إن دول الخليج، أردنا ذلك أم أبيناه، تشكّل محفظةَ البيترودولار الأكثر جاهزيةً واستعداداً لتمويل الخزينة الأمريكية، خاصةً لسد خسائر الولايات المتحدة من جراء حروبها ومعاركها الناجمة عن تدخلاتها العسكرية في مختلف أصقاع المعمور، وتحديداً أثناء عهدة الرئيس دونالد ترامب، الذي يبقى رئيس الدولة الأكثر تدخُّلاً في الحروب، والأكثر مشاركة فيها، بالرغم من مقولة سعيه إلى إنهاء الصراعات المسلحة في مختلف بقاع العالم... وما دامت دول الخليج الممول الرئيسي، بل المنفرد للمساعي العسكرية الأمريكية، فإن ضرب هذه الدول يمكن أن يحقق لإيران هدفين اثنين في آن واحد:
الأول: أن يُؤدي إبى إضعاف عائدات النفط والغاز الخليجيين فتتقلص مساهمات مجلس تعاون دول الخليج، اضطراراً لا إحجاماً، في تلبية الطلبات التمويلية المتزايدة للرئيس دونالد ترامب، وتضطر إلى التفكير طويلا قبل كل عملية ضخ جديدة في الخزينة الأمريكية؛
والثاني: أن تتحول دول الخليج من جراء تعرضها للضربات الإيرانية اليومية إلى ورقة ضغط، تستعملها هذه الدول ذاتُها في مخاطبتها للإدارة الأمريكية، لثنيها عن الاستمرار في حربها ضد إيران، ومن الطبيعي أن تكون القوة الاقتراحية والضاغطة لدول الخليج وازنةً ومعتبَرَةً عند الجانب الأمريكي، بالنظر لهَوْل الأظرفة المالية التي تتلقاه الولايات المتحدة في كل مناسبة مماثلة !!
هناك، أيضاً، الدور الذي تلعبه إيران وقوتها العسكرية، الجبارة بلا ريب، وخاصة بعد تخصيبها لليورانيوم، واستعدادها لإنتاج أولى قنابلها النووية إن لم تكن قد أنتجتها بالفعل، في إحداث "توازن الرعب" بالمنطقة، بينها وبين إسرائيل، مما يشكل عاملاً من عوامل كبح التمدد الإسرائيلي بالمنطقة العربية عامةً والخليحية خاصةً، وهو ما يتعامل عرب الخليج معه بنوع من النفاق السياسي والدبلوماسي غير خافٍ على أحد من العالمين !!
إن الأنظمة الخليجية قد جُبِلت منذ عقود طويلة على هذا النوع من الفصام السياسي والدبلوماسي: فمن جهة، نجدها تُعبّر بمختلف الوسائل عن تخوفها من الخطر الإيراني، الشيعي، بالرغم من تمركز الشيعة في معظم هذه الدول، حتى أن منها ما يستأثر المذهب الشيعي فيه بقصب السبق والغلبة؛
ومن جهة أخرى، تعمل دول الخليج ذاتُها على الانضمام الفوري إلى الجهد الأمريكي الإسرائيلي، الرامي إلى تقزيم إيران، وتحجيم قدراتها العسكرية الطاغية، وإضمار الخوف ذاته تجاه إسرائيل، لأن تلك الأنظمة، في واقع الأمر، تخشى في الوقت ذاته من التمدد الإسرائيلي وبالتالي، تجد نفسها بين مطرقة إيران وسندان إسرائيل، وأحلى الخياريْن مُرٌّ بكل تأكيد !!
إذَنْ، فأغلب الظن أن ضرب إيران لبلدان الخليج العربي ليس من أجل الانتقام من القواعد العسكرية الأمريكية المستقرة هناك، بقدر ما هو ترتيب مدروس لتحويل مجلس التعاون الخليجي إلى قوة ضاغطة على البيت الأبيض الأمريكي، الذي لن يجد بُدّاً عندما تتزايد خسائره وإنفاقاته الفلكية على هذه الحرب، من الإنصات إلى بكائيات الخليجيين، الذين بلغ الخوف والعجز لديهم إلى درجة الصدح بتصريحات تكذيبية متشنجة تنفي نفيا قاطعا كل الأخبار والشائعات التي تداولتها وسائل التواصل الاجتماعي، حول احتمال توجيهها لضربات جوية للأراضي والمنشآت الإيرانية، بالرغم من كونها تتمنى أن تمتلك الشجاعة لجعل ذلك قيد التنفيذ !!
الترسانة الأمريكية، الآن، في قمة التجمع والحشد فوق المياه المتوسطية المواجِهة للجغرافيا الإيرانية، بعد انضمام حاملتين جديدتين للطائرات وعدد من البوارج الحربية إلى الأسطول الأمريكي بالمنطقة، مما يُنذر بتصاعد أخطر مما كان منتظراً، ربما لن يدع أدنى خيار لدول الخليج في الإبقاء على موقفها الحيادي السلبي الغريب، الذي جعلها إلى غاية الساعة هذه تلعب لعبة "الأصم الأعمى والأبكم" تجاه ما يجري على مرمى حجر من ترابها وسيادتها، وكأنها غير معنية بالصراع الدائر، رغم وصول شُهُبه ونيرانه وشظاياه إلى مطاراتها وقواعدها ومناطقها الداخلية الأكثر حساسية.د !!
ومن يدري؟.. فالأيام القليلة المقبلة قد تُخرج دول الخليج قسراً واضطراراُ من ذلك الحياد الغريب والمذهل... عجبي !!!






