تحليل

قرار مجلس المنافسة.. عِقاب أم ضوء أخضر ؟

سمير شوقي

هل يسعد الرأي العام بقرار مجلس المنافسة أم يحزن، بعد طول انتظار؟ في الواقع لا هذا ولا ذاك.

لكن الملاحظ أنه منذ صدور بلاغ مجلس المنافسة و إعلانه عن إلزام شركات المحروقات بأداء غرامة تقدر ب 1,8 مليار درهم، أن أولى ردود الفعل كانت تصب اتجاه التعبير عن البهجة انطلاقاً من قرار الإدانة و هذا موقف منقوص.

و لتحليل قيمة القرار الصادر اليوم لابد من وضعه في السياق العام لقطاع المحروقات. فهذا القطاع حُرِرَ سنة 2015 لتتخلص ميزانية الدولة من عبيء دعمٍ كان يقدر بأزيد من 25 مليار درهم كمتوسط سنوي، لكن في المقابل غابت آليات المراقبة و التأطير، فنشُطَ موزعو المحروقات بممارسات تُحاكي التواطؤ عند تحديد الأسعار وهو الشيء الذي أفرغ مبدأ التحرير من هدفه و ضرب مبدأ المنافسة في الصميم. أعقب ذلك خمس سنوات من شبه الفوضى في سوق المحروقات تميزت بعدم مواكبة أسعار المحروقات المُطبقة في المغرب لواقع الأسعار المُتداولة في الأسواق العالمية، وما واكب تلك الضجة من جدلٍ كبير في المجتمع المغربي انتهى بتشكيل لجنة برلمانية استطلاعية كانت أبرز نقطة في خلاصاتها أن شركات المحروقات كسبت مبلغ 17 مليار درهم بطريقة منافية لمبدأ المنافسة. في بداية العام 2021، أعلن مجلس المنافسة عن معاقبة شركات المحروقات و إلزامها بأداء غرامة تضامنية تبلغ 9 مليار درهم للأسباب السالفة الذكر، فكانت هزة كبرى انتهت بالإستغناء عن رئيس المجلس، ادريس الكراوي، و فتح تحقيق لم يرَ النور قط و التخلي عن قرار معاقبة شركات المحروقات!

و ربما تم فهم ذلك على أنه ضوء أخضر لهذه الشركات، فاستمرت بنفس أسلوبها رغم احتجاج المغاربة الكبير و صار مبلغ 17 مليار درهم أزيد من 43 مليار درهم، حسب نبيل بنعبدالله، الأمين العام لحزب التقدم و الإشتراكية و أكثر من 50 مليار درهم حسب مصادرنا!

و الآن و نحن في العام 2023 صدر قرار مجلس المنافسة بمعاقبة شركات المحروقات، فماهي  قِرائتنا لهذا القرار؟
أولاً، معاقبة موزعي المحروقات هي في حد ذاتها إدانة لهم. إدانة ترد الإعتبار لادريس الكراوي و تبين أن الرجل كان على صواب.
ثانياً، قرار شركات المحروقات بعدم الطعن في القرار هو دليل إدانة إذا كان ذلك يحتاج لدليل.
ثالثاً، هذا الإعتراف كافٍ لإخراس الأصوات المكلفة بالدفاع عن تلك الشركات من على قبة البرلمان أو في الصحف أو بلاتوهات القنوات التلفزية.
رابعاً، مبلغ الغرامة ضئيل جداً و لا يُوازي الضرر الحاصل لدى المستهلك/المواطن. ولنقارن : عندما كانت تلك الشركات متهمة في مبلغ 17 مليار درهم كانت غرامة مجلس المنافسة 9 مليار درهم، و اليوم والحديث يدور عن مبلغ كسب غير مشروع يناهز 43 مليار درهم لا تتجاوز الغرامة 1,8 مليار درهم موزعة على تسع شركات، و بتجاوزات امتدت من 2015 أي مدة ثماني سنوات، بمعنى أن هذا المبلغ يشكل بالنسبة لشركات المحروقات الفتات وذر الرماد في العيون و هذا ما يفسر قرار الشركات بعدم الطعن في مبلغ الغرامة.

وهكذا يمكن أن نُجزم أن مجلس المنافسة برئاسة أحمد رحو ربما فهم الدرس من "قرسة" أُذن ادريس الكراوي و أصدر قرار الإدانة ليخلي ضميره من المسؤولية اتجاه المواطنين و الرأي العام بصفة عامة، لكن كذلك مع عدم الإضرار "بمصالح" شركات المحروقات.
بمعنى أن المشكل لازال قائماً و أن مجلس المنافسة لن يكون رادعاً لهذا اللوبي الذي تغول بشكل يبدو أنه بلغ حد اللاعودة.