رأي

نعيمة بنعبد العالي: اللغة، بين الشكل والمضمون.. من كُتّاب العصر العباسي إلى الشاشات المعاصرةَ

لطالما كان فن الحكم، في جوهره، فنّاً للتسمية. فعندما تستبدل هياكل السلطة المعاصرة مصطلح "التسريح الجماعي للعمال" بعبارة "خطة الحفاظ على الوظائف"، أو عندما تطلق على التدخلات العسكرية العنيفة اسم "عمليات تحقيق السلام"، فإنها توظف تقنية لغوية محددة للغاية: وهي نزع الطابع السياسي عن موازين القوى وإضفاء صبغة "طبيعية" عليها. إن هذا التلاعب باللغة، الذي يُنظر إليه غالباً على أنه ابتكار خاص بالحداثة، له في الواقع جذور تاريخية أقدم بكثير. فمنذ العصر العباسي، تزامن ظهور نخبة بيروقراطية (الكُتّاب) وأخرى لاهوتية في البلاط مع نشوء مصطلحات مؤسسية معقدة صُممت خصيصاً لتعتيم الواقع وإقصاء "العامة"، وتحويل التعسف الضريبي أو العسكري إلى ضرورة تقنية أو إلهية. وفي مواجهة هذا الاستحواذ على اللغة، برز الأدب الساخر العربي الكلاسيكي كأداة لمناهضة السلطة وكشكل من أشكال "حرب العصابات" الدلالية. فمن خلال التشريح السوسيولغوي لدى الجاحظ، أو القصص العبثية في حكايات "جحا"، أو التمرد اللغوي لدى شاعر الشارع، عمل الهجاء النقدي على تفكيك الأستار اللفظية التي تحتمي خلفها الطبقة المهيمنة. إلى أي مدى يمكن لآليات التقويض التي يزخر بها الهجاء العربي الكلاسيكي أن تساعدنا في تفكيك السرديات الاقتصادية والمالية والجيوسياسية المعاصرة؟ سيسعى هذا البحث إلى إثبات أن حِيَل لغة النخبة، واستراتيجيات انتقادها، تخضع لهياكل عالمية ثابتة، مما يجعل من بلاغة العصر الوسيط أداةً تحليليةً ذات راهنيةٍ بالغة.


لم يُمثّل قيام الخلافة العباسية ثورةً سياسية فحسب، بل رسّخ أيضاً بناء جهاز دولةٍ معقدٍ ومركزي. فبرزت طبقةٌ جديدة من الموظفين، وهم "الكُتّاب" العاملون في الدواوين. وبحكم سيطرتهم الحصرية على مفاصل الإدارة المالية (الخراج) والمراسلات الرسمية، قامت هذه النخبة تدريجياً بما يشبه "الانقلاب الرمزي". إذ استولت على لغة المجال العام وحوّلته إلى أداةٍ للهيمنة السياسية. وهنا، عند تقاطع اللغة والسلطة، تتبلور واحدةٌ من أكثر التوترات الجدلية خصوبةً في الأدب العربي الكلاسيكي: الصراع بين "الشكل" (أي القالب البلاغي والمصطلحات التقنية) و"المضمون" (أي البعد الأخلاقي المرتبط بالعدالة الاجتماعية والحقيقة). ولم يكن الأمر مجرد سجالٍ بين أدباء أو لغويين، بل تكريسا لمصطلحاتٍ إداريةٍ غامضة تعمل ك"ستارٍ دخاني" لحجب الواقع. فلم تعد اللغة وسيلة للتواصل، بل أداةً للتعمية والإبهام، وسيلة لعقلانية تقنية منفصلة تمامًا عن الحقيقة.


نشهد اليوم، في الفضاءين الإعلامي والسياسي، تصاعدًا في استراتيجيات "المصادرة الدلالية" ذاتها، فمن خلال استبدال الحقائق المجردة بمصطلحات "معقمة"، يمارس تقنوقراط الاتصال المعاصرون الانحراف ذاته الذي ندد به سابقًا المفكرون الأخلاقيون في العصر العباسي. الهدف يظل واحدا: استخدام القالب المصطلحي كغطاء يحجب جوهر الاعتراض الشعبي ويُخمد فاعليته. وعليه، يهدف هذا البحث إلى تحليل ديناميكيات "حرب الكلمات" هذه، من خلال مقارنة نصوص متنوعة الأصوات ووضعها في مرآة واقعنا المعاصر. كيف تحولت اللغة الكُتابية إلى أداة لصالح شكلانية جمالية عقيمة؟


وفي المقابل، ما هي آليات "التحوير" التي تلجأت إليها الفئات الشعبية لمحاكاة هذا الخطاب الرسمي، بهدف كشف زيفه واستعادة أولوية الواقع الملموس؟


إن تتبُّع نقد الفكر الأدبي والسياسي في العصر العباسي يكشف عن وعي مبكر لافت بطبيعة العلاقة بين اللغة وممارسة السلطة. رصدته عين الثقافة العربية في ذروة نضجها، حيث تُمثّل رسالة الجاحظ "ذم أخلاق الكتّاب" (القرن الـ3 الهجري) وكتاب التوحيدي "مثالب الوزيرين" (القرن الـ4 الهجري) وثيقتين تاريخيتين تفضحان آليات ميلاد "المصطلحات التكنوقراطية الديوانية" واستغلالها للاستعلاء والتعمية.


في المرحلة الأولى، يرصد الجاحظ إرهاصات هذا التمايز الطبقي اللغوي، حيث تحوّل تحسين الخط وحفظ رسوم الدواوين إلى أداة تمنح الكاتب هيبة تدفعه للتكبر على لغة الناس العامة والخاصة. ثم يعرّي بوضوح كيف تحولت الوظيفة الإدارية من إقامة العدل إلى مهارة تفكيك القضايا وتعقيد الخصوم.


يبرع الجاحظ في كشف الكيفية التي تُغيّر بها النخبة الاقتصادية معاني الكلمات لتضفي شرعيةً على رذائلها. ففي "كتاب البخلاء"، لا يصف الأثرياء أنفسهم أبداً بـ "البخلاء"، بل يعمدون إلى استعارة مصطلحاتٍ من الحقلين الفلسفي والديـني، فيتحول البخلُ لديهم إلى "تدبيرٍ سليم"، أو "حُسن تَبَصُّر"، أو "اقتصادٍ رشيد"، أو حتى "حكمة". ويفكك الجاحظ هذه الآلية القائمة على "تحييد المعنى"، فبتغيير التسميات اللغوية، تُجرّد النخبُ اللغةَ من بُعدها النقدي، فتتحول الممارسةُ التي كانت في الأصل ظلماً صارخاً إلى فضيلةٍ اجتماعية.


مثال على هذا التلاعب بالدلالات اللفظية: يذكر الجاحظ شخصية من الأعيان الأثرياء يُدعى "سهل بن هارون" الذي صاغ رسالةً بليغةً يوضح فيها: إن البخل ليس نقصاً في الكرم، بل هو الاسم الذي يطلقه الجاهلون على "حفظ الموارد" و"الحكمة القائمة على بُعد النظر". أما الإنفاق بلا حساب، فليس من النبل في شيء، بل هو تبديدٌ غير مسؤول يؤدي إلى تقويض النظام الاجتماعي.


 أمثلة من رسالة "ذم أخلاق الكتّاب" التي تفيد هذا المضمون:


-يقول الجاحظ واصفاً حذق كاتب الدواوين:


«فأحمدُ أحوالِهِ عند نفسِه التَّعقُّد على الخصوم، وأسعدُ أمورِهِ التي يرجو بها البلوغَ: الشَّرَهُ ومَنعُ الحقوق. وأحْذقُ ما يكونُ بصناعتهِ عند نفسهِ حين يأخذُ في إبطالِ السُّنَنِ، ويَعمَلُ بفَلَتَاتِ الدُّفُوعِ، ويَفتحُ أبوابَ المَطالِ، ويَسُدُّ مَخارجَ الحُقوقِ.»


يصف الجاحظ كيف يتقوقع الكاتب داخل هيبته المصطنعة ومصطلحاته بمجرد جلوسه في الديوان:


«فإنَّ أحدهم إذا تعلَّم سَطراً، وحبَّر كتاباً، ورأى رَشْحَ قلمٍ في يده، ودخَن مِحبَرةٍ في ثوبه... ركِبهُ الكِبر، ودخَلَه العُجْب، وتصرَّف به التِّيه... فإذا كلَّموا أحداً كلَّموه من فَوق، وإن جادلوه جادلوه بتَعسُّف، طنّاً منهم أن إقامة اللفظ كافية عن إقامة الحُجّة».


«فإذا عُرِضَتْ لهُ مسألةٌ صَعُبَتْ عليهِ، وأعْيَاهُ فِقْهُها، لجَأَ إلى تَعقيدِ كلامِهِ، والطعنِ في الواضحاتِ، ليُوهِمَ الناسَ أنَّ العَيْبَ في الفَهْمِ لا في الحُجَّةِ.»


يشير الجاحظ إلى أن علم هؤلاء الكتّاب لا يتعدى المصطلحات الإدارية المنقولة عن نظام الدواوين الكسراوي، وحفظهم لأسماء السجلات والرسوم دون وعي حقيقي.


الجاحظ وجورج أورويل:


في روايته "1984"، يطرح جورج أورويل نظرية "اللغة الجديدة". وهي لغةٌ صممتها السلطة لتقييد الفكر وجعل التعبير عن الأفكار المناهضة أمراً مستحيلاً. وتقوم هذه اللغة في جوهرها على "الانقلاب الدلالي"، مثل قولهم: "الحرب هي السلام، والحرية هي العبودية". وعندما يفكك الجاحظ خطاب شخصياتٍ مثل سهل بن هارون، فإنه يصف هذه الآلية بدقة. فعندما يقوم مسؤولٌ عباسيٌّ رفيعٌ بتسمية "حرمان الناس من حقوقهم" بـ "التدبير الرشيد للتدفقات"، فإنه يطبق حرفياً الوصفة التي وضعها أورويل.


 يوضح ميشيل فوكو، في كتابيه «نظام الخطاب» و«المراقبة والمعاقبة»، أن المؤسسات (كالدولة، والطب النفسي، والنظام القضائي) تُنتج خطاباً تخصصياً (لغة تقنية مغلقة) يهدف إلى إقصاء غير المختصين. وبذلك، تتحول اللغة كأداة للسلطة: ليس لكل من شاء الحق في الكلام. فالخطاب مُصادَرٌ من قِبل الخبراء.


تكتسبُ انتقاداتُ التوحيدي للبيروقراطية بُعداً يكاد يكون "فينومينولوجياً". فهو يتهم الوزراء بممارسة "إرهابٍ لغوي". ففي مزاولة السلطة، يتحول "الشكل", بما يتضمنه من سجعٍ إلزامي، واستعاراتٍ متكلفة، وتضخيمٍ أسلوبي، من وسيلةٍ لنقل الفكر إلى غايةٍ تهدف إلى محو واقع المعاناة الإنسانية، والضرائب الجائرة، وعمليات السلب والنهب.


يصف التوحيدي كيف يتعمد الوزير إحالة القضايا المصيرية إلى ساحة للترف اللفظي، فيقول إنه إذا جاءه المتظلم يشكو جور جباية الضريبة «أعرَضَ عن فقهِ القضيةِ، وعَمَدَ إلى تَزويقِ اللفظِ... ويقول لكُتَّابِهِ: أجيبوهُ بلفظٍ يَقْطَعُ حُجَّتَهُ، ولا يَفْهَمُ لَعَمْرِي عِلَّتَهُ!». حيث يُراد للغة الإدارية أن تكون مبهمة، متعالية، لكي تفرض شرعيتها بالإخضاع لا بالإقناع، ليضيع الحق «بين قَعْقَعَةِ الألفاظِ وَصلَفِ الرِّياسةِ».


 يتضح أن نقد الجاحظ والتوحيدي يتجاوز الهجاء الشخصي أو الذوقي لطبقة الكتاب. إنهما يقدمان تفكيكاً بنيوياً لكيفية تحول "المصطلح والشكليات الإدارية اللغوية" إلى سلطة تكنوقراطية تعزل الحاكم عن الرعية، وتُحوّل جوهر قضية العدالة الاجتماعية إلى مجرد مجادلات لغوية.


ولم يقتصر رصد رونق الكلمات هذه على النثر الرسائلي عند الجاحظ والتوحيدي، بل انتقل إلى البنية السردية للمقامات؛ حيث نجد عند الهمذاني والحريري تفكيكاً لآلية استخدام السجع والمصطلحات الغريبة كـسلاح إخضاع وتعمية. ففي المقامات، يُلجأ إليها كلما أريد "التمويه بالغموض لقهْر الحُجّة"، وتحويل الأزمات الإنسانية إلى شكليات بيانية.


 


- المقامة الشيرازية:


يصف عيسى بن هشام دخوله إلى مجلس لغوي إداري، وكيف يستعلي أحدهم بالتعبيرات الغريبة التي تسلب السامع إرادته:


«فانْصَبَّ علَينا بألفاظٍ كالرَّجْمِ، وعِباراتٍ تَدَعُ الواضحَ كالنَّجْمِ؛ فجَعَلَ يُغْرِبُ في خِطابِهِ، ويَتَدثَّرُ بجِلْبابِ عُجْبِهِ... فإذا جادَلْتَهُ عَمَدَ إلى التَّعْمِيَةِ تَمْوِيهاً، وظَنَّ أنَّ غُموضَ اللَّفْظِ كافٍ في قَهْرِ الحُجَّةِ.»


-المقامة المارستانية


«أَتَشْكُو ظُلْماً بِلَفْظٍ جلْفٍ، وتَطْلُبُ عَدْلاً بِلِسَانٍ نَكِرٍ؟! تَرَكْتَ شَرْطَ البَلاغَةِ وعَمَدْتَ إلى الإسْتِغاثَةِ, واللَّهِ لَحُسْنُ نَظْمِ الشَّكْوى أَوْلَى من نَصْرِ المَظْلَمَةِ!»


بلغ الترف اللفظي والسجع عند الحريري غايته. بطله (أبو زيد السروجي) هو النموذج الأكمل لمن يستغل البلاغة والغموض اللغوي لممارسة سلطة نفسية ومادية على العامة والخاصة لابتزازهم. 


-المقامة الدينارية:


«فأَقْبَلَ يَصُوغُ الكَلامَ بتَمْوِيهٍ وتَزْوِيقٍ، ويَسْتَعِينُ بغَرِيبِ التَّلْفِيقِ... حتى خيّلَ للحَاضِرِينَ أنَّ البَاطِلَ حَقٌّ مُسْتَبِينٌ، وتَدَثَّرَ بهَيْبَةِ بَيَانِهِ لِيَحْجُبَ عُيُوبَ رَوَيَّتِهِ، فَمَا اسْتَطَاعَ أَحَدٌ رَدَّ قَوْلِهِ لِغُمُوضِ مَخَارِجِهِ.»


-المقامة الواسطية: الزهو بالمصطلحات


«أَيُّهَا السَّادِرُ في غُلَوَائِهِ، السَّادِلُ ثَوْبَ خُيَلاَئِهِ... الَّذِي يَظُنُّ أَنَّ حَبْرَ الأَقْلاَمِ سُلْطَانٌ يَقْهَرُ الأَنَامَ، وأَنَّ تَنْمِيقَ الرَّسَائِلِ يُغْنِي عَنِ الفَضَائِلِ!


يكمن هنا جوهر"التحييد التكنوقراطي". تتيح المصطلحات الإدارية إضفاء طابع طبيعي على القمع، من خلال تصويره كضرورة تقنية وعلمية لا تقبل الجدل. وهكذا، يتم استبعاد مفاهيم مثل «السرقة» أو «الاستغلال» لصالح مفاهيم إدارية مجردة.


رد الهامش 


لا يمكن فهم ظاهرة "لغة الغموض والسلطة" فهمًا بنيويًا شاملًا دون التوقف عند رد الفعل العكسي الذي قاده الهامش الاجتماعي في التراث العربي. فنجد في أدب الكدية والنوادر استراتيجية تفكيكية لهذا التمويه اللغوي.


طوّر الشارع سلاحه للدمار الشامل المتمثل في: لغة أهل القاع، والسخرية، والشعر الشعبي.


 تجسدت هذه "الثقافة المضادة" من خلال جماعة "الساسانية". وقد شكّل هؤلاء ما يشبه "نقابة" غير رسمية ضمت المتسولين، وشعراء الشوارع، والنشالين، والمحتالين الذين تمتعوا بقدرٍ مذهل من المعرفة والثقافة. فما هي استراتيجيتهم؟ إنها "التخريب اللغوي". فقد استخدموا لغة المهمشين (ما يُعرف بـ "المخاضرة") لمحاكاة لغة النخبة والسخرية منها، كاشفين بذلك أن "اللغة الرفيعة" التي تستخدمها السلطة ليست سوى شفرةٍ منافقة، صُممت خصيصاً للتغطية على عمليات النهب المقنّن، أي قناعٍ يمكن استبداله، وأداةٍ للتلاعب ذات طابعٍ مسرحيٍّ محض.


 محاكاة "بني ساسان" للمصطلحات الرسمية


 وظّف شعراء الشارع إتقانهم للغة والبلاغة لتقويض الأعراف اللغوية القائمة. فعلى سبيل المثال، عمد شاعر الشارع إلى محاكاة المراسيم السلطانية، مستخدماً الأسلوب الفخم والمتكلف الذي كان يتبعه كُتّاب الدولة، وذلك لوصف واقعٍ يتسم بالبؤس والفقر المدقع.


مثال على المحاكاة الساخرة (الباروديا): في حين كان الوزير يستهل مراسيمه بصيغٍ مقدسةٍ لإضفاء الشرعية على فرض ضريبةٍ جائرةٍ، كان شعراء الشارع يردون بتبني البنية النحوية ذاتها تماماً لتبرير السرقة والنشل، قائلين: «باسم الجوع الذي يحكمنا، والحاجة التي تضفي علينا القداسة، نُعلن أن كيس هذا التاجر الثري، الذي انتفخ ظلماً، يُعدُّ مالاً مباحاً، ويجب أن يعود بحكم الحق إلى "رابطة البطون الخاوية"».


هكذا أحدث شعراء الشارع ما يُعرف بـ "الانقلاب الكرنفالي" (بالمفهوم الذي طرحه باختين). لقد صرّحوا: إن ما تسمونه "قانوناً" ليس سوى غطاء شرعي لنهبكم، أما سرقتنا فهي العدالة الملموسة الوحيدة المتبقية لنا.


قاموس لغة "الساسانية": للإفلات من رقابة شرطة الخليفة، ابتكر شعراء الشارع لغةً مشفرةً أُطلق عليها اسم "الغريب". تميز هذا القاموس بمرونة لغوية فائقة، حيث أخذ بنو ساسان كلمات عربية فصيحة وحرفوا دلالاتها، وقد ألّف الشاعر "أبو دلف الخزرجي" (من القرن العاشر الميلادي) قصيدةً طويلة -تُعرف بـ "القصيدة الساسانية"- تُعد بمثابة فهرسٍ لهذه اللغة السرية. تكتسب هذه القصيدة أهميةً بالغةً لأنها تعيد تسييس الكلام. يقول الثعالبي في يتيمة الدهر وهو يروي عن أبي دلف استخدامه لألفاظ مثل (المخرقة، الدندنة، الساسانية):


«وعَمَدَ أبو دلف إلى ألفاظٍ لا يفهمُها إلا أصحابُ الحِيَل والكدية، فجعلَ غُموضَ اللَّفظِ حِصناً يَمنعُ سِرَّهُم عن رِجالِ الدَّولةِ، ويُعمي بهِ على القُضاةِ والوُلاةِ مَكامنَ حِيل". مثال:


- يتحول "المتسول" إلى "بازٍ" (طائر جارح): ففي نظر الجهاز الإداري، يُعتبر المتسول عبئاً اجتماعياً ينبغي إخفاؤه , أما في نظر أهل الشارع، فهو "صيادٌ" يستردّ ما سلبته منه النخبة.


-يتحول السجن إلى «المدرسة»: وهو تهكم لاذع على مؤسسات النبلاء. فبما أن المدارس تُخرِّج كُتّاباً يتسمون بالقسوة الإدارية، فإن السجن يمثل "المدرسة المعكوسة" التي يتعلم فيها المرء التضامن بين المقهورين.


- تتحول السرقة إلى «تصحيح»: وهو سخرية مباشرة من مصطلحات المحاسبين الذين كانوا يستخدمون عبارة "تصحيح الحسابات" حين يقومون بتزوير السجلات الضريبية.


- "الخصم" هو صاحب الثروة . لذا، فإن سرقة الإداري لا تُعتبر جريمة، بل عمليةً لإعادة التوزيع.


-لنزع القداسة عن الضريبة: يستبذل مصطلح "الاستجباء" النبيل بكلمة التدفق.


 يهاجم أبو دلف شعراء الخاصة صراحة، ويعتبر أن شحاّذي بني ساسان أكثر عزة وأنَفَة، لأنهم يأخذون أموال الناس بذكائهم وحيلهم دون التذلل بالمديح الكاذب للملوك.


"القصيدة الساسانية" هي فعلٌ من أفعال "حرب العصابات اللغوية". تطرح لغةً حيةً، متغيرةً، لا يمكن ترويضها. تتمثل في رفضٍ قاطعٍ للانحصار داخل كلمات السلطة وسردياتها.


 أبو دلف ورولان بارت: في كتابه "أسطوريات" (Mythologies) الصادر عام 1957، يحلل رولان بارت كيف تستخدم الطبقة المهيمنة اللغةَ لتحويل واقعٍ تاريخي وسياسي بحت (كالتفاوت الطبقي أو الرأسمالية) إلى حتميةٍ طبيعية أو كونية. يرى أن "الأسطورة تقوم على تحويل الثقافة إلى طبيعة".


 كانت النخبة في العصور الوسطى توظف التأويل لتقول: "إذا كان الخليفة غنياً وكنتَ أنت فقيراً، فهذا هو النظام الإلهي والطبيعي للأشياء".


ومن خلال ابتكار لغةٍ مضادة يقوم أبو دلف بعملية جذرية لنزع صفة "الطبيعية" عن هذا الواقع. إنه ينتزع قناع "القدر المحتوم" ليكشف عن الآليات البشرية الكامنة وراء الافتراس الاقتصادي. فأسلوب "شعراء الشارع" يعمل تماماً كما يعمل "التفكيك السيميولوجي" عند رولان بارت، يقوم بتفكيك "أسطورة" السلطة، ليعيد الصراع الطبقي إلى صميم اللغة ومفرداتها.


-مفارقة الصاحب بن عبّاد: استيعاب النخبة للظاهرة


تكمن المفارقة التاريخية في "القصيدة الساسانية" في أنها تلقت مكافأةٍ سخيةٍ من الوزير الكبير "الصاحب بن عبّاد". يكشف هذا عن آليةٍ للتحييد عبر "الاستيعاب الثقافي". إذ تسعى النخبة -من خلال تحويل التمرد اللغوي النابع من الشارع إلى مادةٍ جماليةٍ للترفيه داخل البلاط- إلى نزع فتيل شحنتها السياسية..


يشبه هذا تماماً ما تفعله بعض الهياكل المعاصرة حين تتبنى رموز الثقافة الحضرية أو لغة الاحتجاج لتحديث صورتها وتجميلها. ما يُعرف بـ "التبريد المؤسسي".


العكبري (أبو الفرج العبكري - القرن 4هـ): العكبري يُعد النظير الفعلي والتاريخي لشخصية جحا في نوادر المحاكم وقهر القضاة باللعب على الحبال اللغوية.


 


• فكرة التمويه عنده: يستخدم "المغالطة المنطقية الحرفية" لإبطال مفعول القوانين الصارمة التي يصيغها الكتّاب والقضاة. يُروى أن قاضياً أراد أن يقيم عليه الحجة في مجلسه بتهمة الاحتيال والسرقة، والتفت إليه بعبارات ديوانية معقدة، فأجابه العكبري مستخدماً نفس التمويه اللغوي، فهو يدرك أن مهاجمة السلطة لا ينبغي أن تتم عبر مناهضة جوهرها مباشرة ، بل عبر محاكاة "شكلها" للكشف عن نفاقها المتأصل فإن قلب "الشكل" يهدف إلى نزع القشرة الخارجية للخطاب الرسمي، لتعرية "الجوهر" وكشف حقيقته أي موازين القوى الصرفة، والعنف الاقتصادي، والتعسف.


«أيها القاضي، إنّ كُتّابَكَ يكتبون الظلمَ في السجلات ويُسمّونهُ (رَسماً)، وقُواتَكَ يأخذون أموال الناس ويُسمّونها (جِباية)، وأنا آخذُ فضولَ أموالِهم وأُسمّيها (عِناية)! فإنْ عاقبتَ الأسماءَ فابدأ بدفاترِكَ، وإنْ عاقبتَ الأفعالَ فكلُّنا في السَّرِقةِ شَرعٌ سَواء!»


 يُبيّن أن الفاصل بين ما هو قانوني وما هو غير مشروع لا يتعلق بالجوهر (فالفعل يظل هو ذاته: انتزاعٌ للممتلكات)، بل هو محض مسألة صياغة. فالدولة تتخفى خلف مصطلحاتٍ أُضفي عليها طابعٌ مقدّس.  


خلال الجمع بين رؤيتي التوحيدي والعكبري، يتضح أن الثقافة العباسية قد وضعت تنظيراً دقيقاً لما سيُعرف عند بورديو بـ "العنف الرمزي".


المقاومة الشعبية المعكوسة: لغة جحا الساخرة في مواجهة النخبة الحاكمة:


تلقف الأدب الشعبي، ممثلاً في نوادر جحا، خصوصا جحا نصر الدين، هذه الآلية وقلب سحرها على الساحر. فجحا يمارس التمويه اللغوي والعبث بالمصطلحات كاستراتيجية دفاعية شعبية ساخرة. إنه يحاكي تعقيد الدواوين بعبثية مضادة. ويواجه تعنت جباة الضرائب وسلطوية القضاة بقلب دلالات الألفاظ، ليثبت في النهاية أن "اللغة المغلقة يمكن تفكيكها بمجرد تعريتها من خلال النكتة السياسية والتهكم الشعبي.


قلب الطاولة على "الغموض الإداري" والتهرب من جباة الضرائب


 


• نادرة "الديْن وضريبة الغنم":


جاءه جابي الضرائب يطالبه برسومٍ متأخرة بلغة ديوانية صارمة، فما كان من جحا إلا أن قال له: «أبشر، لقد زرعتُ شوكاً حول الحقل، فإذا مرّت غنم الرعية علق صوفها بالشوك، ثم أجمعه وأبيعه لغزّال المدينة، ومن ثمنه سأقضي لك دينك!». فلما ضحك الجابي، التفت إليه جحا قائلاً: «أرأيت؟ كيف تضحك وأنت ترى مالك نَقداً حاضراً بين يديك؟». هنا يمارس جحا تلاعباً بالكلمات إنه يقابل لغة الدواوين التي تبيع الناس وعوداً غامضة وأوراقاً بيروقراطية، بلغة شعبية ساخرة تبيعهم "صوفاً على الشوك"، معتبراً أن الوهم اللغوي البيروقراطي يوازي وهمه اللغوي الساخر.


في كثير من النوادر، يذهب جحا إلى المحكمة ليوضح كيف أن القوانين واللغة القضائية المعقدة تصبح أحياناً عبثية ولا تنصر المظلوم، فيقهر القضاة بتقنيتهم اللفظية نفسها.


يطلب حاكمٌ مستبدٌ من جحا أن يبتكر له لقباً تشريفياً فخماً يتضمن اسم الله تعالى، على غرار ألقاب الخلفاء الكبار، كانت هذه الألقاب تعمل لإضفاء الشرعية على السلطة السياسية. فيرد عليه جحا دون تردد: "ينبغي أن يكون لقبك: (نعوذ بالله)". (أي: من جورك).


عالمية التقويض عبر "الشكل": المرآة الساخرة عند جوناثان سويفت


إن هذا الصراع الدلالي يكتسب صدىً عالمياً ليبلغ ذروة الأدب الساخر.


 تبدو استراتيجية التفكيك عبر توظيف "العبث"، وكأنها إرهاصٌ مذهلٌ لرائعة الكاتب الأيرلندي جوناثان سويفت: "اقتراح متواضع" (1729). ففي مواجهة البؤس المستشري في أيرلندا، التي كانت ترزح تحت الاستغلال الإنجليزي، اختار سويفت محاكاة "شكل" السلطة، إذ تقمّص شخصية خبير اقتصادي —يتسم بالبراغماتية والعقلانية والتجرد— ليقترح، بكل جدية، معالجة مشكلتي الاكتظاظ السكاني والفقر من خلال بيع أطفال الفلاحين الفقراء كلحومٍ فاخرةٍ تُقدَّم على موائد الملاك المستعمرين. وتكمن الفعالية المرعبة لنص سويفت في ذلك الانفصال الجذري بين "الشكل" المحكم —الذي يتجلى في الحسابات الإحصائية الدقيقة، والنبرة العلمية الهادئة، والحجج القائمة على الجدوى المالية للمملكة— وبين "المضمون" الوحشي، المتمثل في "قتل الأطفال" كسياسةٍ مؤسسية. فمن خلال دفع المنطق الحسابي للطبقة المهيمنة إلى أقصى استنتاجاته البربرية، يحقق سويفت كشفاً يضاهي ما فعله "العكبري" أمام القاضي، إذ يبرهن على أن خطاب "الخبرة التقنية"، حين يتجرد من الكرامة الإنسانية، لا يعدو كونه بلاغةً قائمةً على الافتراس.


هذا النقد الموجه إلى "الشكل" لم يفقد حدته في عصرنا الحالي. نشهد اليوم، في الفضاء الإعلامي والسياسي، تصاعداً في استراتيجيات "المصادرة الدلالية", فغالباً ما يحلّ الجدل المحتدم حول تسمية المظالم محلّ المواجهة المباشرة مع واقعها الصارخ. فمن خلال استبدال الحقائق الخامة بمفردات تقنية، أو معقمة، أو ملطّفة، يمارس "تكنوقراط الاتصال" المعاصرون انحرافاً لغوياً يشبه تماماً ذلك الذي ندّد به التوحيدي قديماً. وسواء تعلق الأمر بإعادة وصف العنف الاقتصادي تحت مسمى "التكييف الهيكلي"، أو طمس معالم الهشاشة الاجتماعية عبر مفاهيم إدارية غامضة، فإن الهدف يظل ثابتاً: تخدير جوهر الاعتراض الأخلاقي والإنساني.


- ف"الكاتب" الذي وصفه الجاحظ يُعدّ سلفاً مباشراً لـ "خبير الاتصال السياسي" في عصرنا. فكلاهما يتقن استخدام "القوالب اللغوية الجاهزة" والتي يعاد تكرارها مرة وأخرى حتى تصبح الحق والحقيقة، فهي شفرة مغلقة صُممت بحيث يتقبل الجمهورُ "الشكلَ" دون أن يملك القدرة على مساءلة "المضمون".


يُقدَّم الاقتصاد اليوم كعلمٍ دقيق ومحايد ورياضي بحت، يتجنب بعناية أي مصطلحات ذات دلالات أخلاقية أو سياسية. وهذا يمثل انتصاراً مطلقاً للأسلوب الذي اتبعه "ابن التوأم". إن آليات "مصادرة اللغة" اتخذت اليوم طابعاً عصرياً، وباتت تنتشر على نطاق عالمي عبر أشكال أكثر دهاءً، تهدف إلى نزع الصبغة السياسية عن الواقع وتصويره كأنه "طبيعي" وحتمي:


- لم نعد نتحدث عن "تسريح جماعي"، بل عن "خطة لحماية الوظائف"، أو "تحسين كفاءة الموارد البشرية"، أو "ترشيد التكاليف". وبالمثل، فإن الخفض الحاد في ميزانيات القطاعات الاجتماعية يُصوَّر على أنه "تعديل ميزانياتي" أو "جهد لضبط الأوضاع المالية".


-التلطيف اللغوي في الإعلام كأداة للحجب: تماماً كما كانت البيروقراطية العباسية تحوّل عملية انتزاع الأراضي إلى مجرد "نزاعٍ حول السجلات"، تستخدم وسائل الإعلام المعاصرة مصطلحات تقنية -مثل وصف الأزمة بـ "النمو السلبي".


- إضفاء الطابع القضائي والشكليات في مواجهة المنطق السليم: يعكس موقف القاضي تجاه "العكبري" تلك النقاشات التلفزيونية الراهنة، حيث يحتدم الجدل لساعات حول التكييف القانوني الدقيق والصراعات حول تحديد "التسمية" للجور، وذلك لتجنب الخوض في الظلم ذاته.


تُظهر النصوص التي تناولناها أن السجال الجمالي حول "الشكل" و"المضمون" كان ينطوي في جوهره على رهان سياسي واجتماعي بامتياز: ألا وهو السيطرة على الفضاء العام وإضفاء الشرعية على تجاوزات السلطة.


غير أن هذا الاستحواذ على الدلالات لم يمر دون رد. إذ تكمن إحدى المزايا الكبرى للثقافة العباسية في أنها وثّقت، في هوامشها، ردودَ فعل الفئات المُهيمن عليها. ونجحت في إطلاق ما يمكن اعتباره "حرباً لغوية للدفاع عن الذات". واستطاعت كسر احتكار "المعجم الرسمي". وفي نهاية المطاف، إن الدرس الذي تركه لنا هؤلاء المؤلفون يتجاوز حدود عصرهم, فخلف كل تعقيد تقني في الصياغة، غالباً ما تكمن محاولة لإقصاء النقاش الديمقراطي والأخلاقي.