ما يجري اليوم في منطقة الشرق الأوسط والخليج لم يعد مجرد توتر سياسي أو صراع تقليدي بين دول، بل بات يجسد حالة غير مسبوقة من الجنون الاستراتيجي والتهور السياسي. فالعنف المتصاعد، والانتهاكات المتكررة للقانون الدولي، والاعتداء الصريح على سيادة الدول، كلها مؤشرات على انزلاق خطير نحو مواجهة مفتوحة قد لا تقف حدودها عند جغرافيا المنطقة، بل قد تضع العالم بأسره أمام قدر سيئ ومصير مجهول.
الحرب التي تخوضها الإدارة الأمريكية، بشراكة وتنسيق غير مسبوق مع الجيش الإسرائيلي ضد إيران، لا يمكن تفسيرها إلا باعتبارها تطبيقا فجا لما يمكن تسميته بفائض القوة، ورؤية متطرفة في إعادة هندسة الخريطة الجيوسياسية للمنطقة. رؤية تقوم على تحويل الشرق الأوسط إلى فضاء سياسي واستراتيجي تتحكم فيه إسرائيل، ويخضع في مجمله للنفوذ الأمريكي، مع ما يعنيه ذلك من قطع الطريق أمام القوى الدولية الصاعدة، وعلى رأسها الصين وروسيا.
ضمن هذا التصور، تبدو الحرب وكأنها محاولة لفرض نظام إقليمي جديد، تضع فيه واشنطن يدها على مختلف الثروات الاستراتيجية للمنطقة، خاصة النفط والغاز، فيما تتحول إسرائيل إلى القوة المهيمنة سياسيا وعسكريا، إذا ما انتهت هذه الحرب لصالح هذا التحالف.
غير أن المشهد الميداني سرعان ما تجاوز الحسابات الأولية. فمع اتساع رقعة الحرب وتعدد جبهاتها وأهدافها، أخذت المواجهة تتجه نحو حالة من الفوضى الشاملة، أشبه بتسونامي من الجنون والتهور. فقد عمدت إيران منذ الأيام الأولى للحرب إلى قصف عدد من دول المنطقة، وخاصة بعض دول الخليج، وهو ما عقد المشهد الإقليمي وأضفى عليه بعدا شديد الخطورة قد يفضي إلى نتائج كارثية على مختلف المستويات.
في المقابل، وجدت إسرائيل في انخراط حزب الله اللبناني في هذه المواجهة ذريعة لتصعيد غير مسبوق ضد لبنان. فقد شرعت في تدمير الضاحية الجنوبية لبيروت بعد إجبار ما يقارب مليون ونصف المليون من سكانها على إخلائها ومغادرتها، في مشهد يعيد إلى الأذهان ما جرى في قطاع غزة. وهو ما يعني أضرارا إنسانية واجتماعية واقتصادية هائلة، فضلا عن كونه انتهاكا صارخا لسيادة لبنان، وفرضًا لإرادة إسرائيل ومنطقها بالقوة.
إن هذه الحرب المتشعبة، التي سرعان ما أخذت أبعادا دولية، تحمل في طياتها احتمالات جدية لزعزعة الأمن والاستقرار العالميين. فهي تفتح الباب على مصراعيه أمام فوضى عارمة قد لا تستثني أحدا. بل إن استمرار الحرس الثوري الإيراني في استهداف دول المنطقة، وقصف أهداف معظمها مدني، قد يؤدي إلى خلط الأوراق بشكل خطير، وربما يدفع بعض دول الجوار الإيراني إلى الانتقال من موقع الحياد أو الحذر إلى موقع العداء المباشر.
لكن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: كيف وصلت المنطقة إلى هذا المستوى غير المسبوق من التوتر والتشظي والتأزم؟
البحث عن الجواب يقود إلى حقيقة مقلقة: فقرار الحرب اتخذ دون مبررات مقنعة أو أسس قانونية واضحة. بل إن الطريقة التي جرى بها اتخاذ القرار توحي بقدر كبير من سوء النية، خاصة إذا ما استحضرنا أجواء المفاوضات السياسية التي احتضنتها جنيف مؤخرا بين الأمريكيين والإيرانيين. فقد بدا، في ضوء ما تكشف لاحقا، أن تلك المفاوضات لم تكن سوى محطة تكتيكية في طريق قرار الحرب.
وهنا يبرز سؤال المسؤولية بوضوح: من اتخذ القرار الفعلي بالزج بالمنطقة في حرب مفتوحة مع إيران؟
وما هي المبررات المنطقية، والمسوغات القانونية، والأسس الموضوعية التي بني عليها هذا القرار الخطير؟
هل فكر دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو في العواقب الوخيمة قبل شن أول غارة وقبل قصف أول هدف في قلب طهران؟
وهل خطر ببال ترامب أن أول المتضررين من هذه الحرب هم شعوب ودول المنطقة نفسها؟
بل إن السؤال الأكثر حساسية يتعلق بمدى تأثير الرؤية الإسرائيلية على القرار الأمريكي: هل وصل خضوع ترامب لرغبات نتنياهو وأحلامه الاستراتيجية إلى هذا الحد الذي يدفعه إلى اتخاذ خطوة بهذا القدر من الخطورة؟
لقد تحدثت عدة وسائل إعلام دولية عن أن قرار الحرب ضد إيران، بل وحتى سيناريو اغتيال المرشد علي خامنئي، قد اتخذ منذ شهور، وأن التعجيل بتنفيذه جاء بناء على معطيات استخباراتية وفرتها أجهزة الموساد. فإذا صح ذلك، فإننا نكون أمام نموذج واضح لتداخل القرارين الإسرائيلي والأمريكي في صياغة مسار هذه الحرب.
وفي خضم هذا كله، يبرز تناقض صارخ: أين اختفى خطاب السلام الذي طالما تباهى به ترامب؟
وأين ذهبت المبادرات التي كان يعلنها باسم الاستقرار الدولي؟
وما موقع ما يسمى مجلس السلام العالمي الذي يرأسه؟
ثم ماذا عن التعهدات التي قدمت باسم السلام والأمن؟
وماذا عن الأموال الضخمة التي أفرغتها دول الخليج في الخزينة الأمريكية مقابل ضمان الاستقرار وحمايتها من الأخطار؟
أليست تلك الأموال نفسها قد تحولت، بصورة أو بأخرى، إلى موارد تمول حربا مجنونة تدفع المنطقة كلها نحو حافة المجهول؟
المعلق في صحيفة فايننشال تايمز إدوارد لوس اختصر، إلى حد بعيد، طبيعة هذه اللحظة عندما قال إن حرب ترامب ضد إيران هي حرب قائمة على النزوة، وإن أي شخص يدعي أنه يعرف ما الذي سيحدث لاحقا إنما يخدع نفسه. فالمشكلة، كما يقول، أن الحكام الذين يميلون إلى النزعة السلطوية يغيرون آراءهم بسرعة، وهو ما يجعل قراراتهم الاستراتيجية شديدة التقلب.
وبغض النظر عن الضربة الإسرائيلية الافتتاحية، فإن لحظة ذروة القوة في هذه الحرب كانت عندما اختار ترامب الانخراط المباشر فيها. فمنذ تلك اللحظة لم يعد ممكنا لواشنطن أن تحتكر مسار الحرب أو تتحكم في كل تفاصيلها. فقد أصبح لعدة أطراف أخرى، وليس الإيرانيين فقط، تأثير فعلي في اتجاهاتها.
واللافت أن ترامب نفسه يبدو مترددا بشأن الأهداف النهائية لهذه الحرب. ففي الساعات الاثنتين والسبعين الأولى تحدث عن رغبته في القضاء على البرنامج النووي الإيراني. ثم عاد ليقول إن هدفه هو إنهاء قدرة إيران على تصدير الإرهاب. وفي مناسبة أخرى تحدث عن إسقاط النظام في طهران. بل إنه ذهب أبعد من ذلك عندما صرح بأنه يبحث عن زعيم جديد داخل إيران يمكن التعاون معه.
وفي تصريح أكثر إثارة للجدل لموقع “أكسيوس”، قال إنه هو من سيختار المرشد الذي سيخلف علي خامنئي.
ولم يخف أيضا دعمه لأي حركة انفصالية مسلحة قد تواجه النظام الإيراني، معبرا عن سروره عندما علم أن بعض الأكراد في إيران مستعدون لشن حرب ضد السلطة المركزية في طهران. وهي مواقف تعكس بوضوح ميلا نحو استخدام الورقة العرقية والطائفية كوسيلة لإضعاف الدول من الداخل.
وليس خافيا أن إسرائيل لطالما شجعت مثل هذه السيناريوهات، القائمة على تأجيج الانقسامات العرقية والطائفية، باعتبارها مدخلا لنشر الفوضى وتفكيك الدول وإغراقها في حروب أهلية.
في خضم هذه الفوضى، تصبح الحقيقة هي الضحية الأولى في الحرب. فالتضليل والدعاية يطغيان على الوقائع، فيما تتراجع القدرة على قراءة المشهد بموضوعية.
ورغم أن ترامب يصرح بلغة الواثق بأن إيران أصبحت في وضع هش بعد تدمير جزء كبير من ترسانتها من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، فإنه لم يتردد أيضا في دعوة مكونات النظام الإيراني إلى الانشقاق، كما دعا الحرس الثوري إلى الاستسلام.
لكن الواقع يبدو أكثر تعقيدا بكثير. فالنظام في طهران يؤكد أنه ما يزال يمتلك ما يكفي من الأسلحة والأوراق التكتيكية والاستراتيجية لخوض حرب طويلة الأمد.
لقد راهن ترامب على انهيار سريع لإيران. غير أن المؤشرات حتى الآن لا تدعم هذا الرهان. فالجبهة الداخلية الإيرانية تبدو، إلى حد كبير، ملتفة حول نظامها وترفض أي تغيير مفروض من الخارج.
وهكذا، يبدو أن طرفي الحرب قد دخلا مرحلة اختبار الصمود:
كلما واصلت إيران إطلاق صواريخها الباليستية وطائراتها المسيرة، ارتفع احتمال وقوع خسائر فادحة في صفوف الأمريكيين والإسرائيليين. وفي المقابل، يهدد استمرار هذا الصراع بالتحول إلى مواجهة مفتوحة حول سؤال واحد: من يستطيع الصمود لفترة أطول؟
وهو سؤال قد لا يحدد فقط مصير هذه الحرب، بل ربما يحدد أيضا مستقبل الشرق الأوسط كله.






