مجتمع وحوداث

منتجع صلاة التراويح المستطاب بشلالات الترتيل القرآني

عبد السلام المساوي

ننتظر رمضان لنتقرب إلى الله بالدعاء والسؤال. فالدعاء عبادة عظيمة، وهمومنا في هذه الدنيا كثيرة، وليس لنا إلا الله نقف عند أبوابه المفتوحة في هذا الشهر الفضيل.

دوماً، كان دعاء الخطيب بعد صلاة الجمعة أحب اللحظات إلى قلبي، أما أغلاها وأشدها تأثيراً في نفسي ونفوس المسلمين فما يلي صلاتي التراويح والتهجد من أدعية ترفع إلى الله في عمق الليل، ترافقها دموع المتضرعين "دون الجهر من القول". الخطيب يدعو عنا ولنا، وللمسلمين جميعاً، فنتمتم "آمين" واثقين بكرم الله وقربه من الذاكرين السائلين.

المؤمنون والمؤمنات الذين يؤدون صلاة التراويح يدعون الله صادقين مخلصين: اللهم ارحم عبادك... ونقول جميعاً اللهم آمين.

ربنا إن وقوفنا بين يديك في هذا الشهر الفضيل في المساجد هو أقصى سعادتنا... اللهم الطف بنا وارحمنا.

هنا المساجد فأهلاً بالمؤمنين الأصفياء، هنا بيوت الله فطوبى للداخلين...

المساجد، ليالي رمضان، موسم رباني ومهرجان روحي، تحيا فيه الأرواح والقلوب، وتتلاقح فيه العقول والأفئدة، وتصلح فيه النفوس وتتطهر...

المساجد بكل بقاع العالم لها نفس القدسية الدينية والهالة الروحية باعتبارها بيوتاً يذكر فيها اسم الله، بيوت العبادة والتقوى، أماكن للتوجه إلى الخالق الرحمن...

المساجد في هذا الشهر الفضيل تعيش ليالي رمضان زمناً دينياً بامتياز، قدسية المكان نابعة من تلاوة القرآن والفيض الإلهي.

المساجد في هذا الشهر الفضيل يحج إليها المؤمنون والمؤمنات لأنهم اشتاقوا إلى ربهم بحثاً عن الأجر والثواب، عن الأمن والأمان، عن السلام والطمأنينة، عن الخلاص والنجاة... هذه الليالي تفيض المساجد نوراً، وتغطي بروحانيتها قلوب الخاشعين والخاشعات، تدعو الجميع فيلبون النداء متقين.

قوافل من النساء والرجال يستجمعون الهمة، تهب بهم لواعج الإيمان والمحبة، الطاعة والامتثال إلى مقام الله عز وجل.

يهب بهم الحب ويزرع التوبة نحو مدارج الغفران، نحو منتجع صلاة التراويح المستطاب بشلالات الترتيل القرآني، الباذخ بالاستغفار والدعاء والخشوع والتعلق بالواحد الأحد، والانعتاق من رعونات النفس وشهواتها المنحطة وظلماتها ووساوسها وأدرانها، نحو لحظة الاستلقاء في غمر الباطن المتفجر بالرجاء والتوبة والطاعة والامتثال والأمل في عفو الله.

ملايين من المؤمنين والمؤمنات يشدون الرحال من مختلف الأمكنة والأزمنة يمثلون مختلف الفئات العمرية، أطفال، شباب... وشيوخ.. رجال ونساء... يمثلون مختلف الطبقات الاجتماعية؛ الغنية والفقيرة... لقضاء ليالي رمضان في حضرة أئمة يتلون آيات الذكر الحكيم...

هنا يتساوى الجميع... الكل يبتغي وجه الله.. إنهم عباد الله... فاضت جوارحهم بالحنين إلى الله، وهفا فؤادهم إلى انشراحات الاغتسال بالدفق القرآني طمعاً في علاج علل القلوب وأسقامها.

وجوه مشرقة نيرة، فرحة مستبشرة، آملة راجية، محبة عابدة، آمنة مطمئنة، مسالمة متسامحة... تأتي من هنا وهناك لترحل إلى الله.

تأتي لتحيي ليالي هذا الشهر العظيم... ليالي يمارس فيها المؤمن إنسانيته في أبعادها الدينية والروحية...

ليالي يتحرر فيها المؤمنون من شيئية المادة وجمود الأشياء...

إنها ليالي الطهارة والتطهير، تطهير النفس من شهوات الجسد وأغلال العالم الخارجي لتنطلق خفيفة ونظيفة فتعانق العالم العلوي وتتصل مباشرة بالرحمن الرحيم.

ليالي يحييها المؤمنون والمؤمنات لتعمير الباطن بذكر الله ومحبته وتقواه، بالزاد القلبي والروحي والروحاني.

ليالي رمضان، يحييها جنود الرحمن ليعيشوا الإيمان في طهارته وصفائه... يحييها المسلمون والمسلمات ليشربوا الحب والتسامح فيكتسبوا مناعة ضد العنف والتطرف، ويعانقوا الإسلام في أسسه العميقة، في جوهره الأصيل، في القرآن، الإسلام في أبعاده الإنسانية ومراميه الأخلاقية، الإسلام الذي جاء ليعلم الجميع العلم الحق والعمل الحق، الإسلام الذي جاء ليربي، ليطهر وينظف العالم، ليخرجه من مغارات الظلام إلى فضاء النور.