تشغل ملفات الإمتناع عمدا عن أداء النفقة في موعدها المحدد حيزا كبيرا من القضايا الرائجة أمام المحاكم ، ولها خصوصية باعتبارها تلامس بشكل مباشر البنية الاجتماعية للأسر وما يرتبط بها من استقرار أو هشاشة . فكل ملف يخفي وراءه وضعية إنسانية تختلف تفاصيلها فهناك من يعجز فعلا عن الأداء نتيجة ظروف اجتماعية أو اقتصادية قاهرة ، كالمرض أو فقدان العمل.... ، وهناك من يمتنع عن الأداء عمدا بدافع التعنت أو الرغبة في الضغط على الزوجة والأبناء . وفي كلتا الحالتين ، ظل الحبس هو الأداة التقليدية التي تلجأ إليها المحاكم ، أداة تحمل في طياتها جانبا من الردع لكنها في المقابل قد تؤدي إلى تفاقم الأزمة وتعميق الشرخ داخل الأسرة .
لكن القانون الجديد المتعلق بالعقوبات البديلة الذي دخل مؤخرا حيز التنفيذ جاء ليمنح للقاضي هامشا أوسع من التقدير ، حيث أصبح بالإمكان استبدال العقوبة السجنية بعقوبة بديلة ، تراعي مصلحة المجتمع من جهة ، وظروف المحكوم عليه من جهة أخرى ، و لكي يتم استبدال العقوبة الأصلية بعقوبة بديلة في قضايا الامتناع عن أداء النفقة ، ينبغي أن تتوافر مجموعة من الشروط التي نص عليها القانون 43.22 ، والتي يمكن إجمالها فيما يلي :
أن تكون العقوبة المقررة قانونا لا تتجاوز خمس سنوات وألا تكون مستثناة من هذا القانون ، وهو ما ينطبق على هذه الجنحة . وأن لا يكون المحكوم عليه في حالة عود متكرر ، باعتبار أن تكرار الفعل يسقط إمكانية الاستفادة من البدائل . كما يشترط أن تسمح شخصية المتهم وظروفه الاجتماعية والاقتصادية بتنفيذ العقوبة البديلة ، وأن يوافق على الخضوع لها لاسيما فيما يتعلق بالعمل لأجل المنفعة العامة أو المراقبة الإلكترونية .
أما فيما يخص الغرامة اليومية ، فقد قيدها المشرع بشرط إضافي يتمثل في ضرورة وجود صلح أو تنازل من الطرف المشتكي ، بخلاف باقي العقوبات البديلة مثل العمل لأجل المنفعة العامة أو المراقبة الإلكترونية، التي يمكن الحكم بها حتى في غياب التنازل مما يفتح مجالا أوسع لتطبيقها في القضايا المرتبطة بالنفقة .
ورغم ما يحمله هذا التوجه من إيجابيات واضحة ، فإنه يطرح في المقابل تساؤلا جوهريا : هل ستنجح هذه الآليات البديلة فعلا في تحقيق الردع ، سواء الخاص الذي يمنع الأب من معاودة الامتناع عن الأداء ، أو العام الذي يوجه رسالة لباقي الأفراد حول خطورة الإخلال بواجب النفقة ؟ فكما نعلم أن نجاعة أي نظام عقابي لا تقاس فقط بمدى إنسانيته ، بل أيضا بقدرته على فرض هيبة القانون وضمان حماية الفئات الهشة ، وعلى رأسها الأطفال والنساء .






