فن وإعلام

بين ضجيج الميكروفونات وصمت التأثير...أجور الصحفيين وأزمة الاستقلال.. هل لا تزال لحرية الصحافة معنى؟

حسن اليوسفي المغاري (صحفي)

من يتأمّل الصورة جيدا، يجد نفسه أمام مشهد يكاد يختنق بصخبه: عشرات الميكروفونات تتزاحم فوق طاولة واحدة، وشعارات متراصة كلوحات إعلانية في معرض تجاري، والوزير يجلس خلفها في ندوة رسمية داخل مقر وزارته. للوهلة الأولى، يوحي المشهد بتعددية لافتة وحضور كثيف وتنوع واسع. غير أن خلف هذا الحشد البصري يختبئ سؤال أعمق وأشد إلحاحا: هل نحن فعلا أمام حيوية إعلامية، أم أمام تضخّم عددي لا يخفي إلا هشاشة بنيوية؟


في الديمقراطيات الراسخة، لا تُقاس حرية الصحافة بعدد الميكروفونات المصطفّة أمام المسؤولين، بل باستقلالية المؤسسات، وجرأة الأسئلة، وشفافية الأجوبة. في مؤتمرات البيت الأبيض أو الإحاطات الرسمية في باريس وبرلين، قد يكون الحضور محدودا، لكن قيمة التفاعل أعلى بكثير، والسؤال النقدي ثقافة راسخة لا استثناء عابرا. أما حين يتحوّل المشهد إلى سباق لوضع الشعار أمام العدسات، فإننا لا نشهد صناعة مساءلة، بل صناعة صورة.


 


 حين تدفع الدولة أجور من يُفترض أنهم يراقبونها



بيد أن الأمر لا يتوقف عند الشكل؛ فالأعمق من ذلك يكمن في البنية ذاتها. منذ ما يقارب ست سنوات، باتت وزارة الاتصال تتكفّل بصرف رواتب صحفيين يعملون في مؤسسات خاصة، بعد أن تخلّى عدد من أصحاب هذه المقاولات عن أداء واجباتهم المالية منذ عام 2020. وهذا المعطى ليس ظرفيا ولا تقنيا؛ إنه يكشف خللا بنيويا في نموذج التمويل برمّته.


الصحافة الخاصة تقوم في جوهرها على الاستقلال المالي أولا؛ لأن التمويل ليس تفصيلا محاسبيا، بل هو حجر الزاوية في الاستقلال التحريري. وحين يصبح مصدر الأجور مرتبطا بالجهة التي يُفترض مساءلتها، تتشكّل منطقة رمادية خطرة: لا رقابة مباشرة بالضرورة، ولا توجيه صريح، لكن ثمة تكيّف ضمني راسخ، ورقابة ذاتية صامتة، وحسابات دقيقة للـ"ملاءمة". في هذا المناخ، قد تتكاثر المنابر لكن تضيق مساحة النقد، وقد يرتفع عدد الميكروفونات لكن تنخفض حدة الأسئلة.


 


 من أزمة أجور إلى أزمة نظام


وصل الملف إلى قبة البرلمان، وهو ما يؤكد ثقله السياسي والاجتماعي. وفي خضم هذا الجدل، أعلن الوزير في الندوة ذاتها -الندوة التي تمثلها الصورة- عن استمرار صرف الأجور لثلاثة أشهر إضافية. لكن السؤال الجوهري لا يتعلق بعدد الأشهر، بل بطبيعة العلاقة التي تُبنى عبر هذا النمط من التمويل بين الصحافة والسلطة. فالتمديد المؤقت قد يخفّف الاحتقان، لكنه لا يعالج أصل الأزمة: كيف يمكن لمؤسسة إعلامية أن تمارس رقابة فعلية على الجهة التي تضمن استقرار رواتب طاقمها؟


المشكلة ليست في الدعم العمومي للصحافة من حيث المبدأ؛ فكثير من الدول تعتمد آليات دعم مدروسة لضمان التعددية. الإشكال في الحالة المغربية أن الدعم تحوّل من إجراء استثنائي لإنقاذ قطاع في أزمة، إلى بنية دائمة تُعوّض فشل المقاولات الإعلامية عن الوفاء بالتزاماتها. وهنا تتشكّل تبعية بنيوية لا تحتاج إلى تعليمات مباشرة لكي تؤثر في الخط التحريري؛ يكفي أن يعلم الصحفي أن أجره مرتبط باستمرار قرار إداري، حتى تتسلّل الرقابة الذاتية إلى ممارسته اليومية، وتُعاد معايرة سقف أسئلته تلقائيا.


والنتيجة نموذج هجين لا ينتمي إلى أي من التعريفين الكلاسيكيين: ليس إعلاما عموميا بقواعد شفافة ومحددة، ولا إعلاما خاصا يتحمّل مخاطره السوقية. بل هو تضخّم عددي في المنابر -وهو ما تجسّده الصورة بجلاء- في مقابل هشاشة مهنية متصاعدة، حيث يصبح البقاء رهينا باستمرار الدعم لا بثقة الجمهور ولا بجودة المحتوى.


 


 مفارقة أخلاقية في قلب المشهد


الأخطر في كل هذا أن هذه الوضعية تُنتج مفارقة أخلاقية صارخة: الدولة تموّل رواتب صحفيين يُفترض أن مهمتهم الأولى هي مراقبتها ومساءلتها. وحتى في غياب أي توجيه مباشر، فإن مجرد التداخل بين المموّل والموضوع يُولّد مناخا ملتبسا يضعف ثقة الجمهور، ويقوّض المسافة النقدية الضرورية لأي إعلام يدّعي الاستقلال.


الإعلام ليس ديكورا يُجمّل الندوات ويُضفي عليها مسحة من التعددية، بل هو أداة تفكيك وتحليل ومراقبة. وحين يُختزل دوره في التقاط التصريحات وبثّها، يتحوّل من سلطة رقابية إلى مجرد ناقل صدى. وحين يفقد الجمهور الإحساس بجدوى الوساطة الإعلامية، تتفاقم أزمة الثقة وتتعمّق. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية: ليس في كثرة الميكروفونات، بل في صمت المعنى.


 


خلاصة لابد منها: الاستقلال شعار أم ممارسة؟


المشهد يتجاوز في دلالته أزمة أجور ظرفية؛ إنه يكشف هشاشة هيكلية عميقة في نموذج إعلامي يُؤثر المعالجة المالية المؤقتة على الإصلاح البنيوي. وبدلا من إعادة بناء مقاولات صحفية قادرة على الاستدامة والاستقلال، يجري تمديد حالة الاعتماد على الدولة بضعة أشهر، كأن الأزمة قابلة للتأجيل إلى ما لا نهاية.


في نهاية المطاف، لا تُختبر حرية الصحافة في البيانات الرسمية، ولا في كثافة الميكروفونات داخل قاعات الندوات، بل في قدرة المؤسسة الصحفية على الوقوف على مسافة واحدة من جميع مراكز القوة، دون استثناء. وأي نموذج تمويل لا يضمن هذه المسافة، مهما كانت نواياه المُعلنة، يُبقي الاستقلال شعارا أكثر منه ممارسة 


فعلية.