النزوح ليس رقمًا في تقرير رسمي، ولا حالة طارئة تُطوى بانتهاء نشرة الأخبار. النزوح جرح مفتوح في الجسد الاجتماعي، وصدمة عميقة في الوجدان الفردي والجماعي. هي لحظة يُجبر فيها الإنسان على مغادرة مكانه، لا لأنه اختار الرحيل، بل لأن البقاء صار خطرًا. في تلك اللحظة، تسقط كل الشعارات، ويتعرّى الواقع: دولة تُختبر، ومجتمع يُمتحن، وإنسان يُدفع قسرًا إلى هامش الحياة.
حين ينزح الناس، لا يفرّون فقط من زلزال أو فيضان أو حرب، بل يفرّون من انهيار مفاجئ لفكرة الأمان نفسها. يتحول البيت إلى ذكرى، والحي إلى أطلال، وتصبح الجغرافيا التي كانت تمنح الهوية مصدر تهديد. هنا يبدأ النزوح كحالة نفسية قبل أن يكون وضعًا قانونيًا: خوف دائم، ارتباك، إحساس بالاقتلاع، ولايقين يخيّم على المستقبل.
النزوح، في جوهره، انتقال قسري من الاستقرار إلى الهشاشة. النازح لا يفقد سقفًا فقط، بل يفقد روتينه اليومي، إحساسه بالسيطرة، وشعوره بأنه ينتمي إلى مكان يعرفه ويعرفه الناس فيه. الزمن عنده يتوقف: لا ماضٍ يمكن استعادته، ولا حاضر يمكن الاطمئنان إليه، ولا مستقبل يمكن التخطيط له. الانتظار يصبح نمط حياة، والوعود المؤجلة تتحول إلى عبء نفسي إضافي.
نفسيًا، يعيش النازح بين صدمتين. الأولى لحظة الكارثة نفسها، حيث يسود الذهول ويختلط الخوف بالنجاة. والثانية، وهي الأعمق والأطول، صدمة ما بعد الكارثة: الإقامة المؤقتة التي تطول، الحلول الاستعجالية التي لا تتحول إلى سياسات، والشعور بأن المعاناة لم تعد أولوية. هنا يتسلل الإحباط، ويظهر القلق المزمن، وقد يتحول الصمت إلى اكتئاب غير مرئي.
سياسيًا، النزوح لحظة حقيقة. فهو يكشف بوضوح حدود التدبير العمومي، ويفضح غياب الاستباق، ويضع الدولة أمام سؤال جوهري: هل نتعامل مع النزوح كحادث عابر أم كقضية بنيوية؟ الفرق شاسع بين إغاثة آنية تفرضها الضرورة، وسياسة عمومية تعيد للإنسان كرامته وتمنحه أفقًا. فحين تتحول الخيام إلى إقامة طويلة، يصبح الفشل سياسيًا لا طبيعيًا.
اجتماعيًا، يختبر النزوح قيم التضامن. في البدايات، يبرز أجمل ما في المجتمع: التعاطف، التبرع، المبادرات العفوية. لكن مع مرور الوقت، يتراجع الزخم، ويظهر التعب، وقد يتحول التعاطف إلى تذمر صامت. هنا يكمن الخطر الأكبر: تطبيع المعاناة، والنظر إلى النازحين كعبء لا كضحايا ظرف استثنائي.
أما النزوح الخارجي، فهي القسوة في أقصى تجلياتها. هنا لا يضيع المكان فقط، بل تضيع اللغة، والرموز، والاعتراف. يصبح الإنسان “نازحًا” قبل أن يكون فردًا، ويُختزل في صفة قانونية أو إنسانية. يعيش صراعًا دائمًا بين الاندماج والخوف من الذوبان، وبين البحث عن الأمان والحفاظ على الهوية. إنها غربة مركبة، لا تُقاس بالمسافة بل بعمق الفقد.
ما بعد النزوح لا يُختزل في السكن والإعانات. المسألة أعمق: استعادة الكرامة. مدرسة للأطفال، شغل للكبار، علاج نفسي لمن صدمهم الفقد، وإشراك حقيقي للنازحين في القرارات التي تخصهم. فالحديث عنهم دونهم، والتخطيط لهم دون إشراكهم، شكل آخر من الإقصاء.
في النهاية، النزوح ليس استثناءً، بل مرآة تعكس طبيعة المجتمع والدولة. طريقة التعامل معه تكشف عمق العدالة الاجتماعية، وحدود المسؤولية السياسية، وقيمة الإنسان في لحظات الضعف. فإما أن يكون النزوح محطة عابرة نحو التعافي، أو يتحول إلى إقامة قسرية تُراكم الإحباط وتُنتج منسيين جدد. والسؤال الذي يجب ألا يُؤجل: هل نريد فقط إدارة الكوارث، أم منع تحوّل ضحاياها إلى ضحايا دائمين؟






