سياسة واقتصاد

مفتاح مساعدة النظام الجزائري للتخلص من "ورطة تيندوف" صار عند المغرب

لحسن العسبي (كاتب صحقي)

لنبدأ بالأساسي..

مغرب 1991 (بالسياق الأممي الذي أنتج المينورسو) ليس هو مغرب 2026.. إذ مؤسساته الدستورية أقوى وأصلب، جيشه أكثر تطورا واحترافية وتجهيزا، مؤسساته الأمنية أصبحت مرجعا ضمن محيطها المتوسطي والإفريقي والإسلامي، اقتصاده صار أكثر مناعة بفضل تنويع مصادر إنتاج الثروة (خاصة خيار التصنيع)، دون نسيان أن قيمة ثروته البشرية (تكوينا) صارت أعلى، مثلما أن بنيته الديبلوماسية تطورت إيجابيا، الأمر الذي توازى مع التراكم المتحقق في مجال بنيته التحتية بكل ما فتح أمامه من طرق سالكة راسخة لتعزيز خطوه التنموي، ثم تطور تجربته الحقوقية مؤسساتيا وجمعويا الذي أصبح رأسمالا يهب له إمكانيات ادماج واستيعاب حتى أشد التيارات راديكالية (بما فيها التي تدافع عن فكرة تقرير المصير والإنفصال)،، ثم أعمق من ذلك قدرته على تنزيل مشروع هيكلي لإعادة بنينة الإطار التنظيمي للدولة عبر مدخل الجهوية والحكم الذاتي..

إن هذه العناوين هي رأسمال قوة المغرب اليوم.. الرأسمال الذي لا يملك جواره (في مقدمتهم خصومنا بالدولة الجزائرية) أي عنصر منها.. يكفي تأمل مجالنا المغاربي من ليبيا حتى الجزائر مرورا بتونس، لندرك حجم الفشل الذي يطال الإستراتيجيات التنموية والأمنية والمؤسساتية بمحيطنا الإقليمي..

بالتالي فإن الصراع في مكان ما هو صراع بين من يعمل فعليا ليكون قاطرة للتنمية وتوسيع أسباب الأمل في غد آمن لشعوب المنطقة، وبين من يريد جرنا جميعا إلى منطق التأزيم والتعطيل..

واهم من يعتقد أن المغرب سيخرج خاسرا من حسابات هذا الصراع، لأن له ما يكفي من الإمكانيات بفضل صلابة مؤسساته (عكس ما يعتقده البعض) كي يقفز وطنيا خطوات أكبر نحو الأمام بفضل وحدة صفه الوطني والمؤسساتي والشعبي..

من يريد دليلا عن ذلك ليعد قراءة بلاغ الديوان الملكي الذي صدر بسرعة قياسية للتفاعل مع ما جرى بجلسة مجلس الأمن السنوية حول ملف صحراءنا الغربية المغربية.. إنه بلاغ عنوان للثقة في الذات وبلاغ للدولة التي لها خطة طريق، لها استراتيجية شمولية ذات منطلقات وذات مقاصد وأهداف واضحة..

واهم أيضا من يتصور أننا مغربيا نكذب على أنفسنا مؤسساتيا وأننا نستر بغربال الراحة الخداعة مشاكلنا العويصة التي تواجهنا تدبيريا ومؤسساتيا وتنظيميا.. على العكس تماما إن من ميزة بلاد لها كل ذلك الرأسمال الذي حددنا بعض عناوينه فوق أنها غير جامدة، بل متحركة بفضل قوة الوعي النقدي لمجتمعها، الذي يحاسب كل السياسات العمومية ويضع الأصبع بوضوح على مكامن أعطاب الطريق.. وأن نبل السياسة هو في سعي الفاعل السياسي أن يقدم ما يُقنعُ به الرأي العام من حلول لتلك المشاكل.. هذا يسمى في الأدبيات السياسية "المجتمع الحي".. 

واهم مرة أخرى من يدخل محراب مصالح الدول القومية العليا بمنطق "الربح والخسارة" وبفكرة "دغدغة وهم عواطف النصر".. لأنه في مستوى "منطق الدولة" ما يهم هو تعزيز صيانة المصالح الحيوية للدولة الأمة..

ها هنا يمكن النظر إلى خلاصات ما وقع بجلسة مجلس الأمن ليلة الجمعة 30 أكتوبر 2026..

كان المغرب وحلفاؤه من القوى العظمى يسعى مرحليا ضمن صيرورة نضالية لتعزيز حقوقه الوطنية في حماية وحدته الترابية بالصحراء إلى تغيير فقط دور البعثة الأممية (المينورسو) لتصبح منطقيا وإجرائيا متصالحة مع منطوق القرار 2797 الصادر منذ سنة، بما يحقق التناغم بين القرار ووسيلة التنفيذ، لكن جاءته هدية أكبر خلصته أصلا من بعثة المينورسو التي أصبحت غير ذات موضوع قانونيا بعد صدور ذلك القرار الأممي أكتوبر الماضي (2025)، لأنها أصبحت معطلة لتطور الملف إيجابيا نحو الحل السياسي.. 

إن الدرس المهم هنا ضمن منطق القضايا العادلة هو أن تترك دوما خصمك يزيد في تطرفاته، لأنه سيهبك من حيث لا يحتسب هدايا لم تكن تنتظرها أبدا في الطريق..

إن الفيتو الروسي لم يضع المغرب في الزاوية الضيقة ولا أزم الملف أكثر، بالعكس إنه فتح له الطريق الأسلم أصلا بشكل أسرع.. والدولة المغربية اقتنصت الفرصة بالسرعة الواجبة..

لقد تغيرت المعادلات كانعطافة في ملف الصحراء ابتداء من ليلة 30 أكتوبر 2026، بما يخدم حقوقنا واستراتيجيتنا الوطنية بشكل أفضل.. على قدر ما فتح الطريق لملفات ظلت تراوح مكانها منذ خمسين سنة تضع الحكومة الجزائرية في دائرة الخصومة مع القانون الدولي (خاصة مسألة إحصاء اللاجئين بتيندوف ومنحهم حرية التحرك والمغادرة). على قدر ما قد يفتح بابا ستكون وبالا على النظام الجزائري (كم كانت كلمة ممثل الجزائر الدائم بمجلس الأمن مسهلة لها أكثر بسبب بلادة عنترياته اللغوية ضد واشنطن حين أخدته العزة بالإثم) تلك المتعلقة بإمكانية تصنيف حركة البوليزاريو حركة إرهابية حيث ستصبح التهمة الغالية الكلفة هي أن "الدولة الجزائرية" راعية إرهاب..

لسنا واهمين مغربيا، لأنه على قدر ما نعزز مكاسبنا السياسية والتدبيرية في ملف حيوي مثل ملف وحدتنا الترابية فإن يدنا أيضا على الزناد.. إن المغاربة تعودوا تاريخيا أن يبنوا الكتبية وصومعة حسان والقطار فائق السرعة بيد وأن يحاربوا بصلابة ضد كل عدوان باليد الأخرى..

إن الخلاصة هي أن مغرب 1991 الذي قبل بالمينورسو بحسابات المرحلة، ليس هو مغرب 2026 الذي ربح معركة إنهاء وجود المينورسو.. 

بالتالي نحن فقط دخلنا مستوى أكثر تقدما في معركتنا الوطنية بمكتسبات وازنة يحق لنا البناء عليها (12 دولة من 15 عضو بمجلس الأمن مع المنهجية السياسية المغربية للحل)، بأفق تحويل الملف من "إطار أممي متعدد الأطراف، إلى إطار ثنائي وإقليمي" نمتلك فيه أوراقا حاسمة اقتصاديا وديبلوماسيا وقانونيا وأمنيا.. على قدر ما نتصالح مع منطق الإصلاح الأممي الساعي إلى تقليص كلفة البعثات الأممية..

إن طريق الحل أصبحت أكثر وضوحا اليوم، وهي أن تنتصر الفطنة المغاربية مصلحيا "ثنائيا وإقليميا".. لأن "نافذة الإغاثة" للنظام الجزائري لمساعدتها للتخلص من "ورطة تيندوف" (وبالإستتباع من "مخاطر الساحل") أصبح مفتاحها عند المغرب..