من الطرائف التي أفرزها النقاش حول تهيئة ساحة جامع الفنا أن عبارة "إوا گعد على الضس" أصبحت تحمل معنى مزدوجا هذه الأيام.
ففي معناها المتداول، تقال لمن يرفض أو ينتقد أو يبدي رأيا مخالفا: اسكت، تقبل الأمر الواقع، ولا تناقش كثيرا. لكن الغريب أن التهيئة الجديدة للساحة جاءت هي الأخرى معتمدة على ما يسميه المراكشيون "الضس"، حتى أصبح المواطن محاصرا بالضس من كل الجهات: ضس تحت قدميه، وضس في النقاش الدائر حوله!
فإذا سألت عن سبب عدم إعجاب بعض الناس بالشكل الجديد، قيل لك: "إوا گعد على الضس." وإذا نظرت إلى الأرض وجدت الضس بالفعل ممتدا أمامك. وكأن الرسالة غير المعلنة هي: ليس فقط أن تمشي فوق الضس، بل عليك أيضا أن تجلس عليه مجازا وتتوقف عن إبداء رأيك.
لكن المراكشي بطبعه ابن الساحة والحلقة والنقاش. تعود منذ قرون أن يتكلم ويعلق ويناقش ويختلف. وجامع الفنا نفسها لم تصبح تراثا إنسانيا لأنها مجرد مساحة مرصوفة، بل لأنها فضاء حي ينبض بالأصوات والآراء والحكايات.
لذلك فمن حق من أعجبته التهيئة أن يعبر عن إعجابه، ومن حق من لم تعجبه أن يقول رأيه دون أن يواجه بعبارة "إوا گعد على الضس." لأن الساحات العمومية ليست فقط أرضيات وأحجارا، بل هي أيضا ذاكرة جماعية وشعور بالانتماء وحق المواطنين في إبداء رأيهم فيما يخص مدينتهم.
ويبقى أجمل ما في القصة كلها أن كلمة "الضس" التي كانت مجرد مادة في الأرض، تحولت فجأة إلى موقف من الحياة: هناك من يريدك أن تمشي فوقه، وهناك من يريدك أن تجلس عليه أيضا! أما المواطن، فكل ما يريده هو أن يظل واقفا، يرى، ويسأل، ويبدي رأيه بكل حرية.






