ويحتل مفهوم النجاعة مكانة راسخة في المنظومة القانونية المغربية، دستوريا وتشريعيا. فقد نص دستور 2011 على إخضاع المرافق العمومية لمعايير الجودة والشفافية والمحاسبة والمسؤولية (1). ثم جاء القانون التنظيمي لقانون المالية ليُحدث تحولا في فلسفة التدبير الميزانياتي، حين انتقل به من منطق الوسائل إلى منطق النتائج. فقد ألزم القطاعات الحكومية بإعداد مشاريع لنجاعة الأداء تحدد الأهداف ومؤشرات قياسها، وبتقديم تقارير سنوية عن مدى تحققها(2). غير أن هذا التحول ظل في الغالب حبيس الإدارات المركزية، ولم يبلغ بعد الجماعات الترابية، ولا سيما كلفة التمثيل الترابي، التي ما تزال تُصرف خارج أي منطق لقياس الأداء.
النجاعة في صلب المرحلة الجديدة
وإذا كان هذا التحول قد ظل حتى الآن محصورا في المستوى المركزي، فإن المرحلة الجديدة التي تمر بها البلاد تفرض توسيعه ليشمل المستويين الجهوي والمحلي. فقد حدد الخطاب الملكي لافتتاح الولاية التشريعية الثانية عشرة أفقا يقوم على التوازن بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والمجالية، ودعا إلى جيل جديد من الاستراتيجيات في الأمن المائي والطاقي والغذائي، وإلى وضع قضايا الشباب في صدارة السياسات العمومية. وجعل العمل الميداني الترابي رهان المرحلة، مع نقل الصلاحيات والموارد البشرية والمالية من المركز إلى الجهات والأقاليم(3). الأمر الذي يعني أن الجماعات الترابية ستتصرف في موارد أكبر لتنفيذ خطط التدخلات المبرمجة، وعلى هذا الأساس فإن قضية نجاعة الإنفاق ستزداد إلحاحا.
وقد جاءت الهندسة الحكومية الجديدة لتترجم هذا التوجه مؤسساتيا، إذ أُدرجت "النجاعة العمومية" في اسم وزارة الاقتصاد والمالية، مع إلغاء الوزارة المنتدبة المكلفة بالميزانية(4). وبذلك لم تعد النجاعة مبدأ تدبيريا تقنيا فحسب، بل صارت عنوانا سياسيا للمرحلة.
إن هذا التحول يؤشر على أننا أمام معادلة دقيقة تتميز بأولويات كبيرة، وموارد محدودة، وجماعات ترابية مطالبة بمسؤوليات أوسع. وفي هذه المعادلة، يصبح كل إنفاق لا يخدم الأولويات كلفة فرصة ضائعة، وكل امتياز غير مبرر رسالة سلبية تضعف الثقة في المؤسسات.
تعويضات المنتخبين في ميزان النجاعة
في هذا الأفق، يكتسي النقاش حول تعويضات المنتخبين، مع اقتراب الاستحقاقات الجماعية المقبلة، دلالة جديدة. فهو يبدو أخلاقيا في ظاهره، لكنه يطرح في جوهره سؤالا أساسيا حول ترشيد النفقات العمومية وتدعيم نجاعتها: كيف نضمن أن يُوجَّه كل درهم من المال العام نحو الأولويات السوسيو-اقتصادية للتنمية، بدل أن يُستهلك في كلفة تمثيل لا يُقاس مردودها، ويحددها نظام لا يملك فيه المواطن أي رأي؟
والجواب عن هذا السؤال يبدأ من الإطار القانوني. فهذه التعويضات المخولة للمنتخبين تستمد سندها من القوانين التنظيمية الثلاثة للجماعات الترابية، أي القانون التنظيمي 111.14 المتعلق بالجهات، و112.14 المتعلق بالعمالات والأقاليم، و113.14 المتعلق بالجماعات(5). وقد أحالت هذه القوانين تحديد مقادير التعويضات على ثلاثة مراسيم صدرت في يوم واحد، 6 أكتوبر 2016، باقتراح من وزير الداخلية، وعوضت نظام سنة 2005 بأثر رجعي ابتداء من تاريخ انتخاب أعضاء المكاتب(6). فالمرسوم 2.16.495 يمنح رئيس مجلس الجهة 40 ألف درهم شهريا عن التمثيل، يضاف إليها 15 ألف درهم عن السكن إذا لم يُخصص له سكن وظيفي، ويمنح كل نائب من نوابه 15 ألف درهم، وهي مبالغ موحدة لكل الجهات بغض النظر عن حجمها أو مواردها. ويربط المرسوم 2.16.493 تعويضات رؤساء الجماعات بعدد السكان، فتتراوح بين 2800 درهم و30 ألف درهم في الجماعات ذات نظام المقاطعات. ويعتمد المرسوم 2.16.494 المعيار نفسه، فيتراوح تعويض رئيس مجلس العمالة أو الإقليم بين 12 ألف درهم و20 ألف درهم(7). وتُضاف إلى ذلك تعويضات يومية عن التنقل، تبلغ لرئيس الجهة 350 درهما داخل المغرب و2500 درهم خارجه(8). وتُرصد اعتمادات هذه التعويضات كلها في ميزانيات الجماعات الترابية لا في الميزانية العامة للدولة.
ويقر المرسوم 2.16.495 مبدأ عدم الجمع بين التعويضات، إذ لا يستفيد عضو مجلس الجهة المنتخب في جماعة ترابية أخرى أو في غرفة مهنية إلا من تعويضات هيئة واحدة يختارها، باستثناء تعويضات التنقل. كما يخفض تعويض رئيس الجهة إلى النصف إذا كان يتقاضى أجرا من ميزانية عمومية(9). غير أن هذا المنع لا يشمل التعويض البرلماني، وقاعدة التخفيض إلى النصف لا تسري إلا على رئيس الجهة وحده.
أما الكلفة الإجمالية لهذا الإنفاق، فلم نعثر بشأنها على أي رقم رسمي منشور، لا لدى الخزينة العامة للمملكة ولا في تقارير المجلس الأعلى للحسابات. والتقدير الوحيد المتاح مصدره مقال رأي للصحافي عبد الرحيم أريري، نشره موقع "أنفاس بريس" يوم 18 أكتوبر 2026. ويقدّر فيه كلفة رؤساء ونواب مجالس الجماعات بـ 934,3 مليون درهم، ومجالس العمالات والأقاليم بـ 292 مليون درهم، ومجالس الجهات بـ 181,3 مليون درهم خلال الولاية الجماعية، أي ما مجموعه 1,41 مليار درهم، أو حوالي 235 مليون درهم سنويا(10). وهو تقدير غير رسمي، ويمثل حدا أدنى لأنه لا يشمل التنقلات والامتيازات العينية. وإذا قارنا هذه الكلفة، بحساب تقريبي، ببرنامج تأهيل 1600 مركز للرعاية الصحية الأولية، الذي أعلنته الحكومة المنتهية ولايتها بكلفة تقارب 6,9 مليار درهم على ثلاث سنوات، فإن ما يُصرف سنويا على التعويضات يعادل تأهيل حوالي 54 مركزا صحيا، وما يُصرف خلال الولاية يعادل حوالي 326 مركزا، أي قرابة خُمس البرنامج الوطني(11).
ويزداد الإشكال حدة حين نضع هذه التعويضات في مقابل ضعف تنفيذ الاستثمار الترابي. فعند متم يونيو 2026، سجلت الجماعات الترابية فائضا قدره 8,25 مليار درهم، وبلغت فوائضها المتراكمة 71 مليار درهم(12). مما يعني أن المنتخب يتقاضى تعويضه كاملا وبانتظام، بينما ينتظر المواطن الطريق والماء والمدارس والمرافق الصحية.
التجربة الكينية او حين يُنتزع القرار من يد المستفيد
بدون الدخول في تفاصيل هذه التعويضات، يمكن القول إن أصل المشكلة ليس في المبالغ وحدها، بل في من يحددها وكيف. فالتعويضات تُحدد بمراسيم تنظيمية دون أي آلية مستقلة للتقييم، ودون إشراك المواطن. وفي هذا الصدد، تقدم تجربة كينيا نموذجا جديرا بالدراسة، فهي دولة ذات دخل متوسط تعيش تجربة لامركزية حديثة كالمغرب، وقد واجهت السؤال نفسه: كيف يمكن ضبط كلفة التمثيل دون المساس بحق الجميع في الترشح؟
وقد جاء جوابها مؤسساتيا قبل أن يكون أخلاقيا. فقد أحدث الدستور الكيني لسنة 2010، في مادته 230، لجنة دستورية مستقلة للأجور والتعويضات، تختص بتحديد ومراجعة أجور وامتيازات كل المسؤولين العموميين، بمن فيهم المنتخبون في المقاطعات، وتقدم المشورة للحكومة الوطنية وحكومات المقاطعات بشأن باقي الموظفين العموميين(13). ولم تبق هذه الاستقلالية شكلية، إذ يمنع القانون أن يكون عضو اللجنة برلمانيا أو عضوا في مجلس مقاطعة، ويُعيَّن أعضاؤها لولاية واحدة غير قابلة للتجديد مدتها ست سنوات(14). وتشتغل اللجنة بمنطق تشاركي، ولا تعتمد سلالم التعويضات إلا بعد عرضها على الأطراف المعنية وعلى العموم لتلقي الملاحظات(15). كما تنتهج ترشيدا منهجيا على مراحل لمراجعة التعويضات الجانبية، كتعويضات الجلسات والتنقل والمهام، بهدف تحقيق الإنصاف والشفافية والتحكم في كتلة الأجور(16). ويحظى هذا النموذج بحماية قضائية فعلية. فحين أقر مجلس مقاطعة كاكاميغا مثلا قانونا يمنح معاشات لحاكم المقاطعة ونائبه ورئيس المجلس وأعضائه، ألغته المحكمة العليا في شتنبر 2025، وقضت بأن تحديد هذه التعويضات اختصاص حصري للجنة، وبأن المجلس خالف أيضا مبدأ إشراك المواطنين(17). وتقدم هذه التجربة درسا واضحا باعتماد ترشيد التعويضات وتحقيقه عبر هندسة مؤسساتية تفصل بين من يستفيد ومن يقرر.
نحو نموذج مغربي للترشيد
انطلاقا من التجربة الكينية، ومن آليات مكملة معتمدة في دول أخرى، يمكن اقتراح ما يلي:
إحداث هيئة وطنية مستقلة للتعويضات العمومية على غرار النموذج الكيني، لا يُعيَّن فيها منتخبون، وتقترح سلالم التعويضات بعد استشارة عمومية، وتراجعها مع كل ولاية.
تخفيض سلّم التعويضات وربطه بالقدرة المالية للجماعة، بحيث يُبنى السلّم على الموارد الذاتية للجماعة لا على عدد سكانها فقط، كما هو معمول به في جنوب إفريقيا حيث تُصنف البلديات جزئيا حسب مداخيلها(18).
تعويض واحد عن انتدابات متعددة، يشمل التعويض البرلماني والمؤسسات العمومية، مع سقف إجمالي يُقتطع ما يتجاوزه ويُعاد إلى الميزانية، كما هو الحال في فرنسا(19).
تعميم قاعدة التخفيض إلى النصف على كل منتخب يتقاضى أجرا عموميا.
ربط جزء متغير من التعويض بحضور الدورات وبنسبة استهلاك اعتمادات الاستثمار، حتى لا يتقاضى المنتخب تعويضه كاملا بينما تبقى المشاريع معطلة.
نشر سنوي إلزامي لكل ما يتقاضاه المنتخب نقدا وعينا، وإخضاع النفقات العينية لرقابة المحاكم المالية.
خاتمة
إن الترشيد ليس تقشفا، والنجاعة ليست شعارا يُضاف إلى اسم وزارة، بل هما منهج يربط كل درهم بأولوية وكل منصب بنتيجة. والإشكال في تعويضات المنتخبين لا يكمن في حجمها، بل في منطقها. فهي تُحدَّد بمعيار السكان والصفة وحدهما، وتُصرف كاملة بينما تتراكم الفوائض غير المستثمرة، ويتعايش فيها مبدأ عدم الجمع مع استثناءات واسعة. والتجربة الكينية تبين أن الدول ذات الموارد المحدودة لا تملك ترف ترك التعويضات لتقدير المستفيدين منها، وأن الحل يكمن في هندسة مؤسساتية تفصل بين من يستفيد ومن يقرر. وإذا كانت المرحلة الحالية في بلادنا تطالب الدولة بالإنجاز، فإن أول اختبار لمصداقية هذا التوجه هو أن تبدأ النجاعة من كلفة التمثيل نفسها. فالثقة في المؤسسات لا تُستعاد بالوعود، بل بأن يرى المواطن أن من يطالبه بالترشيد يبدأ بنفسه.
عبد الإلاه القصير، مختص في تقييم التدخلات الاجتماعية وتقنيات الترافع
الإحالات
1. دستور المملكة المغربية لسنة 2011، الفصل 154.
2. القانون التنظيمي رقم 130.13 لقانون المالية، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.15.62 بتاريخ 2 يونيو 2015.
3. الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية الثانية عشرة، الرباط، 9 أكتوبر 2026.
4. بلاغ الديوان الملكي بتعيين أعضاء الحكومة، أكتوبر 2026؛ موقع Le12.ma 17 أكتوبر 2026.
5. القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.15.83 بتاريخ 7 يوليوز 2015؛ القانون التنظيمي رقم 112.14 المتعلق بالعمالات والأقاليم؛ القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات.
6. المراسيم رقم 2.16.493 و2.16.494 و2.16.495 الصادرة في 4 محرم 1438 (6 أكتوبر 2016)؛ منشورة بالجريدة الرسمية عدد 6511 (24 أكتوبر 2016).
7. المرسوم رقم 2.16.494 والجدول الملحق به؛ موقع Le Brief، مقال حول تعويضات البرلمانيين والمنتخبين المحليين والجهويين.
8. المرسوم رقم 2.16.495، المادة 3.
9. المرسوم رقم 2.16.495، المادتان 1 و2، تطبيقا للفقرة الرابعة من المادة 55 من القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات.
10. عبد الرحيم أريري، مقال رأي، موقع سياسي، ركن آراء وقضايا، 18 أكتوبر 2026: www.siyassi.com/avis/353437. التقدير السنوي من حساب كاتب هذا المقال (1.407.573.600 درهم ÷ 6 سنوات).
11. عرض وزيرة الاقتصاد والمالية أمام البرلمان حول مشروع قانون المالية 2026 (تأهيل 1600 مركز للرعاية الصحية الأولية على ثلاث سنوات بكلفة 6,9 مليار درهم)، كما نقله موقع العمق المغربي: al3omk.com/?p=1109789. الحسابات من كاتب هذا المقال: 6,9 مليار ÷ 1600 = حوالي 4,31 مليون درهم للمركز؛ 234,6 مليون ÷ 4,31 مليون = حوالي 54 مركزا سنويا؛ 1,41 مليار ÷ 4,31 مليون = حوالي 326 مركزا خلال الولاية.
12. الخزينة العامة للمملكة، النشرة الشهرية لإحصائيات المالية المحلية، يونيو 2026.
13. Constitution of Kenya, 2010, Article 230.
14. Salaries and Remuneration Commission Act, 2011 (Kenya).
15. Salaries and Remuneration Commission, "Proposed Remuneration and Benefits for State Officers for Public Participation", 14 December 2021.
16. Salaries and Remuneration Commission, Review of Allowances in the Public Service, KIPPRA Repository.
17. High Court of Kenya, Salaries and Remuneration Commission v County Assembly of Kakamega, Constitutional Petition 1 of 2023, [2025] KEHC 13534, 18 September 2025.
18. Remuneration of Public Office Bearers Act, 1998 (South Africa); Government Gazette No. 35962, 7 December 2012.
19. Code général des collectivités territoriales, art. L.2123-20.






