تحول الفضاء الرقمي من شبكة للتواصل الاجتماعي إلى سوق ضخمة للمراهنات المستقبلية على السلوك البشري، وتعتمد هذه المنظومة الاقتصادية الجديدة التي صاغت مفهومها عالمة الاجتماع والأستاذة بجامعة هارفارد شوشانا زوبوف في كتابها عصر رأسمالية المراقبة (2019) على استخراج الفائض السلوكي للمستخدمين باعتباره مادة خام مجانية، وتخضع هذه البيانات لعمليات معالجة خوارزمية دقيقة بهدف تصنيع منتجات تنبؤية تباع في أسواق العقود الآجلة السلوكية للمعلنين والشركات التجارية والكيانات السياسية، ويشكل هذا النموذج الاقتصادي قطيعة تامة مع الرأسمالية الصناعية التقليدية التي كانت تعتمد على استغلال الموارد الطبيعية واليد العاملة، لينتقل الاستغلال إلى الطبيعة البشرية ذاتها.
يكشف الرصد الميداني لسلوكيات النشر عبر المنصات الرقمية تحولا جذريا في مفهوم الخصوصية، وتلاشت الحدود الفاصلة بين الحيز الخاص والحيز العام، ووثقت دراسات السلوك الرقمي انخراط المستخدمين في عملية تعرية ذاتية طوعية ومستمرة، وتشمل هذه العملية أدق تفاصيل الحياة البيولوجية والنفسية والمالية، وينشر الأفراد تقارير طبية توثق إصابتهم بأمراض مستعصية، وصورا من داخل غرف الإنعاش، ومقاطع فيديو توثق لحظات الاحتضار ودفن الأقارب، في تجاوز صريح لقدسية الموت وحرمة المرض، وتتحول هذه اللحظات الإنسانية الهشة إلى محتوى رقمي قابل للتداول والقياس والتقييم عبر عدادات الإعجاب والمشاركة.
تتجاوز ظاهرة الانكشاف الرقمي حدود مشاركة الأحزان والأفراح لتشمل الوضع المالي والقانوني للأفراد، ويرصد المتتبعون نشر وثائق قضائية، وفواتير ديون، ونداءات استجداء إلكتروني تكشف العجز المادي للأسر، وتوثق حالات الطلاق والخلافات الزوجية عبر بث مباشر يستقطب ملايين المشاهدات، ويتحول النزاع الأسري من شأن خاص يتدبره القضاء أو الصلح العائلي إلى فرجة عمومية تدر عائدات مالية على المنصات عبر الإعلانات، وتوفر مادة دسمة لخوارزميات التحليل النفسي التي ترصد مؤشرات التفكك الاجتماعي وتستغلها في توجيه إعلانات القروض الاستهلاكية ومكاتب المحاماة وتطبيقات التعارف.
تعمل الخوارزميات وفق منطق هندسة السلوك، وتصمم المنصات واجهاتها لتفعيل نظام المكافأة في الدماغ البشري عبر إفراز الدوبامين، ويخلق هذا التصميم حلقة إدمان بيوكيميائية تدفع المستخدم للعودة المستمرة للتطبيق، وتعتبر كل نقرة أو تمريرة أو توقف لمشاهدة صورة بمثابة إشارة عصبية رقمية تغذي النظام، وتستثمر الشركات الكبرى في هذا الجانب عبر توظيف فرق من علماء النفس والأعصاب لتطوير تقنيات الإقناع اللاواعي، ويصبح المستخدم دون وعي منه عاملا مجانيا ينتج البيانات على مدار الساعة، ويقوم بمهام التدريب المستمر للذكاء الاصطناعي الذي يتعلم من انفعالاته وردود أفعاله.
يمثل هذا النموذج الاقتصادي نوعا جديدا من القوة يطلق عليه القوة الأداتية، وتختلف هذه القوة عن القوة الاستبدادية الكلاسيكية التي كانت تسعى لانتزاع الطاعة بالقهر، وتسعى القوة الأداتية إلى تشكيل السلوك وتعديله وتوجيهه نحو نتائج مربحة تجاريا أو سياسيا دون أن يشعر الفرد بأنه مسير، وتنجح هذه المنظومة في خلق وهم الحرية والاختيار، بينما يمارس الأفراد خياراتهم ضمن بيئة رقمية مصممة سلفا لتحديد الاحتمالات الممكنة، ويتم توجيه الناخبين والمستهلكين عبر رسائل ميكروية دقيقة تستهدف نقاط ضعفهم النفسية التي كشفوها طواعية عبر منشوراتهم.
تطرح هذه الدينامية إشكالية قانونية وأخلاقية معقدة تتعلق بملكية البيانات والسيادة الرقمية، وتستفيد الشركات التكنولوجية من الفراغ التشريعي وتأخر القوانين الوطنية عن مواكبة التطور التقني السريع، وتعتبر البيانات التي يجمعها التطبيق ملكية حصرية للشركة وليست ملكا للمستخدم الذي أنتجها، ويغيب النقاش العمومي حول حق الإنسان في عدم التعرض للتنبؤ بسلوكه، وحقه في مستقبل غير مبرمج سلفا، وتتحول المجتمعات تدريجيا إلى خلايا نحل رقمية تعمل بانسجام تام لخدمة أهداف ربحية لشركات عابرة للقارات لا تخضع لأي رقابة ديمقراطية فعلية.
يظل المستخدم الحلقة الأضعف في هذه المعادلة، ويتحمل مسؤولية تسليم مفاتيح حياته الخاصة لشركات ربحية مقابل خدمات مجانية ظاهرية، وتتحمل الجهات التشريعية والحكومية المسؤولية الأكبر في غياب إطار قانوني صارم يجرم الاتجار بالبيانات البيومترية والنفسية، ويفرض ضرائب حقيقية على المواد الخام السلوكية التي تستنزفها الشركات من جيوب وعقول ومشاعر المواطنين دون مقابل.






