فشلت رهانات أحزاب المال والسلطة، كما فشلت الأحزاب التي خرجت من رحم الإدارة، على اختلاف تسمياتها وخطاباتها، في بناء مشهد سياسي يُقنع المغاربة بجدوى المسار الديمقراطي، بل عطّلت الانتقال السياسي وأفرغته من محتواه، وحوّلت السياسة إلى مجرد تقنية لتدبير النفوذ وتوزيع الغنائم. فقد ارتبط وجود هذه الكيانات بأشخاص قضوا وطرهم من السلطة، ونالوا نصيبهم الأوفر من الصفقات، وراكموا الثروات، قبل أن يغادر بعض عرّابيها المشهد السياسي وقد تصدّروا لوائح تضخّم الثروات خلال السنوات الأخيرة، وفق تصنيفات مجلات دولية متخصصة، دون أن يقابل ذلك أي أثر اقتصادي أو اجتماعي يُشهد له داخل البلاد.
نحن اليوم أمام منطق نهاية حقبة سياسية كاملة، لم يعد ممكناً ترميمها أو إعادة تدويرها، لأن شروط وجودها نفسها صارت منعدمة، ولأن كلفتها المالية والسياسية تجاوزت ما يمكن أن تتحمّله الدولة والمجتمع. لقد تحوّلت هذه التجربة إلى آلية لاستنزاف المال العام، وإلى نموذج مشوَّه لا ينسجم مع طموح بلد يوجد عند مفترق طرق تاريخي، في مقدّمته تنزيل مشروع الحكم الذاتي في الصحراء، بما يفرضه ذلك من مصداقية عالية، وشفافية صارمة، وتوازن دقيق في تدبير أحد أهم ملفات الوحدة الوطنية والترابية.
وفي هذا السياق، يصبح من الخطأ اختزال الرهان في أفق سنة 2030 في حدّ ذاتها، لأن المرحلة الممتدة من الآن إلى موعد كأس العالم المشتركة قد حُسم فيها مسار التدبير والتنظيم، ولم تعد موضوع تشكيك أو مزايدة سياسية. لقد خاض المغرب اختبارًا ميدانيًا حاسمًا من خلال تنظيم كأس إفريقيا، واجتاز بنجاح امتحان الجاهزية من حيث البنية الرياضية، واللوجستيك، والإقامة، والنقل، والأمن، واحترام دفاتر التحملات الصارمة لكل من “الكاف” و“الفيفا”.
ولم يكن هذا النجاح تقنيًا فقط، بل كان سياسيًا ومؤسساتيًا أيضًا، إذ أبانت الدولة عن قدرة واضحة على تدبير الاختلاف، وفضّ الإشكالات التنظيمية والنقاشية بمنطق المؤسسات لا بردود الفعل. وهي تجربة راكمت ما يكفي من الثقة الدولية، وجعلت تنظيم كأس العالم مسارًا مضمونًا لا مغامرة. لذلك، فإن جوهر الرهان الحقيقي لا يكمن في تنظيم الحدث، بل في ما بعده: أي في القدرة على تحويل هذا الاستحقاق العالمي إلى لحظة فاصلة لإعادة ترتيب الداخل، سياسيًا وانتخابيًا ومؤسساتيًا، وبناء مغرب ما بعد 2030، لا مغرب تدبير الغنائم على هامش الأحداث الكبرى.
وفي قلب هذا التحوّل المرتقب، تبرز الانتخابات التشريعية المقبلة باعتبارها أكثر من مجرد استحقاق دوري، بل لحظة فرز تاريخي قد تُفضي إلى إعادة رسم الخريطة السياسية برمّتها. فصناديق الاقتراع مرشّحة لأن تُعلن، بهدوء ولكن بحسم، اندثار عدد من المكوّنات الحزبية، ليس فقط داخل الأغلبية الحكومية، بل كذلك داخل صفوف المعارضة، بعدما استُهلك رصيدها السياسي، وتآكلت شرعيتها التمثيلية، وانكشفت محدودية أدوارها خارج منطق القرب من السلطة أو التموضع الانتهازي داخلها.
فأحزاب من الأغلبية تحوّلت، مع الزمن، إلى أدوات تدبير تقني بلا نفس سياسي، تفتقر إلى الرؤية والقدرة على التأطير، بينما فقدت أحزاب من المعارضة وظيفتها الرقابية والتاريخية، وانتهت إلى معارضة شكلية، تقتات على ردود الأفعال، وعاجزة عن إنتاج خطاب بديل أو مشروع مجتمعي جامع. والنتيجة أن المشهد الحزبي، بأغلبيته ومعارضته، بات يضم مكوّنات استنفدت كل مبررات استمرارها، ولم يعد لها ما تضيفه سوى إعادة إنتاج نفس الأعطاب.
وفي المقابل، يُرتقب أن يفتح هذا الانكماش المجال أمام بروز فاعلين جدد: مستقلين، وكفاءات شابة، وأطر مهنية وأكاديمية، قد تفرض حضورها داخل المؤسسة التشريعية بمنطق الكفاءة لا الولاء، وبشرعية الأداء لا شرعية القرب. وهو تحوّل، إن تكرّس، لن يغيّر فقط تركيبة البرلمان، بل سيُعيد صياغة العلاقة بين السياسة والمجتمع، ويفرض دينامية جديدة على العمل الحزبي، أساسها التنافس حول البرامج والمسؤولية، لا حول المواقع والامتيازات.
أما على مستوى المؤشرات العملية الدالة على هذا التحوّل، فيبقى منع المتورطين قضائيًا من ولوج المؤسسات المنتخبة أحد أقوى العناوين التي تؤشر على القطيعة مع مرحلة سوداء في تاريخ الممارسة السياسية. فقد أكّد القضاء، بأحكام نهائية، وجود تجّار ممنوعات داخل البرلمان، وناهبي مال عام صدرت في حقهم قرارات إدانة، بعضهم تحكّم، لسنوات، في تشكيل الخريطة الانتخابية، وفي ترشيح رؤساء جماعات ومنتخبين، بل وفي توجيه المسارات السياسية داخل جهات بكاملها.
ويمكن القول، دون تهويل، إن محطات انتخابية سابقة تسرّبت إليها أيادٍ ملوّثة بكل ما يناقض الشفافية والوطنية، إلى حدّ جعل فئات واسعة من المواطنين، الغيورين على هذا البلد، يضعون أيديهم على قلوبهم خوفًا من تغوّل شبكات لم يعرف المغرب لها مثيلًا من حيث السطوة والجرأة على الدولة والمؤسسات.
هذه الشبكات لم تكتفِ بتشويه العملية الانتخابية، بل فرملت، ولا تزال، مسار البناء الديمقراطي الذي جاء به دستور 2011، ذلك الدستور المتقدم في شكله ومضمونه، والذي ظلّ معطّلًا في جوهره بفعل تداخل المال بالسلطة، واستباحة النفوذ، وتغوّل المصالح الضيقة. ولعلّ الصرخة القوية التي عبّرت عنها زينب العدوي شكّلت لحظة تشخيص مؤسساتي نادر، حين أكّدت أن هذه اللوبيات نفسها عطّلت تنفيذ مشاريع ملكية كبرى منذ سنة 2008، وأن عشرات المشاريع المهيكلة، التي رُصدت لها اعتمادات ضخمة، لم ترَ النور بسبب سوء التدبير والعبث وتضارب المصالح.
من هنا، فإن تشديد شروط الترشح، ومنع المشتبه فيهم والمدانين قضائيًا من العودة إلى الواجهة، وتجفيف منابع المال الفاسد داخل الحقل الانتخابي، لا يُعدّ إجراءً تقنيًا أو إقصائيًا، بل شرطًا تأسيسيًا لاستعادة الثقة في السياسة، وإعادة الاعتبار للمؤسسات المنتخبة، وتهيئة الأرضية لمرحلة جديدة، عنوانها: دولة قوية بمؤسساتها، ونخب نظيفة بشرعيتها، ومغرب يتقدّم بثبات نحو أفق ما بعد 2030.






