فن وإعلام

كلمات إنسانٍ يحاول أن يمسك بما تبقّى من حياته وذاكرته...

عبد الرحيم صايل (شاعر)

عبد الرحيم الصايل، مدرّسٌ وشاعرٌ يتألم ويمرّ بوقتٍ عصيب.

إذا كان لديكم ما تقولونه، فاكتبوا له. سيقرأ حتمًا، وربما يجد في كلماتكم ما يخفّف عنه وطأة يومٍ ثقيل، أو يجعله يشعر بأنّه ليس وحيدًا في عتمته:


«أعود إلى البيت. 

ثمّة دواء عليّ تناوله. 

أقرّر ألّا أتناوله، لأنني أشكّ في أنّه يزيد من الألم.


في البيت، لا أعرف ما عليّ فعله. كلّ شيء مبعثر ومتّسخ. لم أعد قادرًا على فعل شيء. 

أنظر إلى كتبي، معظمها غير مقروء. الثياب صامتة، والعطور حزينة. صوري تختنق في حقيبةٍ صغيرة، ليس لديّ ألبوم، ولا أعرف لماذا لم أشترِ يومًا ألبومًا للصور.


حين أفلس أبي، وتوقّفت رحى معصرة الزيتون عن الدوران، لم يعد الضيوف يأتون.


بيتنا القديم الآن بناية ضخمة، تتكلّم جدرانها مع نوافذها المغلقة.»


«غادرت البيت. 

خرجت من جديد إلى النهار. أدخن وأشبه قطارًا بخاريًا قديمًا ينقل بضاعة الألم من مكانٍ إلى مكانٍ آخر. 

عقلي هو عدوي الأول. لا أعرف كيف أطوّعه لصالحي.»


«ما زلت في العتمة الرهيبة. أنتظر، ولا أعرف ماذا أنتظر.

بكيت ليلة البارحة، كان الألم فظيعًا، لا يُحتمل. 

أنا في البيت الآن، وألجأ بين الفينة والأخرى إلى المرآة المعلّقة في الحمّام، أتأمّل جسدي. 

أدخّن وأدخّن. 

أحاول أن أخدع عقلي، فأخبره أنّني بخير.

الجمعة فارغة. وأنا أيضًا فارغ.»


«أتذكّر طفولتي القديمة الحزينة. أتذكّر أنّني كنت التلميذ النجيب الذي يعرف جواب المعلّم، لكنه لا يرفع إصبعه، خجلًا وخوفًا من أن يكون جوابه خاطئًا.

أتذكّر أمّي الطيّبة، وأتذكّر أبي رحمهما الله.

أدرك للمرّة الأولى أنّني يتيم. يتيمٌ إلى أقصى حدّ.»


«بعد قليل، سأعود إلى البيت. أخاف من البيت. أخشى العودة إليه.

البيت مرعب. الذهاب إليه مرعبٌ، والخروج منه مرعبٌ أيضًا. 

لا أعرف إلى متى سأظلّ أقاوم. لا أعرف كم بقي لديّ من القدرة على الصمود، ولا كيف سأواصل الاحتمال.

لا أعرف.»


«كلّ شيء يؤذيني، كلّ شيء يؤلمني. يؤلمني البيت والنافذة والباب. يؤلمني الدرج، وتؤلمني المفاتيح. 

المساء ميت. 

الليل يشحذ سكاكينه وينتظرني.»