فن وإعلام

في حضرة المرحوم جسوس

فجري الهاشمي

أمس طلب مني صديقي عبدالمقصود الراشدي أن أرافقه إلى مدينة الرباط، حيث تنظم ندوة في مقر الاتحاد الاشتراكي باكدال،  وطبعا، من يتغيب عن الحضور في مثل هاته المناسبات، والتي صارت قليلة  رغم أن الحاجة إليها أصبحت ملحة، فحين تغيب الخلفية الثقافية المؤطرة للسياسة  نكون في وضع غير سليم، وربما ذلك من أعطاب  السياسة والسياسيين.  

شارك في الندوة كل من خالد عليوة، والذي كان عرضه متميزا وأما إدريس بن سعيد، الذي عايش جسوس في رحاب الجامعة  فقد اتحفنا بمداخلة أثار فيها جوانب مهمة من تجربة جسوس، وتولى صديقي عبدالمقصود الراشدي،  بشكل مقتضب، بسط  بعض الأفكار التي تضمنتها أطروحة جسوس  للدكتوراه، والتي حصل عليها من جامعة برنستين في نهاية الستينات، و عنوانها: "نظرية التوازن وتفسير التغيير المجتمعي".

 وكانت كلمة الختم للصديق عمر بن عياش الدي بذل  مجهودا  اسثتنائيا لإنجاز هذا العمل  والمكتوب أصلا باللغة الانجليزية.

حين كنت أتابع تلك المذاخلات  تذكرت أن المرحوم جسوس، اكتسب شعبيته حين اهتم بتفكيك الثقافة السائدة في المجتمع، وكأنه حدد للسوسيولوجيا دورها الأول في مجتمع يعيش تأخرا ثقافيا، 

لكن جسوس لم يُفهم من طرف يسار الحزب فقد بدأ خارج المعادلة السياسية، التي كانت تعطي للصراع أهمية كبرى  فقد كانت الماركسية تمارس جاذبيتها على تفكير النخبة السياسية، ولذلك كان جسوس لا يحضى بالمصادقة على بعض من مواقفه.

في سنة 1976 كان هناك اجتماع للجنة المركزية للشبيبة الاتحادية في مقرها بحي يعقوب المنصور،  وقد تم استدعاء المرحوم جسوس ليقدم عرضا توجيهيا، ومن بين ما قال كما اتذكر:" إن الاتحاديين لهم عقدة مع السلطة، وأنه عليهم ان يراجعوا نظرتهم لهذا الموضوع".

شخصيا لم أتقبل هذا الموقف، واعتبرت ذلك محاولة لجر الاتحاد إلى تصالح مع الدولة في مرحلة لم تتحق شروط تلك المصالحة. وقد كان لا بد من انتظار  عشرين سنة لكي تتم تلك المصالحة، بدءا بالتصويت على دستور 1996والذي  كان مقدمة لذلك.

وفي سنة 1977  قدم المرحوم جسوس عرضا في مدينة الدار البيضاء تحت عنوان:" الانتهازية في اوساط الشباب"، ورغم أننا طبعنا ذلك العرض، و وزعناه فقد كان لنا موقف منه، ذلك أننا لم نتقبل أن يوصف الشباب  بالانتهازية، فهذه الاخيرة ذات طبيعة سياسية، وغالبا ما كانت توصف بها البورجوازية الصغيرة المتذبذبة، في حين فإن جسوس كان يتحدث عن ثقافة منتشرة في أوساط الشباب، وهناك من شجع عليها لإبعاد الشباب عن السياسة، خصوصا في تلك المرحلة حيث عرفت انخراطا قويا للشباب فيها. 

سوف اختم  بالقول: أحيانا تكون هناك عناصر من الانتلجانسيا سباقة في تصوراتها للمرحلة التي تعيشها، ولذلك فقد تعاني من سوء فهم والسبب أن الابستيمي السائدة تشكل احيانا عائقا.