مجتمع وحوداث

التيك توك المغربي.. الحاجة إلى حوار وطني حول الأخلاقيات الرقمية ورهانات حماية السيادة الرقمية

خديجة الكور (باحثة في علم الاجتماع)

أضحى تيك توك اليوم أكثر من مجرد تطبيق للفيديوهات القصيرة؛ إنه ظاهرة عالمية متكاملة تغيّر السلوكيات والقيم والثقافة وتمتد تأثيراته لتشمل العلاقات الاقتصادية والسياسية في مختلف المجتمعات. تأسس هذا التطبيق سنة 2016 على يد الشركة الصينية بايت دانس (ByteDance)، ويقوم على خوارزمية متطورة تحلل تفاعلات كل مستخدم لتقديم تدفق شبه لا نهائي من المحتوى المخصص له. وقد صُمم التطبيق خصيصًا للزيادة المستمرة في الوقت الذي يقضيه المستخدم على المنصة وزيادة التفاعل، محوّلًا كل فرد إلى مستهلك نشيط ومساهم محتمل في المحتوى الفيروسي (viral).

وحقق تيك توك نجاحًا ماليًا استثنائيًا؛ ففي عام 2025، بلغت إيراداته العالمية حوالي 16 مليار دولار، ويعود الجزء الأكبر منها إلى بايت دانس (ByteDance)، من خلال الإعلانات، وعمليات الشراء داخل التطبيق مثل الهدايا أثناء البث المباشر (livestream) ووضع المنتجات. ويقتطع التطبيق نسبة تتراوح بين 50 و70٪ من إيرادات الهدايا الافتراضية (cadeaux virtuels)، ما يعني أن نحو 600 إلى 700 ألف دولار من كل مليون دولار يتم إنفاقه عالميًا تذهب مباشرة إلى الشركة في الصين. وتشكل الإيرادات الإعلانية العالمية نحو 11–13 مليار دولار، إضافة إلى أكثر من 2,5 مليار دولار من البث المباشر (livestream)، مما يعكس النفوذ الاقتصادي الكبير الذي بات يتمتع به تيك توك كمحرك اقتصادي وأداة نفوذ عالمي مركّزًا القيمة الاقتصادية في المقر الصيني، رغم تنوع الأسواق التي يخدمها.

ويكتسب تيك توك بعدًا جيوسياسيًا وتكنولوجيا مهمًا، فهو ليس مجرد شركة ترفيهية، بل أصبح أداة نفوذ ناعم صينية (soft power)، قادرة على التأثير في الثقافات، وتشكيل سلوكيات الشباب، وجمع بيانات قيّمة عن مئات الملايين من المستخدمين. وتكتسب السيطرة على الخوارزمية أهمية استراتيجية في الحرب التكنولوجية المعاصرة، إذ لا تؤثر المنصة على اقتصاد الانتباه (économie de l’attention) فحسب، بل تمتد تأثيراتها إلى تشكيل تصور العالم، ونشر المحتويات الثقافية وصناعة الآراء السياسية. ومن منظور تجريبي، يمثل كل سوق مختبرًا لبايت دانس يسمح باستخراج القيمة الاقتصادية والمعلوماتية، وفي الوقت نفسه تشكيل الخيال الجمعي.

وقد شهد تيك توك بالمغرب انتشارًا واسعًا بين مختلف الفئات العمرية، خصوصًا الشباب. وتشير بيانات البارومتر الرقمي للمغرب 2025 إلى وجود نحو 8–11 مليون مستخدم نشط، أي ما يعادل 25–30٪ من إجمالي السكان. وبالنسبة للفئة العمرية بين 15 و34 عامًا، يستخدم أكثر من 60٪ منهم المنصة يوميًا، بمتوسط وقت يقارب 60–95 دقيقة يوميًا، فيما يتجاوز بعض المستخدمين ساعتين إلى ثلاث ساعات. ويؤكد المرصد المغربي للمحتوى الرقمي هذه الاتجاهات، مشيرًا إلى أن غالبية المحتوى الفيروسي (contenu viral) يرتبط بالفكاهة، والحياة اليومية، والموضة، والموسيقى، والمأكولات،

وقد أظهرت عدة دراسات وتقارير وطنية أن تيك توك أصبح له تأثير عميق وشامل على المجتمع المغربي، سياسيًا واجتماعيًا وأخلاقيًا وثقافيا.

إذ لم يعد حضور تيك توك في المغرب مجرد امتداد عابر لثقافة الترفيه الرقمي، بل تحول إلى فضاء كثيف التأثير يعيد تشكيل الوعي الجماعي ويعيد ترتيب سلم القيم داخل المجتمع. غير أن ما يُنتَج ويُروَّج في أجزاء واسعة من هذا الفضاء يكشف عن تحولات مقلقة، حيث تُختزل المعاناة الاجتماعية في عروض مباشرة تستدرّ الهبات الرقمية، فتتحول الهشاشة إلى رأسمال عاطفي، وتُعاد صياغة الفقر كأداء قابل للاستهلاك.

وفي السياق ذاته، يُلاحظ توظيف الأطفال وكبار السن والأشخاص في وضعية إعاقة كرافعات لجذب التفاعل، بما يحوّل الفئات التي يفترض أن تحاط بالحماية إلى أدوات للانتشار.

كما تتنامى أنماط من العرض القائم على الاستفزاز الجسدي والإيحاء، في بيئة خوارزمية تكافئ الصدمة وتُعلي من منطق الإثارة، مما يرسّخ لدى بعض الفئات الشابة تصوراً ملتبساً عن القيمة والنجاح.

ولا يقل خطورة عن ذلك انتشار محتويات مرتبطة بالسحر والتنبؤات والشعودة ومشاهد التلبّس، حيث يُختزل المقدس في فرجة مباشرة، وتُستثمر هشاشة الأفراد النفسية والاجتماعية في اقتصاد المشاهدة، في تداخل لافت بين الموروث الشعبي ومنطق الربح الفوري.

إلى جانب ذلك، تُضخَّم سردية الثراء السريع والنجاح الخاطف، فتُقدَّم الشهرة كبديل عن المسار والاجتهاد، ويُعاد تعريف النجاح بوصفه قدرة على لفت الانتباه لا بناء قيمة مستدامة.

أما في المجال العام، فإن النقد المشروع للسياسات العمومية يتحول أحياناً إلى خطاب تبسيطي مشحون، يُختزل فيه التعقيد في شعارات، ويُستبدل التحليل الرصين بالاتهام والسخرية، بما قد يساهم في تعميق أزمة الثقة دون إنتاج وعي نقدي مسؤول.

ويتجلى الأثر الأعمق في ما يمكن تسميته بالخيانة الرقمية داخل الأسرة، حين تُبث الخلافات الزوجية والنزاعات العائلية والأسرار الخاصة على الملأ سعياً وراء التفاعل، فيتحول البيت من فضاء ستر وحماية إلى مسرح عرض، وتتآكل الحدود بين الخاص والعام، وتُصاب الثقة داخل النواة العائلية بتصدعات قد تمتد آثارها جيلاً كاملاً.

إن المسألة لا تتعلق هنا بإدانة التكنولوجيا في حد ذاتها، بل بطرح سؤال أخلاقي وثقافي ملحّ حول كيفية صون الكرامة الإنسانية، وحماية الفئات الهشة، والحفاظ على قدسية الأسرة، وإعادة الاعتبار لقيمة المعنى في فضاء رقمي بات يملك قدرة غير مسبوقة على تشكيل الوعي وتوجيه السلوك.

وقد أصبحت العديد من الدول حول العالم واعية بالاثار السلبية التي يخلفها تيك توك على مجتمعاتها، فاتخذت إجراءات تنظيمية صارمة. فالصين تحمي القاصرين وتفرض رقابة على المحتوى وتحدد أوقات الاستخدام، والاتحاد الأوروبي يفرض شفافية على الخوارزميات ويضمن حماية القاصرين، وفرنسا وضعت إجراءات لمراقبة المحتوى وحماية القاصرين.

وقد أظهرت تجارب بعض الدول القدرة على توجيه تيك توك نحو الاستخدام الإيجابي والبناء. فدول مثل سنغافورة وكوريا الجنوبية واليابان نجحت في استثمار المنصة لتعزيز التوعية المدنية، والتعليمية، والثقافية، من خلال برامج رسمية تشارك فيها الوزارات، ومسابقات تعليمية، وحملات توعية رقمية. كما تم تدريب صانعي المحتوى على إنتاج فيديوهات تحمل قيمة معرفية، واجتماعية، وثقافية، وتعرض الإنجازات الوطنية والإقليمية بشكل إيجابي، بدل الاقتصار على عرض السلبيات أو إثارة الجدل. وقد أظهرت هذه التجارب أن الدعم الحكومي والمجتمعي، إلى جانب التعليم والتنوير الرقمي والتوجيه الأخلاقي، يمكن أن يحوّل تيك توك من أداة للترفيه فقط إلى منصة لتعزيز الانخراط المدني والثقافة الرقمية، مع الحفاظ على القيم الاجتماعية والأخلاقية، ومكافحة الانحرافات والممارسات الضارة.

وفي المغرب، وعلى الرغم من بعض المبادرات السابقة، يبقى المجهود الوطني لمواجهة التحديات الرقمية غير مكتمل، ويحتاج إلى إعادة هيكلة شاملة تشمل سن قوانين واضحة، وتوفير آليات رصد ومتابعة، وتعزيز قدرات الأسر والمجتمع المدني على التوجيه، ودعم صانعي المحتوى المحليين لإنتاج محتوى مسؤول ومؤثر إيجابيًا وتحويل هذه المنصة من مصدر سلبيات إلى أداة للوعي والمعرفة والمشاركة المجتمعية، بما يضمن حماية القيم الثقافية والأخلاقية، والحفاظ على التماسك الاجتماعي، ودعم السيادة الرقمية الوطنية.

إننا في أمس الحاجة في المغرب إلى تنظيم حوار وطني شامل حول مدونة سلوك وأخلاقيات في المجال الرقمي وبلورة استراتيجية متكاملة تستثمر الإمكانات الرقمية بطريقة ذكية ومستدامة وتضمن حماية السيادة الرقمية لوطننا.