صحة وعلوم

انعدام السيادة الدوائية في المغرب.. أزمة تهدّد الأمن الصحي الوطني

عبد الحكيم العياط (باحث جامعي في العلوم السياسية)
في سياق التحولات الكبرى التي تعرفها المنظومة الصحية الوطنية، يبرز سؤال السيادة الدوائية كأحد أكثر الأسئلة إلحاحا في المغرب اليوم. فبعد جائحة كوفيد-19 وما رافقها من اضطراب في سلاسل الإمداد العالمية أصبح مفهوم الأمن الصحي مرتبط عضويا بقدرة الدولة على إنتاج دوائها محليا لا الاكتفاء باستيراده أو إعادة تعليبه. غير أن الواقع يكشف أن المغرب رغم توفره على نسيج صناعي دوائي يُعد من بين الأهم في إفريقيا، ما يزال بعيدا عن تحقيق سيادة دوائية حقيقية بالمعنى الاستراتيجي للكلمة.

تُشير المعطيات إلى أن الإنتاج المحلي يغطي ما بين 65 و70 في المائة من حاجيات السوق الوطنية من حيث الحجم، غير أن هذا الرقم يخفي معطى أكثر دلالة: الجزء الأكبر من هذا الإنتاج يرتبط بالأدوية الجنيسة وبعض الأصناف التقليدية، بينما تظل الأدوية ذات التكنولوجيا العالية خاصة البيولوجية وأدوية السرطان وبعض العلاجات المبتكرة معتمدة بشكل كبير على الاستيراد. كما أن نسبة معتبرة من “الإنتاج المحلي” لا تتجاوز في الواقع عمليات التعليب أو إعادة التوضيب لمنتجات تُصنع مادتها الفعالة بالكامل خارج المغرب، ما يجعل القيمة المضافة الصناعية محدودة ويُبقي الحلقة الحاسمة من التصنيع خارج السيادة الوطنية.

المغرب يتوفر على حوالي أربعين وحدة صناعية دوائية وهو رقم مهم من حيث الكم، لكنه لا يعكس بالضرورة استقلالية في المواد الأولية. فالمواد الفعالة API والمكونات الأساسية تُستورد في أغلبها من دول آسيوية وأوروبية، وهو ما يجعل الصناعة الوطنية رهينة لتقلبات الأسعار العالمية وسعر الصرف والاضطرابات الجيوسياسية. أي خلل في سلاسل التوريد الدولية يمكن أن يتحول بسرعة إلى نقص في السوق الوطنية، وهو ما عايشناه خلال السنوات الأخيرة مع تسجيل خصاص متكرر في مئات الأصناف بما في ذلك أدوية حيوية للأمراض المزمنة.

تقارير تحدثت عن نقص طال أزيد من 600 صنف دوائي في فترات معينة، وهو رقم مقلق في سياق ورش تعميم الحماية الاجتماعية الذي تقوده وزارة الصحة والحماية الاجتماعية. إذ كيف يمكن توسيع قاعدة المستفيدين من التأمين الإجباري عن المرض دون ضمان استقرار العرض الدوائي؟ إن توسيع الولوج إلى العلاج دون تأمين سلاسل إنتاج وطنية قوية قد يخلق ضغط إضافي على سوق يعاني أصلا من هشاشة بنيوية.

على المستوى التنظيمي ورغم إحداث الوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية (التي غادرها مؤخرا للأسف كل أطرها بسبب ضبابية إطارها القانوني) كآلية لتحديث الحكامة الدوائية، فإن التحدي لا يزال قائما في ما يتعلق ببلوغ المعايير الدولية المرجعية. فقد أكد تقرير صادر عن منظمة الصحة العالمية في دجنبر 2025 أن بلوغ مستويات النضج التنظيمي المتقدمة يظل شرط أساسي لتعزيز الثقة الدولية وجذب الاستثمارات ونقل التكنولوجيا. السيادة الدوائية لا تتحقق فقط بالمصانع بل أيضا بقوة الجهاز التنظيمي القادر على ضمان الجودة، واليقظة الدوائية، وتسريع مساطر الترخيص دون الإخلال بالسلامة.

البعد الاقتصادي لا يقل أهمية عن البعد الصحي. ففاتورة استيراد الأدوية والمواد الأولية تمثل عبئا على الميزان التجاري، كما أن ضعف تصنيع المواد الفعالة محليا يحرم الاقتصاد الوطني من فرص استثمارية كبرى في مجال البحث والتطوير. الإنفاق على البحث العلمي في القطاع الدوائي ما يزال محدود مقارنة بدول صاعدة راهنت على هذا المجال كرافعة للسيادة الصناعية. بدون سياسة عمومية واضحة لدعم الابتكار الدوائي، ستظل الشركات الوطنية محصورة في سوق الجنيس منخفض الهامش، فيما تبقى الأدوية المبتكرة رهينة الخارج.

إن السيادة الدوائية ليس عليها ان تكون مجرد شعار يسوق في اطار سياسي بل هي خيار استراتيجي مرتبط بالأمن القومي. في عالم تتزايد فيه النزاعات التجارية وتتصاعد فيه النزعة الحمائية، لا يمكن لدولة تطمح إلى تثبيت مكانتها الإقليمية أن تبقى معتمدة على الخارج في مادة حيوية تمس حياة المواطنين يوميا. إن الاقتصار على التعليب أو التجميع لا يصنع استقلال بل يكرّس تبعية مقنّعة بأرقام إنتاج مرتفعة بشكل كاذب.

تحقيق سيادة دوائية حقيقية يمر عبر تحفيز تصنيع المواد الفعالة محليا ، وتشجيع الشراكات القائمة على نقل التكنولوجيا لا مجرد التوزيع ورفع ميزانيات البحث العلمي الجامعي في مجالات الصيدلة والكيمياء الحيوية وربط الجامعة بالصناعة عبر جعلها تخرج صيادلة حقيقين وليس مجرد صيادلة يتحولون لأصحاب دكاكين تجارية، إضافة إلى إصلاحات جبائية وتحفيزية تستهدف الاستثمار في سلاسل القيمة الكاملة. كما يقتضي الأمر مراجعة سياسة تسعير الدواء بما يوازن بين القدرة الشرائية للمواطن واستدامة المصنع الوطني.

إن ورش الحماية الاجتماعية الذي أطلقه المغرب يشكل فرصة تاريخية لإعادة هيكلة السياسة الدوائية في بعدها السيادي. فبدون استقلالية إنتاجية وتنظيمية حقيقية، سيظل الأمن الصحي هش وستظل الأزمات الدوائية تتكرر بأشكال مختلفة. وفي الأخير فإن السيادة الدوائية ليس عليها ان تكون خاصة بالاستهلاك الإعلامي فقط بل رهان دولة يتطلب إرادة سياسية واضحة واستثمار طويل النفس ورؤية صناعية تتجاوز منطق التعليب إلى منطق التصنيع الكامل والابتكار.