على قارعة الطّريق، أخذَ يتنقّلُ بين محتوياتِ مواقعِ التّواصلِ على هاتفِه المحمول، ويُلاحِظُ أنّ كلَّ ما يشغلُ النّاسَ بالإخبارِ أو التّعليقِ لا يدورُ سوى حولَ الأحوال الجوية وما يجتاح المناطق الشمالية من عواصف رعدية وأمطار طوفانية، وما يحدثه ذلك من فيضانات ببعض المدن وانجراف للتربة في العديد من المناطق وقطع للطرق...
وهو على هذه الحال، لم يتفطّن لأي شيء، بل ظل مُستغرِقا في التّفكير حولَ ما يُعرقِلُ انضمامَنا إلى التّاريخِ الكوني. ويردد مع نفسه: إذا كان اقتصادُنا سيّئا، ومشاكلُنا تزدادُ تفرّعا، وصراعاتُنا لا يلوحُ أمرُ تذويبِها في الأفق، وعلاقاتُ مؤسّساتِنا بواقعِ النّاسِ بعيدةٌ عن نطاقِ الخدمة، فكيف إذن لأطفالِنا ألاّ يَجْرُوا مُسرِعينَ صارخينَ والكلابُ الضّالّةُ تُلاحقُهم في الحلّ والتّرحال؟
حينها تذكّرُ أنّ "كلَّ صخرةٍ هي حرفٌ وكلَّ بحيرةٍ هي عبارةٌ وكلَّ مدينةٍ هي وقفة، فوق كلِّ مقطعٍ وفوق كلِّ صفحةٍ لي هناك دائماً شيءٌ من ظلالِ السُّحُبِ أو زَبَدِ البحر". إذ هكذا تكلَّمَ فكتور هوجو في إحدى المرّات.
لم تَعُدِ العلاقةُ بين النّاسِ تمرُّ بهدوء، فما عادتِ المصلحةُ تجد موطئَ قدمٍ لتتّسمَ بالمشاركة، وما عادَ المخزونُ الاحتياطي من التّاريخِ والجغرافيةِ والثّقافةِ يُسعِفُ في لَمْلَمَةِ الحاضرِ واستشرافِ أفقِ المستقبلِ المُمتَدِّ أمامَ الأجيالِ على كلِّ ما لا يمكنُ أن يقعَ في الحسبان.
الجميعُ يبحثُ عن الدِّفء، لكنّ الحرائقَ المندلعةَ تُغيِّرُ كلَّ شيء، والإنسانُ على صفيحٍ ساخن. وبرودةُ الأعصابِ لن تُخفِّفَ من مواجهةِ الأحداث. ولا حتى اللاّمبالاةُ يُمكِنُها أن تُجمِّدَ الشّعورَ والإحساسَ بالأخطارِ الدّاهمة. لكن، أن يتخلَّى النّاسُ عن ثقافتِهم فذاك أمرٌ يحتاجُ إلى توصيفٍ لا محالة.
فمِدْخَنَةُ العمر تُلحِقُ دماراً واسعاً بالذّاكرة، وتُحدِثُ انحناءاتٍ كثيرةٍ في أسقفِ التّفكيرِ والممارسة، بفعلِ مشاهدةِ الأحداثِ والوقائعِ الكثيرة، أو التّواجدِ في قلبِها خلالَ حياةٍ مُمتدّة، وبسببِ الضّغوطِ الكبيرةِ النّاتجةِ عن العطالةِ والكسل.
ولولا العملُ والتّوْقُ إلى العيشِ السّعيدِ لاخترقَ الصّمتُ أسرارَ كلِّ الكائنات، التي كانت شاهدةً على ذاك الخوفِ الذي سكنَ دواخلَ الأمكنةِ من غدرِ العواصف، التي جعلتِ المُدَنَ تموتُ كَمَدا، ودفعتِ النّاسَ إلى الشّعورِ بعدمِ الاشتياقِ للقرى البعيدةِ التي احتضنتْ طفولتَهم وأحلامَهم، حين أصبحوا خائفينَ على غنائمِهم بالمدينةِ بعد أن كانوا يعتقدونَ أنّ الذِّئَابَ تركوهَا وراءَهم في الجبالِ والغابات.
كلُّ شيءٍ أصبحَ على حافةِ الانهيار، والنّاسُ تحاولُ فُرَادَى الحصولَ على مكاسبَ أكبر، في غفلةٍ ممّا قد يقعُ من انفجار. والجوُّ العامُّ مُكهرَبٌ وينتظرُ ما لم يخطرْ على بال.
أمَا زالَ النّاسُ في طبعِهم وطباعِهم يعكسونَ محيطَهم من عاداتٍ وطقوس، تماما كما يعكس العسلُ مرعَى نَحْلِه؟ أم صارتِ الأمكنةُ حلماً مُزْعِجاً وسطَ مزابلِ العلاقاتِ والتّصرفاتِ التي ما عادتْ تُتِيحُ إمكانيةَ فتحِ فُجْوَاتٍ وإطلالاتٍ على ما يرغبونَ ويشتهون؟
هي لحظاتٌ قد تُغيِّرُ مجرَى الوقائع، وتُبدِّلُ وجهَ الحياةِ والعيشِ المشترك، وتُعيدُ كلَّ شيءٍ إلى نقطةِ الصِّفْر. لحظاتٌ قد لا تُشْبِهُ غيرَها ممّا مضى، والكلُّ يضعُ يدَه على قلبِه المخطوف، من شدّةِ هَوْلِ ما يمكنُه أن يَحْدُث.
وبدونِ أيِّ تردّد، لا يمكنُ للمرءِ اليومَ إلاّ الإحساسَ بأنّ المكانَ أصبحَ يسرحُ بالنّاسِ بعيداً في أعماقِ التّاريخِ الخاصّ، الذي لا علاقةَ له بالنّشأةِ ولا بالتّطوُّر، بقدرِ ما أَمْسَى برزخاً يَعُجُّ بما امتزجَ من نفاياتِ التّمدُّنِ وعُصَارَاتِ التّصرفِ المُبَدْوَن.
فما عادتْ وصفةُ الطّبِّ الشّعبي تُفيدُ في تخفيفِ الألمِ والحمّى بمضغِ أغصانِ الصَّفْصَاف، ولا باستخدامِ لِحَائِه لِتَسْكِينِ الالتهاباتِ والصُّداع، بقدرِ ما صارَ يُولِّدُ اضطراباتٍ في الجهازِ الهضمي، لفقدانِ الأمكنةِ خاصّيةَ حَمْلِ بذورِ الإنسانية، ولاشتياقِ تلك اللّحظاتِ ذاتِ النُّكْهَةِ الخاصّةِ إلى تَمَلُّكِ رمزيةِ المكانِ كدلالةٍ تتناغمُ مع مفهومِ المدينةِ والسّلوكِ المُتمدِّن.
وفي الوقتِ الذي تتقلّبُ أحوالُ المناخ، تزدادُ حالاتُ التّوتُّرِ والقلق، ويرتفعُ سقفُ التّحديات، ليشهدَ الواقعُ مزيداً من الهجومِ على شروطِ وظروفِ العيشِ بطمأنينةٍ وسلام، في مقابلِ كلِّ المُؤشِّراتِ الدّالةِ على العجزِ عن التّصدّي، والتّسليمِ بالأمرِ الواقع.
إن كانتِ الحياةُ مليئةً وثَرِيَّةً بالمواقفِ التي يمكنُها جعلَ النّاسِ يَصِلُوا إلى قناعةِ تَوَقُّعِ أيِّ شيءٍ منها في الزّمانِ والمكان، فكيف لهم أن يتجاهلُوا واقعَهم، ويقفزوا على ما يعتملُ فيه من مشاكل، ويرفضُوا الجهرَ بما ينضحُ به من اختلالاتٍ وأزمات؟
لم تكنِ الأمكنةُ حاضرةً في الذاكرةِ إلاّ باعتبارِها أبنيةً وأسواراً حاضنةً للوقائعِ والأحداثِ دون أيِّ تأثيرٍ على مجرياتِها أو مآلاتِها، ولم تكنِ الفضاءاتُ رامزةٌ إلاّ إلى ما يُخزِّنُه الأفرادُ من ذكرياتٍ ذاتِ الصّلةِ بتلك الحميميةِ المرتبطةِ بالأشخاصِ في إطارِ شكلٍ من أشكالِ التّوقِ إلى الماضي، الذي قد يكتسحُ العوالمَ الدّاخليةَ لهذا الشّخصِ أو ذاك، ليوقظَ فيه الشّعورَ بالألمِ كلّما فكّرَ في عدمِ تمكُّنهِ من العودةِ إلى مُسْتَقَرِّه ومُلاَزَمةِ أحبابِه وأصحابِه.
حُلولٌ يجبُ أنْ تُبْتَكَرُ للحصولِ على الأمنِ والدِّفْء، لكنّ مقاومةَ التَّحوُّل إلى الأفضلِ ما زالتْ تشحذُ المزيدَ من قُدُراتِها للهجومِ على ما تبقَّى للنّاسِ من قدرةٍ على العيشِ البسيط، وكأنّ كلَّ ما حدثَ ويحدثُ هو مجرّدُ تحضيرٍ لانطلاقِ سباقٍ حقيقيٍّ بين أطرافٍ غيرِ متكافئةٍ من أجلِ الانتشاءِ بالانتصار، وكأنّ الحياةَ لا تتّسِعُ للجميعِ وفق ضوابطَ تُوفِّرُ حدًّا أدنَى من الحقوقِ والحريّات.
لكن، أنْ تصبحَ هذه الأماكنُ والفضاءاتُ مؤشّراً دالاًّ على طبيعةِ الحياةِ المنفعلةِ بماضيها والحاضنةِ لحاضرِ ساكنتِها ومرتادِيها والمنفتحةِ على آفاقِهم المستقبلية، وتُفيدُ في إعطاءِ فكرةٍ حولَ نوعيتِها بما يشملُ تفاصيلَ تَحَوُّلِ الأشخاصِ وانتقالِهم من مناطقِ الظِّلِّ إلى الأضواءِ الكاشفة، فذاك تَفَوُّقٌ يرفعُ من مستوياتِ القدرةِ على تتبُّعِ وتخيُّلِ سَيْرِ الأحداثِ وتطوُّرِها، ويشحذُ الهِممَ لمعرفةِ انتقالِ الأشخاصِ في نزولِهم وصعودِهم، ويُشَوِّقُ النّفوسَ ويُلْهِمُها الرّغبةَ في التَّطلُّعِ إلى الإلمامِ بمنطلقاتِ وخلفياتِ الاندحارِ والارتقاءِ في هذه الحياة.
وما عساها تفعلُ تلك الفئاتُ ذاتِ الطّاقةِ غيرِ الكافيةِ للعيش، وذاتِ الحِصَّةِ الوافرةِ من المعاناة، بسببِ مجدٍ استثنائِي يتمتّعُ به أصحابُ الحُظْوَةِ والامتياز؟ وماذا قد يحدُث؟ وما الذي قد يتغيّر؟
للأماكنِ سِحْرٌ خاصّ إذا ما استحضرَ الإنسانُ تطلّعاتِه إلى الأفق، بما يحملُه من قصصٍ سعيدةٍ وأخرى حزينة، وحسب الحالاتِ المزاجية والقليلِ أو الكثيرِ من الجهدِ المبذولِ والحبِّ أو الكراهيةِ المحسوسين، من أجل استعادةِ الأملِ وتلمّسِ سبلِ السّعادة. وبما يمكنُ تذكُّرُه من حزنٍ أو فَقْدٍ تَلْفُظُهُ بين الفينةِ والأخرى أمواجُ الحياة، وبما يستكشفُه من أصواتٍ آتيةٍ من قَرَارِهِ السَّحِيقِ تَهْوِي به في عُمْقِ أسئلةِ مَلْءِ الفراغاتِ القادمة.
ولولاها لما استشعرَ الإنسانُ هبوبَ رياحِ فصولِ السّنوات، ولا تعرَّفَ على مستوياتِ القوّةِ والحيويةِ والنّشاطِ في لحظاتِ العنفوان، ودرجاتِ التّباطؤِ والتّأنِّي في الإجابةِ عن الأسئلةِ في مراحلِ الهرمِ والتّقدُّمِ في العمر، ودوافعِ الإقبالِ على العلاقاتِ وهجرِها في المحيط، وأسبابِ امتلاكِ الثّقةِ في الذّاتِ أو فقدِها في الدّواخل، ومُسبِّباتِ الانخراطِ في المجتمعِ أو نبذِه.
ما الصُّبْحُ ببعيد، وما اليسيرُ بِصَعْبٍ أنْ يصيرَ عسيرا. فباحتدامِ شروطِ العيشِ وسياقاتِه والكسلِ عن إيجادِ بدائلَ مناسبةٍ للجميع، سيكونُ كلُّ من يعيشُ في هذه البقعةِ أمامَ تحدٍّ مصيري يتوجّبُ أمامَه الاختيارُ بين الاستمرارِ في الحياةِ أو الموتِ بسببِ الأزماتِ الخانقةِ وقطعِ سبلِ العيش.
للأماكنِ دَوْر يفوق بكثير المرآة لِمَنْ استوى على مقعدِه وطفق في التأمل، فهي تُجيبُه عمّا يتساءل عنه بدواخلِه، وتُوصلُه بالأفكارِ والمشاعرِ حتّى وهو في وضعيةٍ لا يُحِسُّ فيها باسترخاءٍ ولا بتَيَقُّظٍ أو انتباه، فمنها يُطِلُّ على حماقاتِه عند غيابِ تماسُكهِ ومتانتِه وصلابتِه، وبها يقيسُ مستوياتِ تحمّلِه للصّعابِ أثناءَ مثابرتِه وسَبْرِهِ لأغوارِ الحياةِ طمعاً في التّنعُّمِ بالحياةِ وإسعادِ نفسِه باللّحظات، وكلّما اقتربتْ من السّقوطِ أبنيتُها وأسوارُها كلّما عكستْ مقدارَ الشّعورِ بالضّيقِ الذي يُنَغِّصُ على رحابةِ صدرِه.
وحدَه الاعتناءُ والتّجميلُ والتّزيينُ ما يوقظُ التّفاؤلَ في النّفوس، ويوقدُ جَذْوَةَ الأملِ فيها لاستشرافِ التّطورات، وشحذِ همّةِ اليقظةِ والفطنةِ للإقبالِ على الحياة، ويرفعُ سقفَ التقديراتِ والتّوقُّعاتِ لتلوحَ في الآفاقِ بوادرُ تحقيقِ شروطِ الكرامةِ وظروفِ الرّاحةِ وملابساتِ الاستجمام.
فما بين ارتفاعِ منسوبِ الرِّضى وتَضرُّرِ المشاريعِ المستقبلية، يتمُّ الاستنجادُ بالأماكنِ المُظلِمةِ المركونةِ في الزّاوية، لتِعدادِ خسائرِ الإرثِ الثّقيلِ للسياساتِ والظروفِ غيرِ المُواتية التي تسبّبتْ في الشُّروخِ التي عَلَتْ جدرانَ الأبنية.
كلُّ المعالمِ تُؤشِّرُ على جماليةِ المكانِ وهدوئِه الذي لا يجدُ معهما الزّائرُ مهرباً منَ التّوقُّفِ والاستراحةِ بمقاهيها ومطاعمِها المنتشرةِ في كلِّ الأرجاء.
مؤهّلاتٌ ساحرةٌ تُوَفِّرُ أجواءً جذّابةً بمناظرَ خلاّبة، وهو ما حذا باستقطابِ عددٍ كبيرٍ من النّاسِ للاستقرارِ بها، في أحياءٍ ذاتِ مَظْهَرٍ يَشِي بأنّها تحتضنُ عائلاتٍ وأسرٍ ذاتِ دخول متفاوتة بما تحملُه من طباعٍ وعاداتٍ بَدَوِيّةٍ وميلٍ إلى التّمدُّن.
وكان بالإمكانِ تقديمُ أجملِ العروضِ وأحسنِ الخدماتِ وأرقى أساليبِ التّنظيم، والحرصِ على أن يتمَّ تزيينُها بكلِّ ما من شأنه أن يُدخِلهَا مصافَّ المدنِ السّياحيةِ الأكثرِ منافسة، وأن يؤرَّخَ لها بمدادِ الفخرِ والاعتزازِ عبر الأجيال.
ساكنتُها، بالإضافةِ إلى كونِها أصبحتْ مُتضجِّرةً منَ الوضعِ المهدِّدِ لسلامتِها وسلامةِ ناشئتِها بسببِ انبعاثاتٍ ضارَّةٍ تكاثرتْ بسرعة، لم تكنْ ملتفتةً لما كانَ ينبتُ فيها من دورٍ كالفُطْرِ منذ عقودٍ من الزّمن، بما يجتاحُ مساحاتٍ وفضاءاتٍ للعيشِ تَحُدُّ من تيسيرِ عمليةِ التّمدُّدِ العمراني، وبما يكتسحُ المدينةَ كلَّها من عشوائيةٍ في تنظيمِ المجالِ والعلاقاتِ والتّفاعلاتِ بين النّاس.
فأصبحتْ تعيشُ على وقعِ معاناةٍ من فيضاناتٍ بمجموعةٍ من النّقطِ بسببِ تجمُّعِ وانغلاقِ قنواتِ الصّرفِ في العديدِ من الأحياءِ والأزقّة، ممّا يُغرقُ المنازلَ والمحلاّتِ التّجاريةِ في المياهِ الموحلة، ويُسفرَ عن خسائرٍ مهمّةٍ في الممتلكات.
وفي الوقت الذي كان مُنتظَراً أنْ يتمَّ تعزيزُ البنياتِ الجماليةِ الجذّابة، والحرصُ على توسّعٍ عمراني منسجمٍ مع جاذبيةِ المدينة، واليقظةُ فيما يخصُّ التّعاطي مع احتلالِ المِلْكِ العمومي، والصّرامةُ في التّدخُّلِ كلّما تعلّقَ الأمرُ بتشويهِ المعالم، عرفتِ العديدُ من الأحياءِ والأزقّةِ ابتلاءً أَهْلَكَ المدينةَ وأخذَ في استئصالِ كلِّ سماتِ التّحضُّرِ بها، لِمَا تعرّضتْ له من تراجعٍ للميلِ نحو التّمدُّنِ وغزوِ بَدْوَنَةٍ عَاثَتْ عشوائيةً وفساداً وخرابا.
فأصبحتِ الأجواءُ مُثْقَلَةً بتخمةِ انتشارِ الباعةِ المُتجوِّلينَ في كلِّ مكان، واكتساحِ الأسواقِ العشوائيةِ للأحياء، واحتلالِ الأرصفة، وغلقِ الممرّاتِ بين الأزقّة لعرضِ المبيعات، واكتساحِ العرباتِ المجرورةِ بمختلفِ أنواعِ البهائم، ولتتمَّ عمليةُ إحكامِ السّيطرةِ بالكاملِ على المجال، وتتحوّلَ المدينةُ بكاملِها إلى سوقٍ عشوائيٍّ غيرِ قابلٍ للتّنظيم أو الإجلاء.
وعلى الرغمِ لما لذلك من تأثيراتٍ على السّاكنةِ وممتلكاتِها ومساحاتِ رَكْنِ سيّاراتِها، وسدِّ منافذِ الدّخولِ والخروجِ إلى المنازل، والنِّفاياتِ المُكدَّسةِ في محيطِ أماكنِ الاستقرار، والهرجِ والمرجِ وتعالي الأصواتِ والمشاجرات، والسّبِّ والشّتمِ والقذفِ وتبادلِ المُشينِ منَ النّعوتِ والفاحشِ من الكلام، وما ينتجُ من اصطداماتٍ مُؤذِية، غير أن التّراشقَ بقيَ سيّدَ الموقفِ فيما يخصّ تحمُّل المسؤولية، والتّطبيعَ مع الواقعِ في ظلِّ أنانياتٍ تجذَّرتْ على حسابِ منطقِ العيشِ المشترك.
وعلى غيرِ المُتوقَّع، أحداثٌ كبرى قادمةٌ وتيّاراتُ مياهٍ جارفةٍ تجري تحتَ الأقدامِ وأحجارٌ كثيرةٌ ما عادتْ متماسكةً وتتساقط، حيث كان المرءُ يعتقدُ أنْ لا شيءَ يُتْرَكُ للصُّدفة، لكن ها هي ذي الأماكنُ الخضراءُ عرضةً للإتلاف، والأطفالُ بدون ساحاتٍ للَّعب، وكلُّ الفضاءاتِ في حاجةٍ إلى تحرير، بكلِّ ما يحملُه من معاني الانعتاقِ والتَّخْلِيص.
قد نَشْتَهِي شروطَ عيشٍ كريمٍ وهانئ، ونُمَنِّي النّفسَ بالحصولِ على ما نُريد، لكنّ الحقيقةَ مختلفةٌ تماماً عن أحلامِنا، فالمشاريعُ التي نبني آمالَنا عليها تحتاجُ تصويباً وتقويماً يتطلب سنواتٍ وعقودٍ من العمل، لتكتملَ وتصلَ نتائجُها لواقعِنا المرير.
وقد نُضْطَرُّ إلى العودةِ للوراء، دون القدرةِ على استعادةِ ما كان في الحياةِ منْ بساطةٍ ورخاء، وفي العلاقاتِ والتّفاعلاتِ من مرونةٍ واقتداء، وغيابٍ للضّغوطِ والتّوتُّراتِ جراءَ كثرةِ الأعباء، وبما لا يسمحُ بتعطيلِ ما نحتاجُه للعيشِ في هناءٍ من صفاءٍ ونقاء.
لم يَعُدْ هناك وجودٌ لمَنْ أو مَا قد يُزْعِجُ رياحَ مقاومةِ التّغييرِ ولو في أبسطِ الأمور، وما عادتِ الخياراتُ تسمحُ بغيرِ الرُّكُودِ المرعب، فحتّى المدنُ تموتُ كَمَدا.






