فن وإعلام

فتنة الحواس..قراءة تحليلية في قصة "الغراب" للكاتب أحمد بوزفور

رشيد مليح (قاص وناقد)

 في البدء، فإن قصة" الغراب"،يمكن أن تقرأ عبر آلية الحواس أكثر من المخيلة حيث يلتقي المكون البصري بالسمعي.. السرد بالعين الحسية الراصدة للبياض دون إغفال صوت" عقعقة" أو نعيب الغراب.تبرز الرؤية البصرية والرصد السمعي كأداة فنية بيد المتلقي يتوسل بها وهو يتغلغل في أحداث النص.

إذا كانت المخيلة اللغوية تفك شفرة الكلمات عبر التمثل والتفكير حول النص ،فإن قصة "الغراب" تجلي رموزها وعلاماتها اللغوية عبر الحواس أولا قبل كل تمثل وتأمل.

 لعل أول ملاحظة يمكن استشفافها ونحن نقرأ قصة "الغراب" للكاتب أحمد بوزفور ،هي سيادة مكون اللون عبر التصوير الحسي والبصري للمشهد العام الكلي الاستهلالي للأحداث :البياض تحديدا.. متمثلا في بياض الثلج المتساقط على الهضاب والتلال..بما يحمله من جلال وأثر نفسي مهيب على المرء.

إن سقوط الثلج في منظور السارد،هو استشعار للحظة التحول في سيرورة الطبيعة والكون..الشتاء البارد الذي يسرق معه دفء الشمس وازدهار الحياة والشعور بالأمن والحماية أمام قسوة الطبيعة.

يتحقق مشهد البياض المهيمن لتساقط الثلج عبر منظور السارد/ الطفل الذي ينزوي في البيت غارقا في جلباب أبيه الدافئ والرحيم.

إن مشهد تساقط الثلج وقعقعة الغربان، واقع يوحي بانقطاع في السيرورة العامة للحياة الاجتماعية اليومية:الطفل الذي لم يذهب إلى الجامع..الأخت الصغرى التي لم ترع أغنامها...الأب الذاهب إلى الغابة للبحث عن الحطب..الأخت الوسطى المريضة...


يتجلى البياض الحسي عبر بياض الثلج الذي يتساقط وبياض السماء والهضاب والأرض..أما البياض الرمزي فهو حالة الحياد المريب :بياض انتظار الطفل لأبيه الذاهب إلى الغابة جلبا لحطب التدفئة /بياض الصمت الذي يفصل بين السماء والأرض الناصعتين/بياض مشهد مرض الأخت الوسطى /بياض حيرة الأخت الكبرى وهي تنقل حكاية الرجل المهاجر المتزوج بالنصرانية/بياض حكمة الأم وذهولها أمام حكاية الزوج المهاجر الذي يبدو أنه تنصل من أصالة جذوره :"*١هي أسلمت وهو كفر "/بياض دهشة الأب وهو يجيب بكل بداهة ويقينية، مبطنة برمزية عميقة لفعل التحول/الانمساخ الأخلاقي والقيمي في حياة الأفراد..

ثم بياض مساحات النص المشفرة التي تمتد بين الكلمات للتحليل والتأويل .


يمثل الغراب بلونه الأسود الفاحم توازيا معنويا ضديا من حيث اللون،مع مكون الثلج..و تتجسد بذلك الثنائية الدلالية بين البياض والسواد.

يعكس الغراب صورة الإرث الثقافي الاجتماعي الشفهي للمجتمع المغربي في بعده الأسطوري والميثولوجي،والمثير في الثنائية اللونية والدلالية بين الأبيض والأسود هو أنها تعكس،في العمق، وجه الحياة المتناقض وروح الفصول المتضادة والمتعاقبة والشخصيات متداخلة الحضور ،ثم المسافة بين البرود القاسي للطقس والدفء الأسري الحاضن والضام للأفراد.


كما يأتي اللون الأسود (الغراب) ليحقق بعض الخرق في الصورة المهيمنة على الفضاء الأبيض المطبوع بالصمت..فيلفي القارئ نفسه متحررا من هيمنة البياض منتقلا عبر حواسه إلى اللون الضدي:الأسود .

القصة/المبحث هي احتفاء السارد/ الطفل بعالمه الشخصي المتقاطع مع عالم الكبار:الأب والأم والأخوات..قد يبدو عالما طفوليا بسيطا في منظور الطفل وعبره منظور المتلقي..ولكنه عالم محمل بالإيحاءات والتمثلات الثقافية والجمالية:

١/حضور الميثولوجيا المغربية:المسخ الخرافي للكائن الحيواني والكائن البشري.

٢/استلهام المكون الثقافي الديني(سورة الملك أو "تبارك"... ) و المكون الاجتماعي:(نمط العيش..قيمة الأسرة المتضافرة التي تشكل معنى الحماية وشرط بناء الإنسان والوعي بالفضاء والجمال المحيط..

التدين:شكل وضوء الغراب /الرجل...)

٣/جمالية المكان المفعم بنصاعة الثلج وقسوة البرد والسكون ،و جمالية العيش و تأقلم الإنسان مع البيئة القاسية.


تجدر الإشارة إلى أن مكون الغراب ينزاح عن المستوى المباشر المألوف، ليتخذ بعدا تخييليا ومجازيا في سياق خاص عبر منظور السارد/ الطفل،فقد تكون صورة الغراب/الرجل نوعا من الاستيهام التخييلي للطفل أو قد يكون تعبيرا مجازبا عن شخصية الرجل غير محدد الهوية وغير المعلوم، الذي يتوضأ..وقد ظهر في المشهد بشكل عرضي. يقول السارد:"*٢ورأيت الغراب يفسخ تكة سرواله الأزرق القصير الرجلين ويقرفص على الأرض..."

يهيمن الوصف على النص خاصة في بداية القصة، حيث يبئر السارد لمشهد الفضاء الأبيض المغمور بالثلج والبرد والصمت ، في مقابل الحياة الدافئة والبسيطة للأسرة المتوادة والمتضافرة."*٣قفزت إلى النافذة الخشبية وفتحتها فرأيت البياض،الهضبة المقابلة كانت بيضاء،تماما،والسماء بيضاء أيضا،وبينهما الصمت والبرد ولاغراب. 

السارد هو الشاهد الواصف للفضاء الخارجي: الأرض والأفق البيضاوين والفضاء الداخلي: البيت..و يوظف الوصف كآلية فنية تتسم بخاصية الثبوتية المشهدية في مقابل الحركية السردية..وهو أداة فنية لإدماج المتلقي في الفضاء، ليدرك خصائصه ومميزاته وعلاقته التفاعلية مع الشخصيات.. و الوصف كذلك فرصة للتأمل والإطلالة على الذات. 

في التضافر مع التصوير المشهدي، يحضر المكون الصوتي بقوة أيضا.. ونذكر:صوت الغراب:" عاق عاق عاق"/صوت الطفل وهو يقرأ آيات "تبارك الذي بيده الملك..."/صوت هسهسة يد المهراس وهي تدق الشعير بيد الأخت الكبرى/صوت الماء المرشوش وصوت السطل القصديري الخاص بالوضوء/هسيس البرد والصمت المخيم..


وفي صورة جمالية معبرة تتحول هذه العقعقات إلى صوت يتزيا باللون الأسود عبر تقنية شعرية أساسها :التراسل بين الحواس.. فتصبح أصوات الغربان الحادة مرئية ..قاتمة..كلون ريشها."٤ورميتها بالثلج،فسقط الثلج متناثرا على الأرض أبيض مع العقعقات السوداء..."

 قصة" الغراب"، وإن كانت تحكي عبر رؤية السارد/ الطفل، عن أحداث يومية قد تبدو عادية إلا أنها في العمق ،تدل على أبعاد وقيم عميقة ،والتي يمكن أن نختزلها في كلمة واحدة:المسخ..بالمعنى الميثولوجي والأخلاقي. وذلك عبر مجموعة من المكونات التخييلية الأسطورية الدالة:الغراب الذي كان رجلا قبل مسخه/الطيور التي كانت بشرا قبل أن تمسخ/النملة المرأة التي مسخت وزاد انمساخها بالجناحين اللذين رفعاها إلى درجة الجرأة والتهور كما هو مشاع في المحكي الخرافي الشفهي المغربي.


إن مكون التحول الانمساخي ،هو بنية رمزية مضمرة بين ثنايا الحكاية الأساس للطفل..وهي توحي بأن المسخ قد يتحول من مجرد مكون خرافي رمزي إلى واقع اجتماعي وإنساني إشكالي شامل. إنها حقيقة قيمية وحضارية تعكس تراجع المعنى وإفلاس القيم المجتمعية وتدهور جوهر الانسان..يقول الأب للطفل وهو يداري سؤاله البريء والبديهي بكثير من الحكمة واللطف.."٥قاطعت أبي:-أبا...صحيح أن الغراب كان رجلا ومسخ؟

أجاب أبي:يكون آوليدي يكون...هذا الزمان يمسخ اللي مايتمسخ.."

تستمد القصة القصيرة نسغ جمالتيها ومعنى وظيفتها السردية النوعية من الالتفات إلى الجزئي والمهمش والمنسي ،كمدخل حقيقي للكشف عن الجوهري في الوجود الإنساني عبر استنطاق الواقع وكشف تناقضاته..وفي هذا السياق تندرج قصة" الغراب" لأحمد بوزفور ،مرتكزة في ذلك على لغة إيحائية وصفية تزاوج بين السرد والوصف...كما أنها تتلون بالطابع البصري والمشهدي فهي لغة حسية بصرية، ولاغرابة في ذلك، فالأحداث شهادة على لسان الطفل الذي يسرد وهو يكتشف عالمه الأول ويستدمج دهشاته وجمالياته وتناقضاته في المخيال ليعيد تسريدها قصة. 

يبدو أن عمق إبداعية قصة" الغراب" لأحمد بوزفور، يجعل منها تتأبى على الزمن و عرضية التقادم.. وذلك لأنها مطبوعة بروح صاحبها وبألق السجل الإبداعي الإنساني..وهنا يمكن أن نطرح السؤال التالي..كيف يمكن للأثر الأدبي أن يصمد أمام الزمن محافظا على خصائص تأثيره وإدهاشه؟هل هي نضارة ورصانة اللغة وإيحاءاتها التخييلية المبتكرة؟هل هي البساطة المتمنعة المقرونة بالعمق الدلالي والرؤيوي؟هل هي القيمة الرمزية المتضمنة؟ أم أن السر يكمن في كل هذه الأسئلة/ الافتراضات؟ 


خلاصة القول..إن قصة" الغراب" احتفاء ببهاء الطفولة والذاكرة الإنسانية الأولى الغضة...بذلك البياض البعيد المهيمن، في تضافره بالسواد المحلق للغربان في المدى و على الأرض البيضاء.. لكن الدلالات والقيم المعبر عنها عبر مضمرات وبياضات النص تظل أكبر وأعمق.. فهي تعبر في الجوهر ،و على نحو رمزي،عن واقع التحول والانمساخ الذي يشهده وجود الإنسان وجوهره.


هوامش...

أحمد بوزفور ديوان السندباد. منشورات الرابطة.. ١٩٩٥ ص ١٥ 

٢/نفس المرجع..ص١٦

٣/نفس المرجع ..ص ١٤


٤/نفس المرجع..ص١٧

٥/نفس المرجع.ص ١٨