سياسة واقتصاد

لماذا "الآن".. قراءة في دوافع الحرب التمكينية الإسرائيلية على إيران

عبد الواحد غيات (باحث في العلوم السياسية)
إن‭ ‬ما‭ ‬يشهده‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬اليوم‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬جولة‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬الصراع،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬محاولة‭ ‬لاختطاف‭ ‬التاريخ‭ ‬وفرض‭ ‬واقع‭ ‬جيوسياسي‭ ‬جديد‭ ‬بالقوة‭. ‬بينما‭ ‬تنشغل‭ ‬الروايات‭ ‬الرسمية‭ ‬بالحديث‭ ‬عن‭ "‬الخطر‭ ‬النووي‭"‬،‭ ‬يكشف‭ ‬المشهد‭ ‬الميداني‭ ‬عن‭ ‬استراتيجية‭ ‬أعمق‭ ‬تتجاوز‭ ‬مفهوم‭ ‬الدفاع‭ ‬لتصل‭ ‬إلى‭ "‬التمكين‭ ‬الإقليمي‭ ‬المطلق‭. ‬إنها‭ ‬اللحظة‭ ‬التي‭ ‬قررت‭ ‬فيها‭ ‬تل‭ ‬أبيب‭ ‬أن‭ ‬بقاء‭ "‬إسرائيل‭ ‬الكبرى‭ ‬الوظيفية‭" ‬يمر‭ ‬حتماً‭ ‬عبر‭ ‬سحق‭ ‬الخصم‭ ‬الوحيد‭ ‬القادر‭ ‬على‭ ‬كسر‭ ‬احتكار‭ ‬القوة‭ ‬في‭ ‬المنطقة.

في‭ ‬خضم‭ ‬التحولات‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬الكبرى‭ ‬التي‭ ‬يشهدها‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬تبرز‭ ‬الحرب‭ ‬الخفية‭ ‬والعلنية‭ ‬بين‭ ‬إسرائيل‭ ‬وإيران‭ ‬كأحد‭ ‬أخطر‭ ‬صراعات‭ ‬القرن‭. ‬بينما‭ ‬تروج‭ ‬الرواية‭ ‬الرسمية‭ ‬في‭ ‬تل‭ ‬أبيب‭ ‬وواشنطن‭ ‬بأن‭ ‬الهدف‭ ‬هو‭ ‬«منع‭ ‬إيران‭ ‬النووية»،‭ ‬يكشف‭ ‬تحليل‭ ‬معمق‭ ‬للدوافع‭ ‬والتوقيت‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يجري‭ ‬يتجاوز‭ ‬بكثير‭ ‬مفهوم‭ ‬«الحرب‭ ‬الوقائية»‭ ‬ليصل‭ ‬إلى‭ ‬جوهر‭ ‬«الحرب‭ ‬التمكينية»‭. ‬إن‭ ‬إسرائيل‭ ‬لا‭ ‬تسعى‭ ‬فقط‭ ‬لنزع‭ ‬سلاح‭ ‬إقليمي،‭ ‬بل‭ ‬لإعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬النظام‭ ‬الإقليمي‭ ‬برمته،‭ ‬وإزاحة‭ ‬العائق‭ ‬الأكبر‭ ‬الذي‭ ‬يحول‭ ‬دون‭ ‬تتويجها‭ ‬قائدة‭ ‬مهيمنة‭ ‬على‭ ‬المنطقة‭. ‬فلماذا‭ ‬«الآن»‭ ‬بالتحديد؟‭ ‬وما‭ ‬هو‭ ‬التهديد‭ ‬الوجودي‭ ‬الذي‭ ‬تريد‭ ‬إسرائيل‭ ‬تجنبه؟.

دوافع الاستعجال الإسرائيلي: لحظة الحسم قبل فوات الأوان

ترى‭ ‬المؤسسة‭ ‬الأمنية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2026‭ ‬لحظة‭ ‬فاصلة،‭ ‬ربما‭ ‬تكون‭ ‬الأخيرة،‭ ‬لفرض‭ ‬واقع‭ ‬جديد‭. ‬هذا‭ ‬الإلحاح‭ ‬لا‭ ‬ينبع‭ ‬من‭ ‬نزوة‭ ‬سياسية،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬قراءة‭ ‬باردة‭ ‬لخريطة‭ ‬التهديدات‭ ‬الوجودية‭ ‬التي‭ ‬تواجهها‭ ‬الدولة‭ ‬العبرية‭.‬

أولاً‭: ‬تفكيك‭ ‬‮«‬حلقة‭ ‬النار‮»‬‭ ‬ قبل‭ ‬إحكامها

نجحت‭ ‬إيران‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬عقدين‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬«وحدة‭ ‬الساحات»،‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬تعرفه‭ ‬إسرائيل‭ ‬بـ‭ ‬«حلقة‭ ‬النار»‭. ‬هذه‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬تطويق‭ ‬إسرائيل‭ ‬بشبكة‭ ‬من‭ ‬وكلاء‭ ‬مسلحين‭ ‬بأحدث‭ ‬الصواريخ‭ ‬الدقيقة‭ ‬والمسيرات،‭ ‬انطلاقاً‭ ‬من‭ ‬لبنان‭ ‬وسوريا‭ ‬والعراق‭ ‬واليمن‭ ‬وقطاع‭ ‬غزة‭. ‬وفق‭ ‬تقديرات‭ ‬إسرائيلية،‭ ‬فإن‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬عام‭ ‬2026‭ ‬دون‭ ‬تدمير‭ ‬هذه‭ ‬الحلقة‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬أي‭ ‬مواجهة‭ ‬مستقبلية‭ ‬ستؤدي‭ ‬إلى‭ ‬«شلل‭ ‬وطني‭ ‬شامل»‭. ‬الكثافة‭ ‬النارية‭ ‬الهائلة‭ ‬ستطغى‭ ‬على‭ ‬أنظمة‭ ‬الدفاع‭ ‬الجوي،‭ ‬مثل‭ ‬«القبة‭ ‬الحديدية»‭ ‬و«حيتس»،‭ ‬مما‭ ‬يجعل‭ ‬العمق‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬مكشوفاً‭ ‬بالكامل‭ ‬لأول‭ ‬مرة‭ ‬منذ‭ ‬حرب‭‬1948‭.‬تدمير‭ ‬إيران‭ ‬الآن‭ ‬هو‭ ‬محاولة‭ ‬لقطع‭ ‬رأس‭ ‬الأخطبوط‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تتمكن‭ ‬أذرعه‭ ‬من‭ ‬خنق‭ ‬إسرائيل‭.‬

ثانياً‭: ‬عبور‭ ‬‮«‬العتبة‭ ‬النووية‮»‬‭ ‬وانهيار‭ ‬الردع‭ ‬التقليدي

تشير‭ ‬التقارير‭ ‬الاستخباراتية‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬إيران‭ ‬أصبحت‭ ‬على‭ ‬أعتاب‭ ‬امتلاك‭ ‬القدرة‭ ‬النووية‭ ‬العسكرية،‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬يعرف‭ ‬بـ‭ ‬«دولة‭ ‬العتبة»‭. ‬من‭ ‬منظور‭ ‬استراتيجي‭ ‬إسرائيلي،‭ ‬فإن‭ ‬تحول‭ ‬إيران‭ ‬إلى‭ ‬قوة‭ ‬نووية‭ ‬يعني‭ ‬نهاية‭ ‬حرية‭ ‬الحركة‭ ‬العسكرية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭. ‬لن‭ ‬تتمكن‭ ‬إسرائيل‭ ‬بعدها‭ ‬من‭ ‬شن‭ ‬ضربات‭ ‬ضد‭ ‬وكلاء‭ ‬إيران‭ ‬أو‭ ‬مصالحها،‭ ‬لأن‭ ‬أي‭ ‬تحرك‭ ‬قد‭ ‬يُقابل‭ ‬بتهديد‭ ‬نووي‭. ‬إن‭ ‬تدمير‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬النووية‭ ‬في‭ ‬منشآت‭ ‬مثل‭ ‬نطنز‭ ‬وفوردو‭ ‬"الآن"‭ ‬هو‭ ‬محاولة‭ ‬لفرض‭ ‬واقع‭ ‬جديد‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬إيران‭ ‬إلى‭ ‬دولة‭ ‬تحت‭ ‬مظلة‭ ‬نووية‭ ‬تحمي‭ ‬مشروعها‭ ‬الإقليمي‭ ‬إلى‭ ‬الأبد‭ ‬وتجمد‭ ‬معادلة‭ ‬الردع‭ ‬لصالحها‭.‬

ثالثاً‭: ‬استغلال‭ ‬‮«‬الفراغ‭ ‬السياسي‮»‬‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬الضعف‭ ‬الداخلي‭ ‬الإيراني

تزامنت‭ ‬الضغوط‭ ‬العسكرية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬مع‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬الغموض‭ ‬حول‭ ‬مصير‭ ‬المرشد‭ ‬الأعلى‭ ‬والصراع‭ ‬الخفي‭ ‬على‭ ‬خلافة‭ ‬السلطة‭ ‬في‭ ‬طهران‭. ‬فمنذ‭ ‬أواخر‭ ‬عام‭ ‬2025،‭ ‬تشهد‭ ‬إيران‭ ‬موجة‭ ‬احتجاجات‭ ‬واسعة‭ ‬هي‭ ‬الأكبر‭ ‬منذ‭ ‬ثورة‭ ‬1979،‭‬قمعتها‭ ‬السلطات‭ ‬بعنف‭ ‬شديد،‭ ‬مما‭ ‬خلق‭ ‬شرخاً‭ ‬عميقاً‭ ‬بين‭ ‬النظام‭ ‬والمجتمع‭. ‬في‭ ‬المصطلحات‭ ‬العسكرية،‭ ‬تمثل‭ ‬هذه‭ ‬اللحظة‭ ‬«فرصة‭ ‬قطع‭ ‬الرأس»‭ ‬أو‭ ‬«استهداف‭ ‬المركز‭ ‬الثمالي»‭. ‬التقارير‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الاستهدافات‭ ‬طالت‭ ‬مقر‭ ‬إقامة‭ ‬المرشد‭ ‬علي‭ ‬خامنئي‭ ‬ومجمعات‭ ‬أمنية‭ ‬وعسكرية‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬طهران،‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬لضرب‭ ‬مركز‭ ‬الثقل‭ ‬السياسي‭ ‬والعقائدي‭ ‬للنظام‭. ‬تدرك‭ ‬إسرائيل‭ ‬أن‭ ‬توجيه‭ ‬ضربة‭ ‬قاصمة‭ ‬للقدرات‭ ‬الإيرانية‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬ارتباك‭ ‬داخلي‭ ‬سيمنع‭ ‬النظام‭ ‬من‭ ‬اتخاذ‭ ‬قرارات‭ ‬رد‭ ‬فعل‭ ‬متماسكة،‭ ‬وسيعمق‭ ‬حالة‭ ‬الفوضى،‭ ‬مما‭ ‬يمهد‭ ‬الطريق‭ ‬لفرض‭ ‬وقائع‭ ‬جديدة‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬دون‭ ‬مواجهة‭ ‬مركزية‭ ‬فعالة‭ ‬من‭ ‬دولة‭ ‬منشغلة‭ ‬بصراعاتها‭ ‬الداخلية‭.‬

رابعاً‭: ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬‮«‬نموذج‭ ‬الدولة‮» ‬‭ ‬ذاته

التهديد‭ ‬الوجودي‭ ‬لإسرائيل‭ ‬ليس‭ ‬عسكرياً‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬تهديد‭ ‬لـ‭ ‬«نموذج‭ ‬الدولة»‭ ‬كمركز‭ ‬جذب‭ ‬عالمي‭ ‬للتكنولوجيا‭ ‬ورأس‭ ‬المال‭. ‬استمرار‭ ‬حالة‭ ‬الاستنزاف‭ ‬الأمني‭ ‬والقلق‭ ‬الوجودي‭ ‬تدفع‭ ‬النخب‭ ‬العلمية‭ ‬والتقنية‭ ‬إلى‭ ‬الهجرة،‭ ‬وتُخيف‭ ‬المستثمرين‭. ‬تدمير‭ ‬إيران‭ ‬الآن‭ ‬يمثل‭ ‬محاولة‭ ‬لترويج‭ ‬«وهم‭ ‬الأمان‭ ‬المستدام»‭ ‬للمواطنين‭ ‬والمستثمرين،‭ ‬عبر‭ ‬الترويج‭ ‬لفكرة‭ ‬أن‭ ‬مصدر‭ ‬التهديد‭ ‬الرئيسي‭ ‬طويل‭ ‬الأمد‭ ‬قد‭ ‬تم‭ ‬سحقه‭ ‬نهائياً،‭ ‬مما‭ ‬يضمن‭ ‬استمرارية‭ ‬«دولة‭ ‬الشركات‭ ‬الناشئة»‭.‬

إيران: حجر العثرة أمام مشروع "إسرائيل الكبرى" الوظيفية

الإصرار‭ ‬على‭ ‬تدمير‭ ‬إيران‭ ‬يتجاوز‭ ‬الدوافع‭ ‬الدفاعية‭ ‬إلى‭ ‬جوهر‭ ‬الصراع‭ ‬على‭ ‬الهوية‭ ‬المستقبلية‭ ‬للمنطقة‭. ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬لإسرائيل‭ ‬أن‭ ‬تتوج‭ ‬قائدة‭ ‬مهيمنة‭ ‬على‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬وجود‭ ‬قطب‭ ‬منافس‭ ‬يمتلك‭ ‬مقومات‭ ‬القوة‭ ‬الصلبة‭ ‬وفائض‭ ‬النفوذ‭ ‬الأيديولوجي‭.‬

إجهاض "الهيمنة الوظيفية" الإسرائيلية

مشروع‭ ‬إسرائيل‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الحادي‭ ‬والعشرين‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬بالضرورة‭ ‬تمدداً‭ ‬جغرافياً‭ ‬بالحدود‭ ‬التقليدية،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬«هيمنة‭ ‬وظيفية»‭ ‬تجعل‭ ‬من‭ ‬تل‭ ‬أبيب‭ ‬الشريان‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والتكنولوجي‭ ‬والأمني‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬غنى‭ ‬عنه‭ ‬للمحيط‭ ‬العربي‭ ‬والإسلامي‭. ‬بقاء‭ ‬إيران‭ ‬قوية‭ ‬يعني‭ ‬بقاء‭ ‬«محور‭ ‬مقاومة»‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬كسر‭ ‬هذا‭ ‬الاحتكار،‭ ‬وتقديم‭ ‬نموذج‭ ‬بديل‭ ‬للتحالفات‭ ‬والتنمية‭. ‬طهران‭ ‬بهذا‭ ‬المعنى‭ ‬هي‭ ‬حائط‭ ‬الصد‭ ‬الأخير‭ ‬أمام‭ ‬اكتمال‭ ‬حلم‭ ‬السيطرة‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬المطلقة‭ ‬على‭ ‬مقدرات‭ ‬المنطقة‭.‬

تحطيم الجسر بين الشرق والغرب

تمثل‭ ‬إيران‭ ‬القوية،‭ ‬خاصة‭ ‬ضمن‭ ‬تكتل‭ ‬«البريكس»،‭ ‬الجسر‭ ‬البري‭ ‬والبحري‭ ‬الذي‭ ‬يربط‭ ‬آسيا‭ ‬«الصين‭ ‬وروسيا»‭ ‬بالبحر‭ ‬الأبيض‭ ‬المتوسط‭. ‬تدمير‭ ‬هذا‭ ‬الجسر‭ ‬ضرورة‭ ‬إسرائيلية‭ ‬لتصبح‭ ‬هي‭ ‬«المعبر‭ ‬الوحيد»‭ ‬والمفضل‭ ‬للتجارة‭ ‬والطاقة‭ ‬بين‭ ‬الشرق‭ ‬والغرب‭ ‬عبر‭ ‬مشاريع‭ ‬الممرات‭ ‬البديلة‭ ‬«كالممر‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الهندي»الشرق‭ ‬أوسطي‭ ‬IMEC»‭. ‬هذا‭ ‬يضمن‭ ‬لها‭ ‬موقعاً‭ ‬مركزياً‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تجاوزه‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭.‬

الصراع على الشرعية القيادية للأمة

تطمح‭ ‬إسرائيل،‭ ‬عبر‭ ‬بوابة‭ ‬«الاتفاقات‭ ‬الإبراهيمية»،‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬صياغة‭ ‬تحالفات‭ ‬المنطقة‭ ‬بحيث‭ ‬تصبح‭ ‬«الحامي»‭ ‬الفعلي‭ ‬لأمنها‭ ‬واستقرارها‭. ‬بما‭ ‬أن‭ ‬إيران‭ ‬تمتلك‭ ‬مشروعاً‭ ‬إقليمياً‭ ‬مناهضاً‭ ‬قادراً‭ ‬على‭ ‬حشد‭ ‬الشعوب‭ ‬العربية‭ ‬والإسلامية‭ ‬خلف‭ ‬خطاب‭ ‬المقاومة،‭ ‬فإن‭ ‬كسر‭ ‬إرادتها‭ ‬هو‭ ‬السبيل‭ ‬الوحيد‭ ‬لإزاحة‭ ‬العقبة‭ ‬النفسية‭ ‬والسياسية‭ ‬التي‭ ‬تمنع‭ ‬تطبيع‭ ‬الهيمنة‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬وجعلها‭ ‬وصياً‭ ‬غير‭ ‬منازع‭ ‬على‭ ‬القرار‭ ‬الإقليمي‭.‬

من "الردع" إلى "التمكين": نحو نظام إقليمي جديد

ما‭ ‬تشهده‭ ‬المنطقة‭ ‬هو‭ ‬«حرب‭ ‬تمكينية»‭ ‬بامتياز‭. ‬إنها‭ ‬مصممة‭ ‬بدقة‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬لتعطيل‭ ‬قدرات‭ ‬العدو،‭ ‬بل‭ ‬لإزالة‭ ‬العائق‭ ‬البنيوي‭ ‬الذي‭ ‬يحول‭ ‬دون‭ ‬مشروع‭ ‬إقليمي‭ ‬طموح‭.‬

تصفية المنافس وخلق "الإقطاعية الجيوسياسية"

لا‭ ‬يمكن‭ ‬لإسرائيل‭ ‬أن‭ ‬تتوج‭ ‬قائدة‭ ‬مهيمنة‭ ‬على‭ ‬الفضاء‭ ‬العربي‭ ‬ما‭ ‬دامت‭ ‬إيران‭ ‬تمتلك‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬فرض‭ ‬موازين‭ ‬قوى‭ ‬بديلة‭. ‬تدمير‭ ‬إيران‭ ‬الآن‭ ‬يهدف‭ ‬إلى‭ ‬خلق‭ ‬فراغ‭ ‬استراتيجي‭ ‬هائل‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬فراغ‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬تعبئته‭ ‬سوى‭ ‬المنظومة‭ ‬الأمنية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬الإسرائيلية،‭ ‬مما‭ ‬يحول‭ ‬المنطقة‭ ‬عملياً‭ ‬إلى‭ ‬«إقطاعية‭ ‬جيوسياسية»‭ ‬تُدار‭ ‬من‭ ‬تل‭ ‬أبيب‭.‬

التمكين عبر التفكيك الداخلي

الضربات‭ ‬العسكرية‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬دفع‭ ‬إيران‭ ‬نحو‭ ‬هاوية‭ ‬التفكك‭ ‬الداخلي،‭ ‬سواء‭ ‬عبر‭ ‬استهداف‭ ‬وحدة‭ ‬القرار‭ ‬أو‭ ‬عبر‭ ‬تحريك‭ ‬التوترات‭ ‬العرقية‭. ‬إيران‭ ‬غارقة‭ ‬في‭ ‬صراعات‭ ‬داخلية‭ ‬مشلولة،‭ ‬هي‭ ‬السيناريو‭ ‬الذهبي‭ ‬الذي‭ ‬يمنح‭ ‬إسرائيل‭ ‬الفرصة‭ ‬للانقضاض‭ ‬على‭ ‬الساحة‭ ‬الإقليمية‭ ‬كقوة‭ ‬استقرار‭ ‬«وحيدة»‭ ‬مفروضة‭ ‬بالأمر‭ ‬الواقع،‭ ‬وقادرة‭ ‬على‭ ‬ملء‭ ‬الفراغ‭. ‬هذا‭ ‬يتقاطع‭ ‬مع‭ ‬التصريحات‭ ‬الأمريكية‭ ‬التي‭ ‬تحض‭ ‬الشعب‭ ‬الإيراني‭ ‬على‭ ‬«السيطرة‭ ‬على‭ ‬بلادهم»‭.‬

التمكين المزدوج: إسرائيل وكيلاً أصيلاً لواشنطن

تلتقي‭ ‬هنا‭ ‬مصلحة‭ ‬الوكيل‭ ‬بالأصيل‭. ‬الحرب‭ ‬«تمكينية»‭ ‬لواشنطن‭ ‬أيضاً،‭ ‬فهي‭ ‬تساعد‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬تثبيت‭ ‬نفوذها‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬عبر‭ ‬سحق‭ ‬قوة‭ ‬خرجت‭ ‬عن‭ ‬طوعها‭ ‬«إيران»،‭ ‬وهي‭ ‬«تمكينية»‭ ‬لتل‭ ‬أبيب‭ ‬لتتويجها‭ ‬وكيلاً‭ ‬حصرياً‭ ‬وقائداً‭ ‬إقليمياً‭ ‬يضمن‭ ‬المصالح‭ ‬الغربية‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬العالم‭ ‬الإسلامي،‭ ‬وبأقل‭ ‬تكلفة‭ ‬ممكنة‭ ‬على‭ ‬الجيش‭ ‬الأمريكي‭. ‬عملية‭ ‬«زئير‭ ‬الأسد»‭ ‬الإسرائيلية،‭ ‬التي‭ ‬تلاها‭ ‬التدخل‭ ‬الأمريكي‭ ‬المكثف‭ ‬في‭ ‬«الغضب‭ ‬الملحمي»،‭ ‬تظهر‭ ‬هذا‭ ‬التنسيق‭ ‬العالي‭ ‬المستوى‭ ‬الذي‭ ‬خطط‭ ‬له‭ ‬على‭ ‬مدار‭ ‬أشهر‭.‬

عوائق الطريق إلى الهيمنة: المرونة الإيرانية والمحددات الدولية

بعد‭ ‬هذا‭ ‬العرض‭ ‬الطموح‭ ‬للمخطط‭ ‬الإسرائيلي،‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬التوقف‭ ‬ملياً‭ ‬عند‭ ‬العوائق‭ ‬الحقيقية‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تحول‭ ‬دون‭ ‬اكتمال‭ ‬هذا‭ ‬المشروع،‭ ‬وأهمها‭ ‬طبيعة‭ ‬الخصم‭ ‬وموقف‭ ‬القوى‭ ‬الكبرى‭.‬

المرونة الإيرانية: هل القصف كافٍ لتفكيك النظام أم أن الصدمة قد تعيد تماسكه؟

التجربة‭ ‬التاريخية‭ ‬مع‭ ‬إيران،‭ ‬خاصة‭ ‬خلال‭ ‬حرب‭ ‬الثماني‭ ‬سنوات‭ ‬مع‭ ‬العراق،‭ ‬تظهر‭ ‬أن‭ ‬القصف‭ ‬الخارجي‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يُستخدم‭ ‬كـ‭ ‬«إغراء»‭ ‬وطني‭ ‬لتعزيز‭ ‬التماسك‭ ‬الداخلي،‭ ‬وليس‭ ‬تفكيكه‭. ‬دعنا‭ ‬نرى‭ ‬كيف‭ ‬يبدو‭ ‬المشهد‭ ‬اليوم‭.‬

•‭ ‬التماسك‭ ‬المؤسساتي‭ ‬مقابل‭ ‬الفردي‭: ‬القصف‭ ‬ركز‭ ‬على‭ ‬استهداف‭ ‬القيادة‭ ‬«خامنئي»‭ ‬كـ‭ ‬«فرصة‭ ‬لقطع‭ ‬الرأس»‭. ‬لكن‭ ‬المعلومات‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭ ‬أظهر‭ ‬مرونة‭ ‬مؤسساتية‭ ‬عالية‭. ‬فبعد‭ ‬الضربات‭ ‬مباشرة،‭ ‬تم‭ ‬التأكيد‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الرئيس‭ ‬بزشكيان‭ ‬«بخير»،‭ ‬والأهم‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬أن‭ ‬التقديرات‭ ‬الاستخباراتية‭ ‬الأميركية‭ ‬«حتى‭ ‬قبل‭ ‬الهجوم»‭ ‬كانت‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬أنه‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬مقتل‭ ‬خامنئي،‭ ‬فإن‭ ‬السيناريو‭ ‬الأرجح‭ ‬هو‭ ‬تولي‭ ‬شخصيات‭ ‬متشددة‭ ‬من‭ ‬الحرس‭ ‬الثوري‭ ‬زمام‭ ‬السلطة‭. ‬هذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬الاستهداف‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬فراغ،‭ ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬تسليم‭ ‬القيادة‭ ‬لتيار‭ ‬أكثر‭ ‬تشدداً،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يتناقض‭ ‬مع‭ ‬هدف‭ ‬«تفكيك‭ ‬النظام»‭.‬

•‭ ‬المرونة‭ ‬العسكرية‭ ‬والعقائدية‭:‬‭ ‬إيران‭ ‬لا‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬مباشرة‭ ‬للتفوق‭ ‬الجوي‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬الأميركي‭. ‬هي‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬«الرد‭ ‬غير‭ ‬المتماثل»‭. ‬الحرب،‭ ‬رغم‭ ‬قسوتها،‭ ‬تُعتبر‭ ‬«مختبراً‭ ‬قاسياً»‭ ‬لتطوير‭ ‬القدرات‭ ‬الصاروخية‭ ‬والتخطيط‭ ‬العسكري‭. ‬إيران‭ ‬لا‭ ‬تنتصر‭ ‬بمنع‭ ‬الضربات،‭ ‬بل‭ ‬بـبقاء‭ ‬النظام‭ ‬واقفاً‭ ‬على‭ ‬قدميه‭ ‬كدليل‭ ‬على‭ ‬فشل‭ ‬هدف‭ ‬«تغيير‭ ‬النظام»‭. ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المعادلة،‭ ‬مجرد‭ ‬قدرة‭ ‬إيران‭ ‬على‭ ‬الاستمرار‭ ‬في‭ ‬إطلاق‭ ‬الصواريخ‭ ‬وتهديد‭ ‬العمق‭ ‬الإسرائيلي،‭ ‬حتى‭ ‬مع‭ ‬تعرضها‭ ‬لضربات‭ ‬مؤلمة،‭ ‬يعد‭ ‬انتصاراً‭ ‬استراتيجياً‭ ‬يعيد‭ ‬ترميم‭ ‬شرعيتها‭ ‬الداخلية‭.‬

•‭ ‬تأثير‭ ‬الداخل‭:‬‭ ‬صحيح‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬احتجاجات‭ ‬داخلية،‭ ‬لكن‭ ‬يجب‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬الصورة‭ ‬كاملة‭. ‬التقارير‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬النظام‭ ‬واجه‭ ‬تحديات‭ ‬اقتصادية‭ ‬وأمنية‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة‭ ‬منذ‭ ‬أواخر‭ ‬2025‭. ‬المفارقة‭ ‬هنا‭ ‬أن‭ ‬أي‭ ‬عدوان‭ ‬خارجي‭ ‬واسع‭ ‬قد‭ ‬يحوّل‭ ‬بوصلة‭ ‬الغضب‭ ‬الشعبي‭ ‬من‭ ‬الداخل‭ ‬«النظام»‭ ‬إلى‭ ‬الخارج‭ ‬«العدو»،‭ ‬مما‭ ‬يمنح‭ ‬النظام‭ ‬فرصة‭ ‬ذهبية‭ ‬لإعادة‭ ‬توحيد‭ ‬الصف‭ ‬الداخلي‭ ‬تحت‭ ‬شعار‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬الوطن،‭ ‬وهي‭ ‬آلية‭ ‬كلاسيكية‭ ‬لامتصاص‭ ‬الاحتجاجات‭.‬

 ‬رد‭ ‬فعل‭ ‬القوى‭ ‬الكبرى‭ : ‬شراكة‭ "‬النظر‭ ‬شرقاً‭" ‬على‭ ‬المحك

هذا‭ ‬هو‭ ‬البعد‭ ‬الأكثر‭ ‬تعقيداً‭. ‬هو‭ ‬طرح‭ ‬سيناريو‭ ‬«المواجهة‭ ‬غير‭ ‬المباشرة»‭ ‬أو‭ ‬«الخنق»،‭ ‬لكن‭ ‬المعطيات‭ ‬الحالية‭ ‬ترسم‭ ‬صورة‭ ‬أكثر‭ ‬براغماتية‭ ‬«وربما‭ ‬خيبة‭ ‬أمل»‭ ‬بالنسبة‭ ‬لإيران‭. ‬الموقف‭ ‬الروسي-الصيني‭ ‬يكشف‭ ‬حدود‭ ‬التحالف‭ ‬بوضوح‭ ‬قاسٍ‭.‬

روسيا: حليف وقت الرخاء فقط؟

•‭ ‬الالتزام‭ ‬المحدود‭:‬‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬توقيع‭ ‬معاهدة‭ ‬شراكة‭ ‬استراتيجية‭ ‬مع‭ ‬إيران‭ ‬في‭ ‬2025،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬روسيا‭ ‬حرصت‭ ‬على‭ ‬إسقاط‭ ‬أي‭ ‬بند‭ ‬للدفاع‭ ‬المشترك‭. ‬موسكو‭ ‬غير‭ ‬ملزمة،‭ ‬ولن‭ ‬تقدم‭ ‬دعماً‭ ‬عسكرياً‭ ‬مباشراً‭.‬

•‭ ‬الموقف‭ ‬الميداني‭:‬‭ ‬روسيا‭ ‬أدانت‭ ‬الهجوم‭ ‬ووصفته‭ ‬بـ‭ ‬«المغامرة‭ ‬الخطيرة»‭ ‬ودعت‭ ‬لمجلس‭ ‬أمن‭ ‬طارئ‭. ‬لكن‭ ‬على‭ ‬الأرض،‭ ‬لم‭ ‬تقدم‭ ‬الدعم‭ ‬العسكري‭ ‬الفعال‭ ‬المتوقع‭ ‬«مثل‭ ‬طائرات‭ ‬سو-35 أو‭ ‬أنظمة‭ ‬إس -400)،‭ ‬مما‭ ‬أثار‭ ‬خيبة‭ ‬أمل‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬الأوساط‭ ‬السياسية‭ ‬الإيرانية‭.‬

•‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الروسية‭: ‬موسكو‭ ‬تفضل‭ "‬المسافة‭ ‬المحسوبة‭"‬‭. ‬هي‭ ‬تريد‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬علاقاتها‭ ‬مع‭ ‬الجميع:‭ ‬إيران‭ ‬كورقة‭ ‬ضغط،‭ ‬وإسرائيل‭ ‬«حيث‭ ‬يوجد‭ ‬تواصل‭ ‬دائم»،‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬«التي‭ ‬تتفاوض‭ ‬معها‭ ‬بشأن‭ ‬أوكرانيا‭ ‬وملفات‭ ‬أخرى»‭. ‬بوتين‭ ‬يوجه‭ ‬تعازيه،‭ ‬لكنه‭ ‬لا‭ ‬يرسل‭ ‬جيشه‭.‬

الصين: الحذر الاقتصادي مقابل المغامرة العسكرية

•‭ ‬الدعم‭ ‬المعنوي‭ ‬فقط‭:‬‭ ‬الصين‭ ‬أدانت‭ ‬بشدة‭ ‬الضربات‭ ‬واعتبرتها‭ ‬«انتهاكاً‭ ‬صارخاً‭ ‬للسيادة»‭. ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬الرسمية‭ ‬هاجمت‭ ‬الدعوات‭ ‬الأميركية‭ ‬لتغيير‭ ‬النظام‭ ‬في‭ ‬إيران‭.‬

•‭ ‬التحرك‭ ‬العسكري‭ ‬المحتمل‭ (‬مؤشر‭ ‬خطير‭):‬‭ ‬هناك‭ ‬تقارير‭ ‬غير‭ ‬مؤكدة‭ ‬عن‭ ‬نية‭ ‬الصين‭ ‬تحريك‭ ‬قوات‭ ‬بحرية‭ ‬نحو‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭. ‬إذا‭ ‬صح‭ ‬هذا،‭ ‬فهو‭ ‬ليس‭ ‬دفاعاً‭ ‬عن‭ ‬إيران‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬حماية‭ ‬للمصالح‭ ‬الصينية‭ ‬«النفط‭ ‬والتجارة»‭. ‬بكين‭ ‬لا‭ ‬تريد‭ ‬الحرب،‭ ‬لكنها‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬الوقت‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬تحمل‭ ‬انغلاق‭ ‬المضيق‭ ‬أو‭ ‬عدم‭ ‬استقرار‭ ‬المنطقة‭ ‬بشكل‭ ‬كامل‭.‬

•‭ ‬مصالح‭ ‬متضاربة‭:‬‭ ‬الصين،‭ ‬مثل‭ ‬روسيا،‭ ‬لا‭ ‬تعمل‭ ‬بمنطق‭ ‬«التحالف»‭ ‬بل‭ ‬بمنطق‭ ‬«المصلحة»‭. ‬هي‭ ‬تستورد‭ ‬النفط‭ ‬الإيراني‭ ‬ولكنها‭ ‬أيضاً‭ ‬أكبر‭ ‬شريك‭ ‬تجاري‭ ‬لإسرائيل‭ ‬ودول‭ ‬الخليج‭. ‬«النظر‭ ‬شرقاً»‭ ‬كانت‭ ‬استراتيجية‭ ‬إيرانية‭ ‬لتعويض‭ ‬العزلة‭ ‬الغربية،‭ ‬لكن‭ ‬تبين‭ ‬أنها‭ ‬تمنح‭ ‬دعماً‭ ‬سياسياً‭ ‬وتجارياً،‭ ‬لكنه‭ ‬غير‭ ‬كافٍ‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬الخطر‭ ‬الوجودي‭.‬

خاتمة‭: ‬هل‭ ‬تنجح‭ "‬الحرب‭ ‬التمكينية‭"‬؟

الاستنتاج النهائي 

‭"‬الحرب‭ ‬التمكينية‭"‬‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬قد‭ ‬تحقق‭ ‬نجاحات‭ ‬تكتيكية‭ ‬«تدمير‭ ‬بنى‭ ‬تحتية»،‭ ‬لكنها‭ ‬تواجه‭ ‬عائقين‭ ‬كبيرين:

•‭ ‬الداخل‭ ‬الإيراني‭ ‬الذي‭ ‬يمتلك‭ ‬قدرة‭ ‬تاريخية‭ ‬على‭ ‬استيعاب‭ ‬الصدمات‭ ‬وإعادة‭ ‬إنتاج‭ ‬النخب‭ ‬«الحرس‭ ‬الثوري»‭.‬

•‭ ‬المحيط‭ ‬الدولي‭ ‬حيث‭ ‬يكتشف‭ ‬صناع‭ ‬القرار‭ ‬في‭ ‬طهران‭ ‬أن‭ ‬«النظر‭ ‬شرقاً»‭ ‬و«البريكس»‭ ‬يوفران‭ ‬غطاءً‭ ‬سياسياً،‭ ‬لكنهما‭ ‬لا‭ ‬يقدمان‭ ‬مظلة‭ ‬دفاعية‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬الحسم‭. ‬روسيا‭ ‬والصين‭ ‬تتركان‭ ‬إيران‭ ‬تواجه‭ ‬المصير‭ ‬الأصعب‭ ‬وحدها،‭ ‬مما‭ ‬قد‭ ‬يدفع‭ ‬طهران‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭ ‬إما‭ ‬إلى‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬التصلب‭ ‬أو‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬تقييم‭ ‬جذري‭ ‬لتحالفاتها‭.‬

بناءً‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬تقدم،‭ ‬يتضح‭ ‬أن‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬إيران‭ ‬ليست‭ ‬«وقائية»،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬حرب‭ ‬تمكينية‭ ‬للمشروع‭ ‬الصهيوني‭ ‬في‭ ‬نسخته‭ ‬الأكثر‭ ‬طموحاً‭. ‬نجاحها‭ ‬التكتيكي‭ ‬في‭ ‬تدمير‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬واضح،‭ ‬حيث‭ ‬استهدفت‭ ‬مئات‭ ‬المواقع‭ ‬العسكرية‭ ‬والسياسية‭ ‬والأمنية‭. ‬لكن‭ ‬التحدي‭ ‬الحقيقي‭ ‬يبقى‭ ‬استراتيجياً‭.‬

هل‭ ‬يمكن‭ ‬فرض‭ "‬النظام‭ ‬العالمي‭ ‬الجديد‭" ‬بالسلاح‭ ‬وحده؟

بينما‭ ‬تمكنت‭ ‬إسرائيل‭ ‬من‭ ‬توجيه‭ ‬ضربة‭ ‬قاسمة،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬المعرفة‭ ‬النووية‭ ‬والخبرة‭ ‬البشرية‭ ‬الإيرانية‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬موجودة‭. ‬كما‭ ‬نعتقد‭ ‬أن‭ ‬«الفراغ»‭ ‬الذي‭ ‬ستتركه‭ ‬إيران‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يملأه‭ ‬بالضرورة‭ ‬المشروع‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬بسلاسة،‭ ‬بل‭ ‬قد‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬فوضى‭ ‬إقليمية‭ ‬شاملة‭ ‬تمتد‭ ‬إلى‭ ‬دول‭ ‬الجوار‭ ‬وتولد‭ ‬تهديدات‭ ‬جديدة‭ ‬أكثر‭ ‬تشظياً‭ ‬وعنفاً،‭ ‬خاصة‭ ‬مع‭ ‬اتساع‭ ‬رقعة‭ ‬الرد‭ ‬الإيراني‭ ‬ليشمل‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭.‬

الانتقادات‭ ‬داخل‭ ‬إسرائيل‭ ‬نفسها‭ ‬تحذر‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬«إزالة‭ ‬التهديد»‭ ‬كل‭ ‬بضعة‭ ‬أشهر‭ ‬ليس‭ ‬انتصاراً‭ ‬استراتيجياً،‭ ‬وأن‭ ‬الرهان‭ ‬على‭ ‬تغيير‭ ‬النظام‭ ‬عبر‭ ‬قصف‭ ‬خارجي‭ ‬قد‭ ‬أثبت‭ ‬فشله‭ ‬في‭ ‬الماضي‭.‬

‭ ‬لن‭ ‬تقاس‭ ‬نتائج‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬بعدد‭ ‬الصواريخ‭ ‬التي‭ ‬سقطت،‭ ‬بل‭ ‬بقدرة‭ ‬إسرائيل‭ ‬على‭ ‬تحويل‭ ‬هذا‭ ‬الزخم‭ ‬العسكري‭ ‬إلى‭ ‬شرعية‭ ‬سياسية‭ ‬ونظام‭ ‬إقليمي‭ ‬جديد‭ ‬ومستقر‭. ‬إنها‭ ‬مقامرة‭ ‬استراتيجية‭ ‬كبرى،‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬اختطاف‭ ‬التاريخ‭ ‬وحسم‭ ‬صراع‭ ‬وجودي‭ ‬طويل‭ ‬الأمد‭ ‬لصالحها،‭ ‬لكن‭ ‬رياح‭ ‬التغيير‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬تهب‭ ‬دائماً‭ ‬بما‭ ‬تشتهي‭ ‬سفن‭ ‬الهيمنة‭.‬