الأرشيف الوطني البرتغالي المعروف باسم "توري دو تومبو" (Arquivo Nacional da Torre do Tombo)، يعني "برج السجلات"، حيث كانت تحفظ وثائق الدولة والعرش منذ القرن الرابع عشر داخل أحد أبراج قلعة لشبونة لحمايتها. واليوم، يعتبر هذا "البرج" واحدا من أقدم وأضخم خزائن الأسرار التاريخية في العالم، والمستودع الأول للمراسلات الرسمية التي دارت بين سلاطين المغرب وملوك البرتغال عبر القرون.
ضمن هذا الأرشيف العريق، وتحديدا في صناديق "المراسلات السياسية" (كوريسپوندينسيا پوليتيكا Correspondência Política)، نجد توثيقا لمنعطف تاريخي تحتفي به البرتغال اليوم كأحد أهم ركائز دبلوماسيتها.
ففي معرض وثائقي رسمي نظمه الأرشيف بمناسبة مرور 250 عاما على توقيع معاهدة 1774، تم الكشف عن وثائق المصادقة الملكية (راتيفيكاساو Ratificação) التي وثقت نهاية أطول حالة صراع عسكري في تاريخ البلدين، وبداية عهد جديد من الندية السيادية.
وتكشف وثائق هذا الأرشيف أن هذه المعاهدة، التي وقعها السلطان المجدد سيدي محمد بن عبد الله والملك البرتغالي جوزي الأول (José I) تحت إشراف وزيره القوي الماركيز دي بومبال (Marquês de Pombal)، زيادة على كونها كانت مجرد اتفاقية ثنائية لإنهاء الحرب، فهي كانت صكا قانونيا يكرس اعتراف القوة البحرية البرتغالية بالوحدة الترابية للإمبراطورية المغربية.
فبعد الجلاء الاضطراري للبرتغاليين عن ثغر "مازاغان" (الجديدة) عام 1769، أدركت لشبونة أن استقرار ملاحتها نحو البرازيل والهند رهين برضا البلاط المغربي، وهو ما جعلها تقبل شروط السلطان التي تمنع وجود أي جندي أجنبي فوق التراب الوطني.
وبالعودة إلى المخطوطات الأصلية المعروضة في "توري دو تومبو"، نجد أن السلطان سيدي محمد بن عبد الله فرض شروطا تجارية وملاحية صارمة، حيث نصت المادة الأولى على "الأمان التام" للسفن المغربية، مع ضمان معاملة المغاربة بكرامة تليق برعايا دولة إمبراطورية.
وتبرز الوثائق استخدام لقب "الإمبراطور" (إمپيرادور Imperador) في مناداة السلطان المغربي، مما يعكس اعترافا دوليا بمكانة المغرب كقوة إقليمية مهيمنة أدارت علاقاتها من ميناء الصويرة بعيدا عن منطق التبعية الاستعمارية.
وتؤرخ هذه الحقبة لطي صفحة احتلال برتغالي بدأ بسقوط سبتة عام 1415، وتمدد ليشمل ثغور القصر الصغير الذي حرره السلطان محمد الشيخ السعدي عام 1550، ومدينة "أصيلا" التي تظهر في السجلات البرتغالية باسم "أرزيلا" (Arzilla)، ثم طنجة التي آلت للإنجليز قبل أن يسترجعها المغرب عام 1684. وقد كان تحرير "مازاغان" (مدينة الجديدة حاليا) في 11 مارس 1769 على يد السلطان سيدي محمد بن عبد الله بمثابة الخاتمة العسكرية لهذا الوجود، حيث لم يبق للبرتغال بعد هذا التاريخ أي موطئ قدم فوق التراب المغربي، مما حول العلاقة من المواجهة إلى التعاقد الدبلوماسي الذي كرسته معاهدة 1774.
إن اعتراف البرتغال بلقب "إمبراطور المغرب" في معاهدة 1774 كان اعترافا منها بالسيادة المغربية الشاملة على كافة الأقاليم التي تدين بالولاء للعرش، وهو امتداد سيادي يتجاوز الخط الساحلي ليشمل العمق الصحراوي، كما تؤكده تقارير القناصل البرتغاليين المحفوظة في برج السجلات.
وهذا ما كان
التعليق على الوثائق
الوثيقة 1
الواجهة العربية لمعاهدة "السلام والصداقة" الموقعة في 11 يناير 1774، وهي الوثيقة المرجعية المحفوظة في أرشيف "توري دو تومبو" تحت تصنيف (Tratados, Marrocos, cx. 1, n. 1). تبرز في هذه الصفحة ديباجة المعاهدة بالخط المغربي الرسمي، ويتوسطها الختم السلطاني المربع للسلطان سيدي محمد بن عبد الله، في إعلان صريح عن بداية حقبة دبلوماسية قائمة على الندّية القانونية والاعتراف المتبادل بالسيادة.
الوثيقة 2
استكمال لبنود المعاهدة المكتوبة باللغة العربية، وتظهر فيها دقة الصياغة القانونية المغربية في صياغة المواد والالتزامات. تعكس هذه الصفحة الانتقال التاريخي من "منطق الصراع" إلى "منطق التعاقد"، حيث تضمنت نصوصاً سيادية تحمي الرعايا وتنظم الملاحة والتجارة، مما يجسد وعي الدولة المغربية في القرن الثامن عشر بآليات القانون الدولي وأعراف الدبلوماسية العالمية.
الوثيقة 3
نسخة التصديق البرتغالية الرسمية (Ratificação) التي تقابل النص العربي وتمنحه القوة القانونية في القارة الأوروبية. تكمن أهمية هذه الوثيقة في تثبيتها للقب "إمبراطور المغرب" في السجلات الدولية، وهي الحجة التي أُلزم بها التاج البرتغالي أمام القوى العظمى آنذاك، مؤكدة على الوحدة الترابية للمملكة المغربية وسيادتها الشاملة على ثغورها ومياهها الإقليمية.
المرجع الوثائقي والأكاديمي لهذه الحلقة:
◾️الأرشيف الوطني البرتغالي (Torre do Tombo): المعرض التوثيقي بمناسبة مرور 250 عاما على المعاهدة (Mostra documental: 250 anos do Tratado Portugal-Marrocos).
◾️الأرشيف الدبلوماسي البرتغالي: وثائق المصادقة الملكية الموقعة في لشبونة بتاريخ 1774 (Ratificação do Tratado de Paz e Amizade).
◾️المكتبة الوطنية البرتغالية (BNP): المراسلات السياسية بين الماركيز دي بومبال والبلاط المغربي حول "جلاء مازاغان" (الجديدة).








