فن وإعلام

بصدد الطهرانية الرقمية أو "فصل المقال في ما بين خطاب الرأي وخطاب الصحافة من انفصال"

المصطفى سكم

إنّ ما نشهده اليوم داخل فضاء شبكات التواصل الاجتماعي ( اليوتيوب ـ البودكاست) هو ظاهرة خطيرة تتعلق بادعاء ممارسة الصحافة من قبل أفراد أو حتى منتخبين وسياسيين، دون أن تكون لهم أي علاقة حقيقية بهذه المهنة ذات الأصول العلمية والمعرفية. ليست الصحافة مجرد بث مباشر أو تعليق انفعالي، معزز بأحدث الوسائل التكنلوجية ، بل هي ممارسة مهنية قائمة على التحقيق وعلى التوازن بتقديم صورة شاملة للحدث أو القضية ، وعلى الالتزام الأخلاقي. ولا بد من التوضيح أن التوازن في الصحافة لا يعني الحياد السلبي أو الاكتفاء بعرض الوقائع بشكل ميكانيكي، بل هو شرط معرفي وأخلاقي يقوم على تقديم صورة شاملة للحدث عبر تنويع المصادر، وإتاحة مختلف وجهات النظر بشكل منصف، مع الحرص على الدقة والمرجعية. فالتوازن هو الذي يمنح الصحافة صدقيتها، ويجعلها أداة للفهم لا للتضليل، بينما خطاب الرأي حين يتقمص دور الصحافة يفتقد هذا الشرط، فيتحول إلى خطاب أحادي يبرّئ الذات ويدين الآخر، أو يختزل المأساة في مشهد استعراضي يخدم مصالح ضيقة. فحين يتم تجاوز هذا الشرط، تتحول الممارسة إلى تزييف إعلامي وشعبوية رقمية، حيث تستغل محن الناس وكوارثهم الطبيعية كالفيضانات والزلازل لأغراض انتخابية أو لتغذية نزعات نرجسية أو لتصفية حسابات شخصية.

الصحافة الحقيقية هي مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون وسيلة للتواصل، إنها تقوم على احترام كرامة الإنسان والبحث عن الحقيقة بعيدا عن التوظيف السياسي أو الشخصي. أما ما نراه في فضاء الشبكات فهو في كثير من الأحيان "تسليع" للمعاناة، حيث تتحول الكارثة إلى مادة دعائية أو وسيلة لكسب تعاطف جماعات اجتماعية تعاني من الحاجة والخصاصة. هنا يظهر خطاب الطهرانية الرقمية، حيث يقدم المنتخب أو السياسي نفسه كمناضل نقي، وكأنه خارج المنظومة، رغم أنه جزء منها ومسؤول عن إخفاقاتها. هذه الطهرانية ليست سوى قناع يخفي تناقضا صارخا بين موقع المسؤولية داخل الجماعة وبين صورة "المناضل" على الشبكات، علما أن المناضل الحقيقي هو من لا يتردد في تحمل تبعات مسؤولية انتخابه 

يخلق هذا السلوك ازدواجية خطيرة: داخل المؤسسات يكون المنتخب جزءا من الأغلبية المسيرة ويتحمل مسؤولية القرارات، بينما يظهر على الشبكات كمعارض أو ناقد بريء من كل إخفاق. هذه الازدواجية تضعف الثقة العامة، وتغذي الانقسام الاجتماعي، وتشوّه صورة الصحافة عبر خلطها بالاستعراض السياسي. النتيجة هي شعبوية إعلامية تقوم على الإثارة بدل المعلومة الدقيقة بمصدرها المرجعي، وعلى التلاعب بالعواطف بدل التحليل ، مما يؤدي إلى إضعاف الوعي الجمعي وإلى فقدان القدرة على التمييز بين النقد الصادق والادعاء الزائف.

إنّ خطورة هذا الادعاء لا تكمن فقط في كونه خطأ أخلاقي، بل في كونه خطرا اجتماعيا على مفهوم السياسة الحقة و يفتح الباب أمام التزييف المنهجي ويحوّل الإعلام إلى أداة للابتزاز السياسي أو للتسويق الشخصي. تُختزل الخرجات الإعلامية بذلك إلى مجرد مسرح يُستغل فيه ألم الناس لتلميع صورة أو لتغطية إخفاق سياسي واجتماعي مركب. لذلك يصبح من الضروري أن يتدخل الإعلام المهني والمجتمع المدني لفضح هذه الازدواجية وكشف التناقض بين الخطاب الرقمي والواقع المؤسساتي. الصحافة المهنية تمتلك أدوات التحقيق والتوثيق، وهي القادرة على كشف هذه التناقضات وإعادة الاعتبار لمبدأ المساءلة، بينما المجتمع المدني يملك شرعية أخلاقية تمكنه من مراقبة الأداء السياسي وربطه بالخطاب الإعلامي، مما يعيد الثقة للجمهور ويحصّن الوعي الجمعي ضد التزييف.

بهذا المعنى، مواجهة الطهرانية الرقمية للمنتخب أو السياسي لا تتم إلا عبر تحالف بين الصحافة المهنية والمجتمع المدني، حيث يُكشف التناقض، وتُفضح الشعبوية، وتُستعاد الثقة. الصحافة الحقيقية تظل شهادة أخلاقية أمام التاريخ، أما الادعاء فهو مجرد ضجيج عابر وهروب من المسؤولية. إن بناء وعي نقدي لدى الجمهور هو الضمانة الوحيدة لعدم انخداعه بهذه الاستعراضات، ولإدراك أن الصحافة ليست كل ما يُبث على الشبكات، بل هي ممارسة مهنية مسؤولة، قائمة على الحقيقة بخصائصها الصحفية و على الالتزام الأخلاقي والكفاءة المهنية . غيرها مجرد رأي مكفول دستوريا في إطار حرية التعبير لا يجوز مصادرته بتاتا ولكن لابد من الإعلان عن ذلك صراحة كخطاب رأي لا خطاب صحافة أو إعلام .