في قباء التاريخ البشري ودهاليزه السحيقة، وفي الميثولوجيا المسيحية تحديدا، تظهر "الكأس المقدسة" برمزيتها المكثفة الطاغية، كأيقونة للخلاص الأبدي والسعادة السرمدية الخالصة !
هذه الكأس، لم تكن مجرد وعاء من فلز للشرب في " العشاء الأخير"، بل هي في المخيال الأوروبي والغربي عموما، مفتاح الحياة الأبدية وصك الدخول إلى "عدن"، أرض الحليب والعسل والنبيذ، ولأجل هذا السراب الخادع الذي سكن أورشليم توهما، سيقت جحافل "الرعاع" من أصقاع القارة العجوز ونواحيها الأبعد، مغسولي الأدمغة بوعود الكهنة وديماغوجية الصليب، صوب شرق الهم، الشرق البعيد ليحرقوه ويحترقوا فيه، في رحلة بحث مضنية عن كأس لا وجود لها إلا في خيالهم، تمنحهم خلودا لن يدركوه، وسعادة أبدية لن ينالوها .
غير أن التاريخ ، هذا العاشق المدنف للسخرية ، وعلى عادته دائما، يعيد إنتاج نفسه في صور كربونية شوهاء، كيف لا ؟! وها هي اليوم كأس أخرى، إلا أنها كأس مدنسة، تدار بها رؤوس الشعوب، وتجيش لها العواطف، وتنتفخ لها الأوداج، وتغرق لأجلها المآقي، وتحترق بها الأنفاس، في معابد معاصرة، تقدم فيها القرابين تلو القرابين، لآلهة كرة، كرة آلهة، على مرأى سدنة وحراس شرائعها الواجمين!
ليس كأسا من ذهب تفيض طهرا وإيمانا مشوبا بالابتهال والصلاة، بل هي كأس لعبة أريد لها أن تصبح "أفيونا" جديدا، تحقن به العقول فيسري سمها في الأوردة والشرايين، لتعيش الشعوب الدائخة وهم الانتصارات الصغرى في زمن الانكسارات الكبرى.
لقد استبدل " فرسان الهيكل" القروسطويون الذين كانوا ينتظرون الأمر البابوي المبجل، لينفذوه بعماء، بجحشان كتائب الذباب الالكتروني الأزرق، ذي الطنين المرتفع والأزيز الذي يصم الآذان ويبلد العقول ويقفل الأفهام ويُحجر القلوب، إنهم لا يحملون سيوفا ولا أنصالا، بل لوحات مفاتيح تقطر كذبا ومينا وزيفا وضلالا، إلا أنها في الفتك أشد !
لقد حولوا حفلا بهيجا لكرة القدم من أداة للاحتفال والفرح واللعب والتآخي بين شعوبنا المقهورة ، التي تركض ذاتها كل يوم خلف الرغيف ، إلى مشرحة لتصفية الحسابات العالقة، وقتل الرمزيات الجميلة بقفازات سوداء غادرة، يستغلون كل مناسبة سانحة ويختلقون غيرها بهتانا، فيذيعونها كما تذيع زهرة الجثة نتانتها في الغابة البكر اليانعة !
إن ما حدث في هذا "الكان" لم يكن البتة تنافسا رياضيا، و لم يكن تباريا شريفا بين نبلاء ، بل صراعا وتطاحنا يخفي وراءه غايات أبعد، في تجل أسود لحرب ضروس شعواء تشن وما تزال، ضد المغرب الأقصى، حرب تساق فيها الحقائق إلى المقصلة، وتزيف فيها البطولات، لتصوير الجار في صورة "العدو الأزلي" الذي يجب انتزاع الكأس من بين يديه، لا لشيء، إلا لأن النظام كما يتوهمون ويوهمون، يحتاج إلى كأس يغسل فيها خيباته، ويداري بها عورة فشله أمام شعبه.
يا لها من مفارقة!
بين كأس قيل إنها تمنح "الخلود" و"السعادة الأبدية"، وبين كأس تستخدم لنشر الأحقاد وزرع الضغائن بين الشعوب ، تضيع الحقيقة وسط طنين الذباب !
لقد أصبحت الرياضة في يد نظام عسكري أوليغارشي بئيس ، لا مجد عسكري له ولا بطولات، وفي يد من يواليه ويناصره، "لاهوتا" جديدا ، يراد منه تأجيج الغرائز البدائية وصرف الأنظار عن العروش التي تتهاوى من حوله كقطع الدومينو، من الشهباء إلى كاراكاس، ومن طهران حتى هافانا ..
فالحصول على "الكأس" في هذه المخيلة المريضة، وفي هذا المذهب الأحمق، صار يوازي الحصول على "الشرعية"، "شرعية" الحكم والسلطة، وهو وهم لا يقل زيفا عن أساطير القرون الوسطى وأراجيفها البائدة !
إنها كأس مدنسة بعار الخسة ، ولقد أريد للمغرب أن يكون كبش فدائها في طقسها "الوثني"، المتوحش والشرس، طقس مارسته آلة الدعاية الإعلامية للجار الشرقي وماكينته الزاعقة، لا لشيئ، إلا لكي يتحول الدم إلى ماء، و الأخوة إلى وقود نار لا تبقي ولا تذر .. ولكن هيهات !






