مجتمع وحوداث

الرغبة الإنسانية وازدواجية المعايير الأخلاقية

حكيم السعودي
لماذا يحب بعض الرجال العاهرات؟. ثمة أسئلة تقترب من المناطق المسكوت عنها في النفس البشرية وتكشف التناقض بين ما يقوله الإنسان وما يريده وبين القيم التي يرفعها أمام المجتمع والسلوك الذي يمارسه في الخفاء. ومن هذه الأسئلة سؤال يبدو صادما في صياغته، عميقا في دلالاته: لماذا ينجذب بعض الرجال إلى نساء يمارسْن البغاء، أو إلى نساء يصفهن المجتمع بالعاهرات بينما يعلنون في الوقت نفسه تمسكهم بالعفة والأخلاق واحترام المرأة؟

هل يتعلق الأمر بالرغبة الجنسية وحدها؟ أم بالبحث عن المتعة دون مسؤولية؟ أم أن المسألة تكشف عن تناقض أعمق في التربية الذكورية وفي الطريقة التي ينظر بها المجتمع إلى المرأة والجسد والحب؟

إن الإجابة عن هذا السؤال تحتاج إلى التحرر من الأحكام الجاهزة والنظر إلى الإنسان بوصفه كائنا معقدا تتداخل في سلوكه الرغبة والخوف والتربية والتجربة والخيال والمصلحة.


الرغبة التي لا تعترف دائما بقوانين المجتمع:


الرغبة الجنسية جزء من الطبيعة الإنسانية لكنها لا تتحرك دائما وفق التصورات الأخلاقية التي يتبناها الإنسان في حياته العلنية. فقد يحمل الرجل قناعات محافظة ويطالب المرأة بالالتزام بمعايير صارمة ثم يجد نفسه منجذبا إلى علاقة تتعارض مع تلك القناعات.هذا التناقض لا يعني أن جميع الرجال يعيشونه ولا أن الانجذاب إلى امرأة تمارس البغاء ظاهرة واحدة لها تفسير موحد. فالدوافع تختلف من شخص إلى آخر وقد تشمل الانجذاب الجسدي والفضول والرغبة في التجديد والبحث عن تجربة عابرة أو الرغبة في إشباع احتياجات لا يجد الرجل سبيلا إلى التعبير عنها في علاقاته المعتادة.

وقد يكون الرجل مدركا لهذا التناقض وقد يبرره لنفسه وقد يفصل بين ما يريده في لحظة معينة وما يعتقد أنه ينبغي أن يريده في حياته.وهنا تظهر إحدى مفارقات النفس البشرية: ليس كل ما يرغبه الإنسان ينسجم بالضرورة مع منظومة القيم التي يعلنها.


المتعة دون التزامات عاطفية:


قد يجد بعض الرجال في العلاقة القائمة على المقابل المادي وضوحا يفتقدونه في العلاقات العاطفية التقليدية. فهناك اتفاق محدد وتوقعات معلومة وحدود قد تكون واضحة منذ البداية دون ضرورة لبناء علاقة طويلة الأمد أو تحمل التزاماتها.بالنسبة إلى هؤلاء قد تبدو العلاقة وسيلة للحصول على المتعة دون الدخول في تعقيدات الحب والارتباط والمسؤولية الأسرية.لكن ينبغي التمييز بين تفسير هذا السلوك وتبريره؛ فالرغبة في علاقة عابرة لا تعني بالضرورة العجز عن الحب كما أن اختيار علاقة مدفوعة لا يكشف وحده عن شخصية الرجل أو قدرته على الالتزام. والأهم أن العلاقة الإنسانية لا تختزل في المعاملة المادية حتى عندما يكون المقابل المالي جزءا من الاتفاق. فالمرأة تظل إنسانة لها كرامتها وحدودها وظروفها وليست جسدا منفصلا عن شخصيتها وحياتها.


سحر الممنوع وأوهام المغامرة:


يكتسب الشيء الممنوع أحيانا جاذبية إضافية بسبب المنع نفسه. فالإنسان قد ينجذب إلى تجربة يشعر أنها تقع خارج حدود المألوف أو أنها تمنحه فرصة لاكتشاف جانب من ذاته يخفيه عن الآخرين. وفي بعض الحالات يختلط الانجذاب الجنسي بإحساس المغامرة وتجاوز القيود الاجتماعية، فيصبح جزء من المتعة مرتبطا بالسرية أو الإحساس بالمخاطرة أو خرق المحظور.غير أن هذا التفسير لا يصلح لكل الحالات ولا يعني أن جميع الرجال الذين يقيمون هذه العلاقات يبحثون عن التمرد، فالدوافع الإنسانية متعددة ولا يمكن اختزالها في تفسير نفسي واحد.

وقد يكون ما يجذب الرجل هو المرأة نفسها أو طبيعة العلاقة أو الصورة التي رسمها في مخيلته عنها. وبين الواقع والتصورات التي يصنعها الخيال مسافة قد تكون واسعة.


المرأة التي يرغب فيها والمرأة التي يريد الزواج بها:


من أكثر التناقضات إثارة للتأمل في بعض البيئات الذكورية أن الرجل قد يقسم النساء إلى فئتين: امرأة يرغب فيها وامرأة يراها جديرة بالزواج والاحترام. في هذه الرؤية يسمح الرجل لنفسه بالاستمتاع بعلاقة مع امرأة ثم يحكم عليها أخلاقيا بسبب طبيعة العلاقة نفسها بينما يطالب المرأة التي يريد الزواج بها بمعايير مختلفة حتى إن كان هو نفسه قد ساهم في السلوك الذي يدينه.هنا لا تكمن المشكلة في اختلاف أنواع العلاقات أو في حق الإنسان في اختيار شريك حياته وفق قناعاته وإنما في ازدواجية المعايير حين يمنح الرجل نفسه حرية يسلبها من المرأة، أو حين يطالبها وحدها بتحمل المسؤولية الأخلاقية عن علاقة شارك فيها طرفان.

إن الأخلاق التي تطبق على المرأة وحدها تتحول إلى أداة للسيطرة الاجتماعية لا إلى مبدأ إنساني متكامل.

فإذا كانت العلاقة اختيارية بين بالغين، فإن المسؤولية الأخلاقية عن السلوك تقع على الطرفين مع مراعاة طبيعة العلاقة وظروفها وحقوق كل طرف فيها.


هل يبحث الرجل عن الجسد أم عن الشعور الذي يمنحه إياه؟ :


قد لا يكون ما يبحث عنه بعض الرجال هو الجنس في حد ذاته وإنما الشعور المصاحب له: الإحساس بالقبول أو إثبات الرجولة أو الهروب من الوحدة أو التخلص مؤقتا من القلق والضغوط. فثمة رجال يعيشون علاقات زوجية مستقرة ومع ذلك يبحثون عن علاقات أخرى وقد يكون وراء ذلك حب التجديد أو ضعف القدرة على ضبط الرغبات أو مشكلات في العلاقة القائمة أو دوافع شخصية لا يعرفون هم أنفسهم كيف يفسرونها.وفي المقابل قد يلجأ رجل وحيد إلى علاقة عابرة لأنه يفتقد الحميمية لكنه لا يمتلك الاستعداد النفسي للدخول في علاقة عاطفية حقيقية.ومع ذلك ينبغي الحذر من اعتبار كل علاقة جنسية تعويضا عن نقص عاطفي؛ فليس هناك دليل على أن هذا التفسير ينطبق على جميع الرجال.

إن الإنسان قد يبحث عن اللذة لذاتها وقد يبحث من خلالها عن شيء آخر وقد يجمع بين الأمرين دون أن يكون واعيا تماما بدوافعه.


هل يحب الرجل المرأة التي يمارس معها الجنس؟:


هنا ينبغي التمييز بين الانجذاب الجنسي والإعجاب والتعلق العاطفي والحب.قد ينجذب الرجل إلى امرأة دون أن يحبها وقد يتعلق بها دون أن يريد بناء حياة مشتركة معها وقد ينشأ الحب في علاقة لم يكن أي من الطرفين يتوقع أن تتحول إلى علاقة عاطفية.كما أن المرأة التي تمارس البغاء ليست خارج دائرة المشاعر الإنسانية ولا تفقد قدرتها على الحب أو الوفاء أو بناء العلاقات بسبب طبيعة عملها.وقد يقع الرجل في حب امرأة تمارس البغاء لكنه يجد نفسه أمام تعقيدات تتصل بالثقة والغيرة والحدود الشخصية والتصورات الاجتماعية للمستقبل وقد تنجح العلاقة أو تفشل كما يحدث في علاقات أخرى تبعا للتوافق والصدق والاحترام والظروف المحيطة بها.فالحب لا يثبت بمجرد الرغبة في الجسد كما أن طبيعة العمل وحدها لا تكفي للحكم على قدرة الإنسان على الحب.

والسؤال الأعمق ليس: هل يستطيع الرجل أن يحب هذه المرأة؟ وإنما: هل يستطيع أن يراها إنسانة كاملة لها تاريخها وحقوقها و أحلامها أم أنه يختزلها في الوظيفة التي تؤديها داخل حياته؟


المجتمع الذي يصنع الوصمة ثم يستهلك ما يدينه:


تتجاوز القضية العلاقة بين رجل وامرأة لتكشف مفارقة اجتماعية أوسع.فقد يشارك بعض أفراد المجتمع في طلب الخدمات الجنسية ثم يساهمون في الوقت نفسه في وصم النساء اللواتي يقدمونها وكأن المسؤولية تقع على طرف واحد بينما يظل الطرف الآخر محميا بامتيازات اجتماعية وثقافية.وفي هذه الحالة لا تكون الوصمة مجرد حكم أخلاقي وإنما تصبح وسيلة لتوزيع الأدوار: رجل يستطيع إخفاء ماضيه وامرأة قد يلاحقها ماضيها في كل تفاصيل حياتها.ومع ذلك فإن الحديث عن هذه المفارقة لا يقتضي تجاهل التعقيدات الأخلاقية والقانونية والصحية والاجتماعية المرتبطة بالغاء ولا الظروف التي قد تدفع بعض النساء إليه ومنها الفقر أو الإكراه أو الاستغلال أو الاتجار بالبشر.إن فهم الظاهرة يقتضي التمييز بين الاختيار والإكراه وبين العلاقة الرضائية والاستغلال وبين نقد السلوك وإهانة الإنسان. فكرامة الإنسان لا تتوقف على نظرة المجتمع إليه كما أن فهم الأسباب التي تقف وراء سلوك معين لا يعني الموافقة عليه.


 من يملك الحق في الحكم على الآخر؟:


يقول القرآن الكريم: «وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ» (الإسراء: 70). تضع هذه الآية الكرامة الإنسانية في مركز النظر إلى الإنسان وتدعونا إلى التمييز بين تقييم الأفعال وإلغاء قيمة أصحابها الإنسانية. فليس مطلوبا من الإنسان أن يتخلى عن قناعاته الأخلاقية ولا أن يقبل كل سلوك لمجرد وجوده في المجتمع وإنما أن يمارس النقد بوعي وعدل وألا يحول الاختلاف إلى ذريعة للإهانة أو الاستبانة. والرجل الذي يطالب المرأة بالعفة مطالب أيضا بأن يراجع علاقته هو بالمسؤولية والصدق والوفاء والمرأة التي يختلف معها المجتمع في خياراتها تظل إنسانة لها حقوقها وكرامتها ولا تصبح موضوعا مباحا للسخرية أو العنف أو التشهير. إن الأخلاق الحقيقية تبدأ حين يخضع الإنسان نفسه للمعايير التي يطالب الآخرين باحترامها.


الرغبة لا تكشف وحدها حقيقة الإنسان:


لماذا يحب بعض الرجال العاهرات؟

قد يكون الجواب أنهم ينجذبون إلى الجسد أو يبحثون عن متعة عابرة أو يرغبون في علاقة محددة الشروط أو يجدون في التجربة نوعا من المغامرة أو تنشأ بينهم وبين المرأة مشاعر تتجاوز طبيعة العلاقة التي جمعتهم في البداية.لكن السؤال بصيغته هذه يحمل افتراضا يحتاج إلى المراجعة: هل كل امرأة يمارس معها الرجل الجنس خارج الزواج تستحق هذا الوصف؟ وهل يكفي أن يمارس الرجل علاقة مع امرأة حتى نعرف طبيعة مشاعره تجاهها؟

إن الكلمات التي نستخدمها ليست بريئة دائما؛ فقد تصف واقعا وقد تختزل إنسانا في فعل واحد وقد تكشف عن أحكام المجتمع أكثر مما تكشف عن حقيقة الشخص الذي نصفه.ولعل السؤال الذي يستحق أن نطرحه في النهاية هو: لماذا يسمح بعض الرجال لأنفسهم بما يدينون به النساء ولماذا يقيسون كرامة المرأة بمعيار لا يطبقونه على أنفسهم؟

هنا ننتقل من الحديث عن الجنس إلى الحديث عن العدالة ومن الرغبة إلى المسؤولية ومن الحكم على المرأة إلى مساءلة الثقافة التي تصنع الأحكام وتوزعها بصورة غير متكافئة، فالإنسان لا يعرف بحجم رغباته وحده وإنما بقدرته على فهمها وتحمل مسؤولية اختياراته واحترام كرامة الآخرين.إن الرغبة قد تفسر انجذاب الإنسان لكنها لا تمنحه الحق في استغلال الآخر كما أن الاختلاف في السلوك لا يسلب أحدا كرامته الإنسانية.