حين قال ليوطي وهو يدخل المغرب: "لقد وجدنا ها هنا دولة، وجدنا ها هنا أمة"، كان يصف إدارةً قائمة ويعترف ببنية عميقة لدولة، وبتاريخٍ من التنظيم والذاكرة والقدرة على النفوذ الإداري في قلب المجتمع. اليوم، في القصر الكبير وفي مدن الشمال عامة، مع الفيضانات التي نتمنى أن تكون أخف على البلاد والعباد، وجدنا أنفسنا أمام كارثة طبيعية، لكنها تحولت إلى امتحان أخلاقي وسيادي لمعنى الدولة ومعنى الأمة معا.. ذكرتنا بما حدث في كورونا وما حدث مع الطفل ريان...
إن حضور الدولة بكل سلطاتها، كشبكة حماية وتدخل واستباق لا كاستعراض للقوة، يتقاطع مع اندفاع المجتمع إلى التطوع، ومع تضامن الناس الذين لم ينتظروا التعليمات ليصيروا جزءا من البحث عن الحل. لا يمكن إلا أن نحيي كل رجالات السلطة العمومية الذين كانوا في قلب المياه التي غمرت القصر الكبير وباقي مدن الشمال.. وشعرت بالفخر والاعتزاز حقا لشكل التضامن الذي عبر عنه المغاربة في الواقع كما في وسائط التواصل الاجتماعي وفي الدعاء بالقلب كأضعف إيمان بالانتماء الوطني "قلوبنا هناك مع أهل القصر الكبير وكل مدن الشمال وسهول الغرب المهددة بالفيضانات.. هذا الليل طويل وموجع.."، ولفت انتباهي تداول صفحات واسعة لدعوة "المغاربة اللي فالمدن القريبة من القصر الكبير، إلى كان بقدر المستطاع كل واحد يستضيف عائلة حتى تدوز هاد الأزمة"، بل ان مواطنين تطوعوا بمعداتهم البسيطة لمد يد العون وجاء بعضهم من مدن بعيدة وآمنة من أي خطر.. هنا تتجدد الملحمة: دولة تتحرك لأن واجبها أن تتحرك، وأمة تتضامن لأنها تعرف أن التضامن في لحظة أزمة فعل جماعي.
نادرة هي اللحظات التي يلتقي فيها القرار العمومي بالضمير الجماعي، فيصيران جسدًا واحدًا في مواجهة المحنة وتدبير أزمة.
الجزيرة نت ترصد مشاهد التضامن من وسط فيضان القصر الكبير.






