تستمر الآلة الإعلامية الرسمية في الجارة الشرقية في إعادة إنتاج خطابات الحقد والضغينة تجاه المملكة المغربية الشريفة، متجاوزة كل الأخلاقيات المهنية لتصل إلى مستوى الابتذال التاريخي.
ولعل ما تضمنه التقرير الأخير حول استغلال حديد غار جبيلات والزج بصورة السلطان المولى عبد العزيز في سياق سوقي، يثبت أن صانع القرار الإعلامي هناك لا يجد ما يواجه به الانتصارات المغربية المتتالية في ملف الصحراء إلا بالهروب نحو خرافات لا يصدقها عقل سوي، وتكريس كذبة بيع سبتة ومليلية مقابل دراجة هوائية، وهي خرافة تتجاهل أبسط الحقائق التاريخية والجغرافية.
فالحقيقة التي يحاول أزلام البروباغندا حجبها هي أن مدينتي سبتة ومليلية احتُلتا في سياق حروب صليبية وتكالب استعماري برتغالي وإسباني على المغرب منذ قرون، حيث احتُلت سبتة عام 1415 في عهد الدولة المرينية واحتُلت مليلية عام 1497 في عهد الدولة الوطاسية، أي قبل قرون طويلة من ولادة السلطان المولى عبد العزيز وقبل اختراع الدراجة الهوائية أصلاً.
فقد كان المغرب حينها يخوض وحيداً حروباً ضروساً لحماية ثغوره ضد قوى استعمارية عظمى، بينما كانت الجزائر مجرد مدينة لا حول لها ولا قوة، قبل أن يستعمرها الأتراك وتصبح إيالة عثمانية تتكون من مجرد مدينة عاصمية يحكمها داي تركي يخضع له بايات أتراك يحكمون ثلاث مدن توجد في الشرق والغرب وفي جنوب مدينة الجزائر، ضمن مساحة صغيرة، إلى أن اجتاحت القوات الفرنسية الإيالة التركية سنة 1830 ميلادية وأنشات ما سمتها "الجزائر الفرنسية", لتعمل بعد ذلك فرنسا على توسيع أراضي الإقليم الجزائري الفرنسى بضم أراضي القبائل والبلدان المجاورة عن طريق الاحتلال، وتورث الأراضي التي استعمرتها للنظام الذي يحكم اليوم البلد الجار منذ سنة 1962.
إن محاولة ربط احتلال الثغور بشخص السلطان المولى عبد العزيز هي قمة الجهل الذي يستهدف شعوبا أُريد لها أن تظل حبيسة الأكاذيب لتستمر الأنظمة في تخديرها.
أما بخصوص التطبيل لمشروع غار جبيلات وتقديمه كتحقيق لحلم بوخروبة الملقب باسم بومدين في استغلال ثروات بلده، فهو ليس إلا محاولة بائسة لبيع انتصارات وهمية للشعب الجزائري.
إن التملص من اتفاقية الاستغلال المشترك الموقعة مع المغرب عام 1972 هو خرق سافر لقانون المعاهدات الدولية، لكن النظام الجزائري يرى في هذا الغدر القانوني إنجازاً سيادياً يهدف من خلاله إلى إيهام شعبه بأنه يحقق ثأراً اقتصادياً من المغرب.
الحقيقة المرة هي أن هذا الضجيج يهدف للتغطية على الإخفاقات المدوية في ملف الصحراء المغربية، التي صُرفت من أجلها ملايير الدولارات من قوت الشعب الجزائري دون تحقيق أي طائل، فكان لزاماً على النظام أن يخترع عدواً وبطولات ورقية ليشغل الرأي العام عن أزماته الداخلية الخانقة.
إن هذا السلوك الإعلامي البئيس يأتي في سياق دولي يتسم ببروز المملكة المغربية كلاعب هام في المشهد السياسي والدبلوماسي الدولي، وهو ما تجسد في توجيه الرئيس الأمريكي الدعوة للمغرب ليكون عضواً مؤسساً لمجلس السلام، وكذا بعد أن اعترف الاتحاد الأوروبي مؤخراً ببلدانه السبعة والعشرين بمقترح الحكم الذاتي المغربي حول الصحراء المغربية.
لقد أصبحت صورة المغرب اليوم مرتبطة بالإنجازات والندية السياسية وليس بالبروباغندا، وهو ما وضع النظام الجزائري في مأزق حقيقي، خاصة بعد رفض انضمام بلده لمجموعة البريكس لانعدام هيبته وضعفه وعدم مصداقيته.
إن لجوء هذا النظام لمثل هذه التقارير التلفزية البئيسة هو محاولة يائسة للتخفيف من الجروح الغائرة للهزائم المرة أمام المغرب في المنتظم الدولي.
سيبقى المغرب شامخاً بمؤسساته وتاريخه الموثق، وستظل مناورات الجار الشرقي مجرد صرخات في واد، تطوح بها في مطارح النفايات رياح الحقيقة وتكشفها نجاعة الدبلوماسية المغربية الهادئة التي تحقق الانتصارات على الأرض لا في مخيلات البروباغندا المهزومة.
وهذا ما كان.






