مجتمع وحوداث

حين تضع الدولة يدها على الوسيط… من يبقى مع المواطن…..!؟

فيصل العراقي

 ماذا يجري فعليًا؟

سؤال يعيدني مباشرة إلى نقاش سابق خضناه حول تنظيم مهنة الصحافة، ويعود اليوم بثقل أكبر مع المحاماة.

في الديمقراطيات الراسخة، وعلى رأسها الولايات المتحدة، المحاماة ليست بيد وزارة العدل، ولا تُدار بمنطق السلطة التنفيذية أصلًا..تنظيم المهنة هنا موضوع بيد القضاء، لأنهم حسموا المسألة منذ زمن: من غير المقبول أن تُشرف السلطة التي يُفترض أن يُواجهها المحامي على شروط وجوده وتأديبه واستقلاله. هذه ليست تقنية قانونية، بل قاعدة ديمقراطية لحماية المواطن.

من هذه الزاوية أقرأ ما يجري عندنا. الدولة حين تقترب من المهن الوسيطة لا تفعل ذلك بدافع التنظيم فقط، بل بدافع إعادة ضبط الأدوار. وهذه المهن ليست تفصيلًا في النظام الدستوري؛ الصحافة تحمي الحق في الخبر، والمحاماة تحمي الحق في الدفاع، وكلاهما ليس امتيازًا مهنيًا، بل وظيفة دستورية غير مباشرة، مرتبطة بجوهر الحقوق والحريات.

حين ناقشنا مشروع تنظيم الصحافة، كان الخلل واضحًا: التنظيم تحوّل إلى وصاية، والهيئات أُفرغت من استقلالها، والمسافة بين الصحافي والمواطن اتسعت باسم الحكامة. اليوم يتكرر المنطق نفسه مع المحاماة، بنفس اللغة، ونفس الذرائع، ونفس الخوف غير المعلن من الفاعل المستقل.

مشروع تنظيم مهنة المحاماة، كما يُطرح، لا يمكن فصله عن هذا المسار. تشديد الولوج، توسيع منطق التأديب، إعادة تعريف الاستقلالية، كلها مؤشرات على تصور يرى في المحامي عنصرًا يجب التحكم فيه لا سلطة دفاع يجب تحصينها. وهذا يتعارض مع روح الدستور، لا مع نصوصه فقط، لأن الدستور حين يقرّ الحق في الدفاع، لا يفعل ذلك ليُدار بمنطق إداري أو أمني.

أنا لا أرى هنا إصلاحًا تقنيًا بريئًا، بل امتدادًا لنموذج بدأ بالصحافة: تقليص المسافة بين الدولة والوسيط، لينتهي بتوسيع المسافة بين الوسيط والمواطن. المحامي الذي يخشى سلطة التأديب الغامض، أو يعمل داخل هامش مرسوم، لا يمكنه أن يكون ضمانة حقيقية للإنصاف، مهما كانت القوانين مصاغة بعناية.

السؤال الحقيقي إذن ليس: هل نحتاج إلى تنظيم المحاماة؟

بل: من يُنظّمها؟ وبأي منطق؟ ولمصلحة من؟

هل نريد تنظيمًا يحمي الفصل بين السلط واستقلال الدفاع، أم تنظيمًا يُريح المنظومة ولو على حساب جوهر العدالة؟

من فهم ما وقع في الصحافة، ومن استوعب لماذا كان ذلك مساسًا بروح الدستور، لا يمكنه أن يتعامل مع ما يجري في المحاماة كملف مهني معزول. نحن أمام اختيار مجتمعي: دولة تثق في الوسائط فتحميها، أم دولة تخاف منها فتسعى إلى تدجينها….