لوح عبد اللطيف وهبي، وزير العدل، بطلب الإعفاء من مهامه الوزارية، بعد "التحكيم" الذي قام به رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، وبمقتضاه أرجأ إحالة مشروع قانون يتعلق بمهنة المحاماة على البرلمان.
رغم أن أخنوش تدخل في إطار وظيفته السياسية، إلا أن القرار أغضب وهبي، الذي تجاهلت قيادة حزب الأصالة والمعاصرة مساندته في هذه "المعركة"، ودافعت في بلاغين لها عن المهدي بنسعيد، سواء في مشروعه المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، الذي أعادته المحكمة الدستورية إلى البرلمان لمخالفة عدد من مقتضياته للدستور، أو في ما نشرته جريدة إلكترونية وضجت به مواقع التواصل الاجتماعي عن علاقة محتملة مع تاجر المخدرات "إسكوبار"، وهو ما نفاه الوزير في بلاغ، وقرر اللجوء إلى القضاء.
ويجد وهبي نفسه وحيداً، بعد أن أقصاه أخنوش من أية استشارة، واستغل غيابه في القاهرة للقاء مكتب جمعية هيئات المحامين بالمغرب.
ورغم التحالف الذي نشأ بعد انتخابات 8 شتنبر 2021، فإن أخنوش، يبدو أنه لم ينسَ الحملة الشرسة التي قادها ضده وهبي خلال الحملة الانتخابية، والاتهامات الثقيلة التي وجهها إليه. واليوم بعد قرار "الاعتزال" عن العمل السياسي، وعلى بعد شهور من الانتخابات، يوجه هذه الضربة إلى وهبي، وهي ضربة تقصّ جناح وهبي وطموحه في فرض قوانين على المقاس، بعد أن عمد في بداية الولاية التشريعية إلى سحب مشروع قانون الإثراء غير المشروع.
ولم تكن "عزلة" وهبي وليدة الصدفة، بل جاءت تتويجاً لسلسلة من الصدامات التي خاضها على واجهات متعددة، فبينما كان الوزير يراهن على "شراسة" خطابه لفرض أمر واقع داخل المنظومة القضائية، وجد نفسه أمام جدار صلب من المقاومة المهنية والمؤسساتية.
هذه المقاومة لم تجد صدىً لدى رئيس الحكومة فحسب، بل تحولت إلى "فرصة سياسية" لأخنوش لترويض طموحات حليفه المشاكس، وإعادة رسم حدود اللعبة داخل الأغلبية، مكرساً بذلك وضعية "الوزير المعزول" الذي يواجه العاصفة بصدر عارٍ دون غطاء حزبي يذكر.
وفي الوقت الذي كان فيه وهبي ينتظر "انتفاضة" قيادية ل"للجرار" لمواجهة تهميش أمينها العام السابق، كشفت البلاغات الأخيرة للحزب عن تحول جوهري في مراكز القوى الداخلية. فقد اختار "البام" التضحية برمزية وهبي مقابل الحفاظ على تماسك التحالف الحكومي وحماية وزراء آخرين يمثلون "الجيل الجديد" في الحزب.
هذا "الخذلان التنظيمي" لم يكن سوى رسالة واضحة لوهبي بأن زمن "الخرجات الصادمة" قد ولى، وأن الحزب بات يفضل لغة "المصالح الهادئة" على مغامرات الوزير التي أصبحت تشكل عبئاً انتخابياً وسياسياً ثقيلاً مع اقتراب الاستحقاقات المقبلة.
إن المشهد الحالي يختزل صراعاً أعمق من مجرد خلاف حول قانون المحاماة؛ إنه صراع حول "الشرعية السياسية" داخل الحكومة. فبينما حاول وهبي بناء "مجد تشريعي" عبر قوانين تثير الجدل وتستعرض القوة، اختار أخنوش أسلوب "النفس الطويل" لتقليم أظافر الوزير في اللحظات الحاسمة.
وسحب البساط من تحت أقدام وهبي وهو في "مهمة خارجية" بالقاهرة لم يكن مجرد صدفة بروتوكولية، بل كان "إعداماً سياسياً" ناعماً لمشروع وزير اعتقد يوماً أن التحالفات تُبنى بالخطابات.






