي حافظت عليه المملكة منذ اعتلاء الملك محمد السادس العرش.

ولعل اللافت في التجربة المغربية أن المواعيد الدستورية الكبرى ظلت تحترم بدقة، حتى في أشد الظروف الاستثنائية، كما حدث خلال فترة جائحة كورونا، حين استمرت المؤسسات في أداء وظائفها الدستورية، وظلت افتتاحات البرلمان تتم في موعدها المحدد. وهو ما يعكس إرادة واضحة في ترسيخ الاستقرار المؤسساتي واحترام قواعد اللعبة الديمقراطية، رغم ما يعتريها أحياناً من اختلالات أو انتقادات.

ومع ذلك، فإن الانتخابات المقبلة لا تبدو مجرد محطة انتخابية عادية ضمن مسار التناوب السياسي، بل إنها تحمل عدداً من العلامات الفارقة التي قد تجعلها من أكثر الاستحقاقات حساسية في السنوات الأخيرة. فوزارة الداخلية تشرف هذه المرة على مختلف تفاصيلها التنظيمية والتقنية والإدارية، في ظل منظومة قانونية أكثر صرامة تهدف إلى إبعاد المشتبه في تورطهم في قضايا الفساد أو تضارب المصالح من دائرة التنافس الانتخابي.

وقد بعثت الدولة، عبر الخطاب الرسمي والإجراءات القانونية، برسائل واضحة إلى الأحزاب السياسية مفادها أن زمن التساهل مع المرشحين الذين تحوم حولهم شبهات لم يعد مقبولاً. فاختيار المرشحين لم يعد مجرد قرار تنظيمي داخلي للأحزاب، بل أصبح جزءاً من مسؤولية سياسية وأخلاقية أوسع، تمس صورة المؤسسات المنتخبة وثقة المواطنين في العملية الديمقراطية برمتها.

وفي السياق نفسه، يبرز توجه واضح نحو تشجيع الشباب والطاقات الجديدة، بل وحتى غير المنتمين حزبياً، على خوض غمار المنافسة الانتخابية. وهو توجه يعكس إدراكاً متزايداً بأن تجديد النخب السياسية لم يعد مجرد مطلب إصلاحي، بل أصبح ضرورة وطنية لتجاوز حالة الجمود التي طبعت المشهد الحزبي في السنوات الأخيرة.

فقد بدت بعض المؤسسات المنتخبة، في أعين جزء من الرأي العام، وكأنها تعيد إنتاج نفس الوجوه ونفس الشبكات الانتخابية التي تشكلت عبر الزمن، الأمر الذي ساهم في تآكل الثقة في جدوى المشاركة السياسية. ومن هنا يأتي الرهان على فتح المجال أمام جيل جديد قادر على تقديم خطاب سياسي مختلف، وعلى إعادة وصل السياسة بالمجتمع، خاصة في أوساط الشباب الذين ظلوا لعقود يشعرون بأنهم خارج معادلة التمثيل.

غير أن أحد أهم الخلفيات التي تضفي على انتخابات 2026 طابعاً استثنائياً يتمثل في السياق القضائي الذي أعقب الانتخابات السابقة. فقد شهدت السنوات الأخيرة صدور أحكام قضائية أسقطت عشرات المنتخبين من مختلف المؤسسات التمثيلية، بعدما كشفت التحقيقات تورط بعضهم في قضايا تتعلق بتجارة الممنوعات، أو الاغتناء غير المشروع، أو تضارب المصالح، أو استغلال النفوذ.

وقد شكلت هذه المتابعات القضائية، التي لا تزال مستمرة في عدد من الملفات، صدمة قوية للرأي العام، لأنها كشفت عن حجم الاختلالات التي يمكن أن تتسلل إلى الحياة السياسية عندما تتحول الانتخابات إلى مجال لتصفية المصالح أو الاستثمار في النفوذ. لكنها في المقابل أعطت إشارة قوية على أن القضاء المغربي ماضٍ في ترسيخ مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وهو مبدأ دستوري يشكل أحد أعمدة الإصلاح السياسي في البلاد.

ولا شك أن هذه الدينامية القضائية سيكون لها تأثير مباشر على الخريطة الانتخابية المقبلة. فالكثير من الأسماء التي كانت تشكل أعمدة شبكات انتخابية تقليدية وجدت نفسها خارج المعادلة، إما بسبب المتابعات القضائية أو بسبب فقدان المصداقية السياسية. وهو ما يفتح المجال أمام إعادة تشكيل التوازنات داخل عدد من الدوائر الانتخابية.

ومن هذا المنظور، قد لا تكون انتخابات 2026 مجرد محطة عابرة، بل قد تشكل بداية لمرحلة سياسية جديدة تمتد آثارها إلى ما بعد هذا الاستحقاق، وربما إلى أفق انتخابات 2030. فالمغرب يقف اليوم على أعتاب مرحلة مفصلية تتقاطع فيها رهانات داخلية وخارجية كبرى: من تنزيل مشروع الحكم الذاتي في الصحراء المغربية، إلى التحولات الاقتصادية والاجتماعية، وصولاً إلى الاستحقاقات الدولية الكبرى التي تنتظر المملكة، وفي مقدمتها تنظيم كأس العالم سنة 2030.

كل هذه التحولات تفرض وجود مؤسسات منتخبة قوية وذات مصداقية، قادرة على مواكبة الأوراش الكبرى التي تعرفها البلاد، وعلى تأطير النقاش العمومي داخل المجتمع. فالديمقراطية لا تقاس فقط بانتظام المواعيد الانتخابية، بل أيضاً بقدرة المؤسسات المنبثقة عنها على التعبير الحقيقي عن تطلعات المواطنين والدفاع عن المصلحة العامة.

لذلك فإن الرهان الحقيقي في الانتخابات المقبلة لا يكمن فقط في تحديد من سيفوز ومن سيخسر، بل في ما إذا كانت هذه المحطة ستنجح في استعادة ثقة المواطن في السياسة، وفي إقناع المغاربة بأن صناديق الاقتراع يمكن أن تكون فعلاً أداة للتغيير.

فإذا تحقق ذلك، فإن موجة التغيير المنتظرة قد تجرف في طريقها الكثير من الممارسات التي بنيت على الباطل داخل الحياة السياسية، وتفتح الباب أمام ميلاد ثقافة سياسية جديدة تقوم على الكفاءة والنزاهة والمسؤولية.

وهذا، في النهاية، هو الرهان الوطني الأكبر: أن تتحول الانتخابات من مجرد استحقاق دوري إلى لحظة حقيقية لتجديد العقد السياسي بين الدولة والمجتمع، وبناء حياة سياسية أكثر نظافة وشفافية، قادرة على مواكبة طموحات المغرب في الداخل ومكانته المتنامية في الخارج.