في سباق محموم نحو الانتشار، تُنشر أخبار بلا تحقق، وتُضخّم الوقائع، وتُفبرك العناوين، ويُستعمل التشهير كأداة جذب، غير آبهة بالأضرار النفسية والاجتماعية التي تُخلّفها. تُدمَّر سمعة أشخاص، وتُزرع الشكوك داخل الأسر، وتُحاكم النوايا على صفحات المواقع، دون سند قانوني أو مهني.
الخطير في هذا الانزلاق ليس فقط في خرق أخلاقيات المهنة، بل في تطبيع هذا السلوك، وكأن حياة الناس مادة خام، وكأن الخصوصية ترف لا يستحق الاحترام. فالصحافة وُجدت لمساءلة السلطة لا لانتهاك الضعفاء، ولخدمة الصالح العام لا للاتجار بالألم الإنساني.
لا أحد ينكر أهمية الصحافة الإلكترونية ودورها في توسيع هامش التعبير، لكن الحرية دون ضوابط تتحول إلى فوضى، والمعلومة دون مسؤولية تصبح أذى. المطلوب اليوم ليس تكميم الأفواه، بل إعادة الاعتبار لأخلاقيات المهنة، وترسيخ ثقافة التحقق، واحترام الحياة الخاصة، والتمييز بين ما يهم الرأي العام وما يخص الإنسان في صمته.
فالصحافة التي تُخرّب بيوت الناس، تفقد شرعيتها الأخلاقية قبل أن تفقد ثقة القرّاء. والبحث عن “البوز” قد يمنح وهجاً عابراً، لكنه يترك جراحاً عميقة، ويقوّض رسالة مهنة وُلدت أصلاً لتكون صوتاً للحق، لا سكيناً في خاصرة المجتمع.






