من بين الإجراءات المعلنة، رفع الحد الأدنى للمعاش إلى 1700 درهم شهرياً ابتداءً من يناير 2027، بعدما كانت بعض المعاشات في حدود 1000 درهم، مع التطلع إلى بلوغ 3000 درهم في نهاية الولاية الحكومية، بحسب الإمكانات المالية المتاحة. كما أُعلن عن رفع نسبة معاش الأرملة من 50% إلى 100% ابتداءً من يناير 2027، لفائدة حوالي 431 ألف أرملة. وقد قُدّرت الكلفة الإجمالية للإجرائين بنحو 10 مليارات درهم.
غير أن الإعلان عن كلفة إجمالية لا يكفي وحده. فالمعاشات ليست متساوية، وقيمة معاش الأرملة ترتبط بمعاش الزوج المتوفى وبنظام التقاعد المعني. لذلك، فإن رفع النسبة من 50% إلى 100% لا يعني أن جميع المستفيدات سيحصلن على المبلغ نفسه، كما أن عدد المستفيدات وحده لا يكشف الكلفة الحقيقية للإجراء. كم ستستفيد كل فئة؟ وكم خُصص لهذا الإجراء تحديداً من أصل 10 مليارات درهم؟ وهل احتُسبت الكلفة على أساس المبالغ التي ستُصرف فعلياً، مع مراعاة تفاوت المعاشات؟ ثم كيف عولج احتمال تقاطع المستفيدين من رفع الحد الأدنى للمعاش مع المستفيدات من رفع معاش الأرملة؟
فجمع الإجرائين في رقم واحد لا يسمح بتقييم كلفة كل منهما على حدة، ولا باختبار دقة التقديرات المعلنة. وحين تُعرض المليارات مجتمعة، بينما تظل طريقة احتسابها وتوزيعها غير واضحة، يصبح الحساب نفسه موضوعاً للمساءلة.
أما الدعم الاجتماعي المباشر، فيخضع لشروط أهلية مختلفة، من بينها ألا يتجاوز المؤشر الاجتماعي والاقتصادي 9.743001. ويبلغ الحد الأدنى للدعم حالياً 500 درهم شهرياً، فيما أعلنت الحكومة رفعه إلى 600 درهم ابتداءً من يناير 2027، في أفق الوصول تدريجياً إلى 1000 درهم. وهي التزامات معلنة، وليست كلها زيادات دخلت حيز التنفيذ.
و500 درهم لم تكن منحة سخية، بل مساعدة محدودة لأسرة يُفترض أنها في وضع هش. لذلك، ينبغي تقييم هذه الإجراءات بحسب أثرها الفعلي على القدرة الشرائية للأسر، وعدد المستفيدين منها، ومدى استجابتها لحاجياتهم.
والأكثر إثارة للاستغراب أن الدولة التي وضعت معادلة لقياس فقر الأسر، تعود اليوم لتراجع حساباتها بعدما تبيّن أن بعض النفقات قد تُبعد أسرًا عن الدعم. بالأمس كان الهاتف رقماً في معادلة الاستحقاق، واليوم أصبح مثالاً على حدود تلك المعادلة. لكن إذا كانت الحسابات تحتاج إلى التصحيح، فمن يتحمل مسؤولية آثارها على الأسر التي أُقصيت؟
ففي دجنبر 2025، سبق لفوزي لقجع، حين كان الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، أن أقرّ بأن بعض المواطنين قد يُحرمون من الدعم بسبب مؤشرات مرتبطة بنفقات الأسرة، وأشار إلى الحاجة إلى مراجعة المعادلة. واليوم، خلال عرض مشروع قانون المالية لسنة 2027، أُعلن التوجه نحو اعتماد الدخل الفعلي للأسر بدل المؤشر الاجتماعي والاقتصادي الحالي.
تغيير المعايير قد يساعد على تحسين الاستهداف، لكنه يفتح ملف المرحلة السابقة: كم أسرة تضررت من تلك المعايير؟ ومن يتحمل مسؤولية وضعها واعتمادها؟ وهل ستُراجع الملفات التي أُقصيت، أم سيبدأ العمل بمعايير جديدة من دون تقييم واضح لنتائج المعايير القديمة؟ يبدو أن الإدارة احتاجت إلى مراجعة حساباتها كي تتذكر أن اقتناء هاتف لا يعني بالضرورة أن الأسرة خرجت من دائرة الفقر؛ فالفقير مطالب بإثبات حاجته، أما المعايير التي أقصته فتحتاج بدورها إلى من يفحص نتائجها ويحدد المسؤوليات.
وهذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تُطرح تحت قبة البرلمان: من وضع هذه المعايير؟ ومن صادق عليها؟ وكم أسرة تضررت منها؟ وهل ستُراجع الملفات التي أُقصيت، أم سيُكتفى بتغيير المعادلة من دون مساءلة عن نتائجها؟
ولا يقتصر مطلب الشفافية على المعاشات والدعم الاجتماعي؛ فهو يشمل أيضاً الإعفاء من الضريبة على الدخل بالنسبة إلى الأجور الصافية التي تقل عن 10 آلاف درهم شهرياً، الذي أُعلن عنه ضمن مشروع قانون المالية لسنة 2027، بكلفة تقديرية تبلغ 5.5 مليارات درهم خلال السنة نفسها. وهذا إجراء مقترح في إطار المشروع، وليس مقتضى دخل حيز التنفيذ بعد.
ومن حق المواطنين أن يعرفوا كيف احتُسبت هذه الكلفة، وكم أجيراً سيستفيد فعلياً، وكيف سيتوزع أثر الإعفاء بحسب مستويات الأجور، وما مقدار التحسن المنتظر في الدخل الصافي. فالمبلغ الإجمالي لا يكشف وحده من سيستفيد، ولا يسمح بتقييم دقة التقديرات أو أثر الإجراء على موارد الدولة.
تتعدد الإجراءات وتختلف الفئات المستفيدة، لكن المبدأ واحد: لا يكفي الإعلان عن مبالغ كبيرة أو جمع الكلفة في أرقام إجمالية من دون الكشف عن طريقة احتسابها وتوزيعها وعدد المستفيدين منها. فالأموال المعنية أموال عمومية، والشفافية في تدبيرها حق للمواطن، وليست امتيازاً تمنحه الحكومة متى شاءت.
أما في السياسة المالية، فتبدو الحكومة أكثر سخاءً في إعلان الوعود منها في كشف تفاصيل الحساب. الأرقام تُعلن بالمليارات، والكلفة تُجمع في المجمل، لكن حين يتعلق الأمر بفحص الحساب، يُترك للمغاربة أن يكتفوا بالثقة، وأن يؤدوا الفاتورة من دون الاطلاع على تفاصيلها.






