هناك سؤال لا يُطرح في العلن، لكنه يحكم كل ما يجري في العلن: من المستفيد من إقناع المغربي بأن دولته عدو له، وأن مجتمعه ضحية لدولته؟
إن أخطر ما قد يصيب دولة ليس أن يهاجمها عدو خارجي، بل أن يقتنع أبناؤها بأن دولتهم ليست دولتهم، وأن مجتمعهم شيء ودولتهم شيء آخر، وأنه عليهم أن يختاروا، إما أن يكونوا مع الدولة أو مع المجتمع. وهذا بالضبط ما يشتغل عليه تيار خفي وعلني، منظم وفوضوي في آن واحد، منذ سنوات.
وهذا التيار ليس حزبا واحدا ولا إيديولوجية واحدة، بل هو تحالف موضوعي بين أربعة فاعلين يلتقون عند غاية واحدة، هي الفصل بين الدولة والمجتمع، وإن اختلفت نواياهم وخطاباتهم.
الفاعل الأول: تاجر اليأس السياسي
هو السياسي الذي فشل في أن يقنع الناس ببرنامجه، فقرر أن يقنعهم بأن الدولة كلها فاشلة. لا يقول لك: صوتوا لي لأنني أفضل، بل يقول لك: لا تصوتوا لأحد لأن الجميع فاسد، والدولة فاسدة، والانتخابات مسرحية. هدفه ليس أن يفوز هو، بل أن تخسر أنت ثقتك في اللعبة كلها.
هذا التاجر يقتات على كل أزمة. حين ترتفع الطماطم يقول لك: أرأيتم الدولة لا تحميكم، وحين تنخفض الطماطم يصمت. حين يبنى مستشفى يقول لك: مستشفى بلا أطباء، وحين يأتي الأطباء يقول لك: أطباء بلا ضمير. مهمته أن يبقيك في حالة سخط دائم، لا لكي تغير، بل لكي تيأس. لأن اليائس لا يحاسب الدولة، بل ينسحب من المجتمع، وحين ينسحب المجتمع، تبقى الدولة وحيدة، وهذا ما يريده.
الفاعل الثاني: سمسار المظلومية الرقمية
وهو الأخطر في زمننا، لأنه لا يملك حزبا ولا صحيفة، بل يملك هاتفا وكاميرا وصفحة. مهمته أن يحول كل مشكل فردي إلى دليل على أن الدولة ضد المجتمع.
شاب يتعرض لتعسف من قائد؟ لا يقول لك: هذا قائد فاسد يجب محاسبته، بل يقول لك: هذه هي الدولة. طبيب يخطئ في مستشفى؟ لا يقول لك: هذا طبيب يجب محاسبته، بل يقول لك: هذه هي الدولة التي تقتلكم. شرطي يعتدي؟ هذه هي الدولة.
هذا السمسار لا يريد إصلاح الدولة بالمجتمع، بل يريد إقناع المجتمع بأن الدولة كيان غريب هبط من كوكب آخر ليستعمره. وهو بذلك يفصل بين جسدين هما في الأصل جسد واحد، لأن الدولة المغربية في عمقها ليست إدارة فوق المجتمع، بل هي نتاج المجتمع نفسه. فقضاتها وأساتذتها وولاتها وضباطها ووزراؤها ليسوا مستوردين من الخارج، بل هم أبناء هذا الوطن، تخرجوا من نفس مدارسه، وشربوا من نفس مائه.
الفاعل الثالث: المتطرف الذي يكفر بالدولة ليحتكر المجتمع
سواء كان تطرفا دينيا يرى الدولة كافرة لأنه يريد أن يحتكر الدين، أو تطرفا يساريا عدميا يرى الدولة عميلة لأنه يريد أن يحتكر النضال. هذا المتطرف لا يهاجم سياسة الدولة، بل يهاجم شرعية الدولة نفسها.
المتطرف الديني يقول لك: الدولة لا تحكم بما أنزل الله، إذن يجب على المجتمع أن ينفصل عنها لينجو. والمتطرف العدمي يقول لك: الدولة مخزنية، إذن يجب على المجتمع أن يسقطها لينجو. الاثنان يلتقيان في نفس النتيجة، عزل المجتمع عن دولته، وإقناع الشاب بأن انتماءه لمجتمعه يفرض عليه كراهية دولته. وهذا هو الفخ الأخطر، لأنه يحول المطالبة المشروعة داخل الدولة إلى مواجهة ضد الدولة. فبدل أن تقول: أريد مستشفى أفضل في دولتي، تصبح تقول: أريد مجتمعا دون هذه الدولة.
الفاعل الرابع: الانتهازي داخل الدولة نفسه
نعم، هناك من داخل الدولة من يفصل بين الدولة والمجتمع، وهو الموظف الفاسد والقائد المتسلط والمنتخب المرتشي والمسؤول الذي يتعامل مع المواطن كرعية لا كمواطن. هذا المسؤول هو أكبر حليف لمن يريد الفصل، لأنه يقدم لهم كل يوم دليلا مجانيا على دعواهم.
حين يذهب مواطن إلى إدارة لقضاء حق من حقوقه، فيجد موظفا يبتزه، فإنه لا يخرج وهو يقول: هذا موظف فاسد، بل يخرج وهو يقول: هذه دولة فاسدة. وحين يطلب شاب بسيط رخصة لفتح محل، فيجد أمامه عشرين مكتبا وعشرين توقيعا، فإنه لا يكره الموظف، بل يكره الدولة التي وضعت الموظف. هذا الانتهازي الداخلي هو الذي يصنع بيديه ما يعجز عنه أعداء الدولة بكل خطاباتهم.
من هم الوزراء؟ من هم الولاة؟ من هم العمال والمديرون ورؤساء الجماعات؟ هل استوردناهم؟ هل هبطوا علينا من السماء؟ كلا. إنهم أبناء هذا الوطن، أبناء هذا التراب، تخرجوا من مدارسنا العمومية، من جامعات فاس ومراكش والرباط ووجدة، أبناء فلاحين ومعلمين وجنود وبسطاء.
يخطئون؟ نعم، يخطئون. يقصرون؟ نعم، يقصرون كثيرا أحيانا. يجب محاسبتهم؟ نعم، يجب محاسبتهم بقوة القانون وبلا رحمة إذا فسدوا. لكن شيطنة كل شيء؟ لا. وألف لا.
شيطنة كل شيء هي خيانة للحقيقة، وهي خدمة مجانية لأعداء هذا الوطن. حين نحول كل خطأ إداري إلى خيانة عظمى، وكل تأخر في مشروع إلى مؤامرة، وكل وزير إلى شيطان، فإننا لا نحارب الفساد، بل نحارب إمكانية الإصلاح نفسه. لأن الإصلاح يحتاج إلى ثقة، والشيطنة تقتل الثقة.
الدولة ليست ملائكة، والمجتمع ليس ملائكة. الدولة تخطئ لأن من يسيرها بشر، والمجتمع يخطئ لأن من يكونه بشر. الفرق بين الدولة القوية والدولة الفاشلة ليس أن الأولى لا تخطئ، بل أن الأولى تعترف بخطئها وتصححه، والثانية تقدس خطأها.
لذلك نقولها بوضوح، نقد المسؤول واجب وطني، ومحاسبته فريضة دستورية، لكن تحويل النقد إلى حفلة شيطنة جماعية لكل شيء مغربي هو انتحار سياسي. من يحرق صورة وزير اليوم لأنه أخطأ، سيحرق صورة الوطن غدا لأنه لم يفهم أن الوزير يذهب ويأتي، لكن الوطن يبقى.
إننا لا ندافع عن الأشخاص، فالأشخاص زائلون، وإننا ندافع عن الفكرة، فكرة أن هذا الوطن قادر بأبنائه، بأخطائهم وصوابهم، أن يبني دولته. فإن أخطأ ابننا، قومّناه، وإن فسد، حاسبناه، وإن أصاب، شجعناه. لكننا لا نذبحه على قارعة فيسبوك لنرضي حقدا دفينا فينا.
لماذا هذا الفصل هو المشروع الأخطر على مغرب إلى أين؟
لأن المغرب طوال تاريخه لم يكن قويا إلا حين كانت الدولة والمجتمع جسدا واحدا. حين كانت القبيلة هي الجيش، والزاوية هي المدرسة، والسلطان هو رمز المجتمع لا فوقه. وحين انفصلت الدولة عن المجتمع في فترات الضعف، جاء الاستعمار.
المغرب اليوم يواجه تحديات وجودية، الماء، التشغيل، السيادة الغذائية، كأس العالم 2030، الحرب الباردة الجديدة في الصحراء. هذه التحديات لا يمكن أن تواجهها دولة بلا مجتمع، ولا مجتمع بلا دولة. لا يمكن أن نبني محطة تحلية بلا مهندسين يحبون دولتهم، ولا يمكن أن نحارب المضاربة بلا تجار يحترمون مجتمعهم، ولا يمكن أن ننظم كأس عالم بلا متطوعين يشعرون أن هذه دولتهم.
القوة الحقيقية ليست في أن تكون الدولة قوية والمجتمع ضعيف فيطيعها خوفا، ولا أن يكون المجتمع قويا والدولة ضعيفة فيتجاوزها فوضى. القوة الحقيقية هي في أن يكون المجتمع قويا بدولته، والدولة قوية بمجتمعها.
ما العمل؟
الجواب ليس خطابا، بل ممارسة. أن نعيد ربط ما حاول هؤلاء فصله، بثلاثة أفعال يومية بسيطة وعميقة.
أولا، أن نحاسب الانتهازي داخل الدولة علنا وبسرعة، لأن كل فاسد صغير يحاسب، هو جسر يعاد بناؤه بين الدولة والمجتمع، ورسالة بأن الدولة لا تحمي الفاسدين بل تحمي المجتمع منهم.
ثانيا، أن نفتح للدولة أبواب المجتمع، لا أن نغلقها. جامعة تفتح أبوابها لساكنة الحي، إدارة تفتح بابها للمواطن بلا موعد، برلمان يفتح لجانه للشباب. هذه هي الجسور التي تقتل سمسار المظلومية.
ثالثا، أن نعلم أبناءنا أن نقد الدولة ليس خيانة، بل هو أعلى أشكال الوطنية، وأن حب المجتمع ليس عداء للدولة، بل هو أساس الدولة. فالمغربي الذي ينتقد قائده لأنه يحب دولته، أقرب إلى الدولة ممن يصفق للقائد لأنه يخاف منه.
في الختام، من يحاول أن يفصل بين الدولة والمجتمع، لا يريد إسقاط الدولة، بل يريد إسقاط فكرة أن المغاربة قادرون على أن يحكموا أنفسهم بأنفسهم. وجوابنا عليه يجب أن يكون بسيطا وواضحا وصارما:
نحن لسنا دولة ولها مجتمع، نحن مجتمع له دولة. والدولة القوية هي التي تعرف أنها ليست فوق المجتمع، بل هي في خدمته، والمجتمع القوي هو الذي يعرف أنه ليس ضد الدولة، بل هو الدولة نفسها. ومن يزرع الشيطنة في كل شيء، لن يحصد إلا الخراب، ومن يزرع النقد البناء، سيحصد وطنا قويا بأبنائه، لا رغم أبنائه.






