فن وإعلام

تاريخ العلاقات الدبلوماسية المغربية من خلال أرشيف ووثائق المكتبات العالمية (الحلقة 7)

أحمد الدافري (إعلامي)

هكذا حسم السلطان سيدي محمد بن عبد الله مغربية الصحراء في "المادة 18" من معاهدة مراكش 1767 مع إسبانيا. 




تعد معاهدة مراكش الموقعة في 28 ماي 1767 وثيقة مفصلية في تاريخ العلاقات القانونية بين المغرب وإسبانيا، لا سيما فيما يتعلق بتحديد نطاق المسؤولية السيادية على السواحل الأطلسية. 


ويبرز "الشرط الثامن عشر" من هذه المعاهدة، المحفوظة في أرشيف "سيمانكاس" والأرشيف التاريخي الوطني بمدريد، كبند مركزي يوثق الموقف الرسمي للدولة المغربية من مسألة الصيد البحري والولاية القانونية على المناطق الواقعة جنوب وادي نون، وصولاً إلى الأراضي الصحراوية.


لقد نص هذا البند في منطوقه الحرفي على أن السلطان سيدي محمد بن عبد الله "تبرأ من أهل كنارية من اصطيادهم الحوت بـكوشطة (Costa/ساحل) وادي نون وما وراءه". 


ويظهر استخدام مصطلح "كوشطة" كتعريب للمصطلح الإسباني (Costa) للدلالة على الساحل، مما يعكس دقة التواصل الدبلوماسي بين البلاطين آنذاك.


 إن إدراج هذا النطاق الجغرافي "ما وراء وادي نون" في نص معاهدة دولية رسمية، يعد إقراراً قانونياً من الجانب الإسباني بتبعية هذه المناطق للولاية المغربية. فالمفاوض الإسباني، وتحت إشراف الوزير المفوض خورخي خوان، لم يكن ليناقش تنظيم نشاط الصيد في تلك السواحل البعيدة لو لم تكن القناعة الدبلوماسية قائمة بأن ممارسة السلطة التنفيذية هناك مرتبطة بالقرار السيادي المنبثق من العاصمة مراكش.


وتكشف المادة 18 عن رؤية استراتيجية في إدارة المسؤولية الدولية. فمن خلال رفض السلطان منح "الضمانات" أو تحمل "الدرك" المسؤولية القانونية عما قد يقع لأهل كنارية في تلك المناطق مع "عرب البلاد"، فإنه كان يرسخ واقعاً سياسياً واجتماعياً مركباً. 


إن عبارة "عرب البلاد" الواردة في المخطوط تشير صراحة إلى المكون البشري لتلك الأقاليم جنوب وادي نون، وهم القبائل العربية الناطقة باللسان "الحساني"، والتي كانت تشكل النسيج السكاني الممتد في الصحراء.


إن إحالة السلطان للجانب الإسباني على هؤلاء كانت تأكيدا لنمط السيادة المغربية التي كانت تقوم على نظام "البيعة والولاء" المتجذر بين القبائل الصحراوية والسلطة المركزية. فالسلطان بموقفه هذا، يُعلم الجانب الإسباني أن أي توغل أجنبي في تلك السواحل دون تنسيق رسمي مع المخزن سيعرضهم لمواجهة مباشرة مع الرعايا المحليين المرتبطين بالعرش، وهي القبائل التي كانت تضطلع بدور حرس الحدود الطبيعيين بموجب التزامات البيعة. ومن الناحية الدبلوماسية، كان هذا يمثل ضغطاً قانونياً يفرض على إسبانيا الاعتراف بأن استقرار نشاطها البحري في الأقاليم الجنوبية يمر حتماً عبر توطيد العلاقات مع السلطان، القادر وحده على التواصل مع "عرب البلاد" وتأمين السواحل الصحراوية.


إن قراءة هذا المخطوط في سياقه التاريخي تبين وحدة التعامل الدبلوماسي المغربي مع الثغور والحدود. فالتوجه الذي حدد نطاق التواجد الإسباني في الشمال (الشرط التاسع عشر)، هو ذاته الذي نظم الحقوق الملاحية والتجارية في الصحراء (الشرط الثامن عشر).


 وبذلك، تظل وثائق "سيمانكاس" وسجلات "قسم الدولة" حجة تاريخية تبرز كيف كانت خريطة السيادة المغربية تُعرف دولياً كإمبراطورية مستقلة تملك حق الولاية على ترابها وبحرها، وهو ما حسم، من الناحية الوثائقية، مسألة مغربية الصحراء في وقت مبكر من القرن الثامن عشر.

وهذا ما كان.


🔹 التعليق على الصورة 1:

تتضمن هذه الوثيقة النص الكامل للشرط الثامن عشر بالخط المغربي، حيث تظهر الإشارات الجغرافية لمناطق "واد نون وما وراءه" واستخدام مصطلح "كوشطة" (المرادف لـ Costa الإسبانية). توثق هذه المادة ممارسة السلطان لسيادته في منح أو تقييد رخص الصيد لأهل جزر كنارية في السواحل الصحراوية، مع الإشارة إلى "عرب البلاد" (القبائل الحسانية)، مما يعد دليلاً قانونياً على بسط الولاية المغربية على تلك المناطق وتحديد شروط الاستغلال الاقتصادي لها بموجب رابطة البيعة للسلطان المغربي والولاء للدولة المغربية. 


🔹 التعليق على الصورة 2:

تُظهر هذه الصورة ديباجة المعاهدة التي تحدد لقب السلطان بصفته ملكاً على "مراكش وفاس ومكناسة وسوس ودرعة وتافيلالت وغير ذلك من الأقاليم المغربية". تشكل هذه الديباجة الإطار القانوني الشامل للمادة 18؛ إذ تُرجمت عبارة "الأقاليم المغربية" في الممارسة الدبلوماسية إلى سلطة فعلية اعترفت بها إسبانيا رسمياً من خلال قبول بنود هذه المعاهدة المنظمة للصيد والتجارة فيما وراء وادي نون.


المرجع الوثائقي والأكاديمي:

▪️الأرشيف العام في سيمانكاس (Archivo General de Simancas): قسم الدولة (Secretaría de Estado)، ملفات المفاوضات مع المغرب (Negociación de Marruecos).

▪️الأرشيف التاريخي الوطني في مدريد (Archivo Histórico Nacional): سجلات معاهدات السلام والتجارة في القرن الثامن عشر.