ومن المعروف أن نظام التقاعد المغربي يعتمد، كما هو الحال في أغلب الأنظمة التقليدية، على مبدأ التضامن بين الأجيال، حيث يؤدي النشيطون اليوم معاشات المتقاعدين على أمل أن تتكفل الأجيال اللاحقة بمعاشاتهم مستقبلا، غير أن استدامة هذا النموذج تظل مرتبطة بتوازن أربعة متغيرات أساسية: النسبة الديموغرافية بين المساهمين والمتقاعدين، ومعدلات المساهمة، ومستويات المعاشات، ومدة المساهمة وصرف المعاشات.
لكن هذا التوازن أصبح اليوم مهددا بشكل غير مسبوق. ففي الصندوق المغربي للتقاعد، تراجعت النسبة الديمغرافية من سبعة مساهمين لكل متقاعد سنة 2000 إلى 2,1 فقط سنة 2024، مع توقعات بانخفاضها إلى 1,7 سنة 2030. أما النظام الجماعي لمنح رواتب التقاعد فقد بلغ مستوى أكثر خطورة عند 1,3 مساهم لكل متقاعد، مع توقعات بالنزول إلى أقل من واحد في أفق سنة 2040.
ومن المتوقع أن تُستنفد هذه الاحتياطيات بالكامل بحلول عام 2028 إذا لم تُتخذ إجراءات عاجلة. هذا العجز الكبير يعكس تدهورا خطيرا في الوضع المالي للصندوق، ناتجًا عن زيادة عدد المتقاعدين مقارنة بعدد المساهمين، وارتفاع تكاليف المعاشات، وضعف المساهمات بسبب البطالة والعمل غير الرسمي.
ولقد سبق للمجلس الأعلى للحسابات أن نبه منذ سنوات إلى الهشاشة المالية لبعض النظم، ولا سيما نظام المعاشات المدنية، وإلى ضرورة الانتقال من الإصلاحات الجزئية إلى معالجة أكثر شمولاً لبنية النظام وحكامته واستدامته.
بالإضافة إلى ذلك، أن الإصلاحات التي شملت أنظمة التقاعد سنتي 2016 و2021 لم تفلح في وضع حد للاختلالات بل أجّلت فقط أفق استدامة نظام المعاشات المدنية حتى عام 2028.
إصلاح التقاعد ضرورة. لكن الضرورة لا تعفي من العدالة. وعليه يجب اعتماد إصلاحات شاملة وعاجلة. أولاً، يتعين تعزيز الحكامة والشفافية من خلال فرض رقابة صارمة على التدبير المالي. ثانيًا، يجب على الدولة الوفاء بمساهماتها المتأخرة منذ التسعينيات، والتي تعد أحد الأسباب الرئيسية للأزمة. ثالثًا، يجب توسيع قاعدة المنخرطين لتشمل العاملين في القطاع غير الرسمي والمهن الحرة، مع تقديم حوافز لتشجيع الانضمام. أخيرا، يجب رفع الحد الأدنى للمعاشات لضمان حياة كريمة لجميع المتقاعدين.
إن جوهر المشكل يكمن اليوم في كون الحكومة، في بداية ولايتها، تقف أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الاكتفاء بإصلاحات محدودة هذه السنة، كتعديل سن التقاعد أو نسبة المساهمات، أو المضي قدما والعمل على إصلاحات بنيوية مؤلمة مع ما تجلبه من غضب اجتماعي وسياسي مباشر. وهذا ما ستكشفه الأيام القادمة.






