بطل هذه الواقعة مواطن من مغاربة العالم، قدم إلى أرض الوطن لقضاء عطلة قصيرة ومحدودة المدة، واضعا ضمن أولوياته الحصول على شهادة إدارية لقضاء غرضه. لكنه لم يكن يتوقع أن يتحول طلبه إلى رحلة شاقة بين المكاتب والجماعات.
بعد انتظار ومماطلة، حصل أخيرا على الشهادة، ليكتشف أنها تتضمن خطأ إداريا. عاد إلى الإدارة طالبا تصحيحه، لكن طلبه قوبل بالرفض من طرف المسؤول المعني، رغم محاولاته المتكررة.
وأمام تعذر حل المشكل، توجه إلى رئيس الجماعة، حيث وجد المسؤول نفسه حاضرا في اجتماع معه. وبعد أن استمع الرئيس إلى المواطن وفهم قضيته، اتصل بأحد الموظفين الإداريين المعروفين بخبرتهم بمسالك الإدارة وتواصلهم مع مختلف الجهات، وطلب منه متابعة الملف والعمل على حل المشكل.
وبالفعل، تواصل الموظف مع المواطن، واستمع إلى تفاصيل قضيته، وتسلم منه الوثيقة، ثم انطلقا معا من مكتب إلى آخر، ومن جماعة إلى أخرى، مستثمرين خبرته ومعرفته بالجهات المعنية، إلى أن تم تصحيح الخطأ أخيرا.
انتهت المشكلة، لكن كم من الوقت والجهد استهلكت؟ وكم من لحظات العطلة القصيرة ضاعت في متابعة وثيقة كان يفترض أن تصحح وفق المساطر الإدارية العادية؟
نحن هنا أمام مواطن من مغاربة العالم، جاء إلى بلده لقضاء غرض إداري خلال أيام معدودة، فإذا به يجد نفسه مضطرا إلى استنزاف جزء من عطلته في التنقل والانتظار، بسبب خطأ لم يرتكبه، وتعذر تصحيحه بالطرق المعتادة.
فهل يعقل أن يحتاج تصحيح خطأ إداري إلى تدخل رئيس الجماعة، والاستعانة بموظف خبير بمسالك الإدارة، والتنقل بين المكاتب والجماعات، بينما وقت المواطن محدود وحقوقه واضحة؟
إننا نقدر تدخل رئيس الجماعة، ونثمن دور الموظف الإداري الذي سخر خبرته ومعرفته لتجاوز التعقيدات وحل الإشكال وتصحيح ما كان على المسؤول القيام به. لكن الحل لا ينبغي أن يظل رهينا بالتدخلات الاستثنائية، بل يجب أن يكون احترام القانون وتيسير مصالح المواطنين هو القاعدة.
وإذا كان هذا المواطن قد تمكن من الوصول إلى رئيس الجماعة، فماذا عن غيره ممن لا يستطيعون الوصول إلى المسؤولين؟ وماذا عن مواطنين من مغاربة العالم تنتهي عطلهم قبل أن تنتهي معاناتهم مع الإجراءات الإدارية؟
إن أبناء الوطن المقيمين بالخارج حين يعودون إلى بلدهم، فإنهم يستحقون أن يجدوا إدارة تساعدهم على قضاء مصالحهم في ظروف معقولة، لا أن يتحول وقت عطلتهم المحدود إلى سباق مع المكاتب والمواعيد.
المسؤولية الإدارية أمانة، والوظيفة العمومية تكليف لخدمة المواطن. والمواطن لا يطلب معروفا حين يطالب بحقه، والمسؤول لا يتفضل عليه حين يؤدي واجبه.
نروي هذه الواقعة لا للتشهير بأحد، بل لفتح نقاش مسؤول حول ضرورة تحسين الخدمات الإدارية، واحترام وقت المواطنين، وضمان ألا تتحول الأخطاء الإدارية إلى معاناة، وألا يصبح الوصول إلى المسؤول أو الاستعانة بمن يعرف خبايا الإدارة شرطا لقضاء المصالح.
والسؤال الذي نطرحه على الرأي العام: كيف يمكن أن نضمن إدارة تنصف المواطن وتحترم وقته، وخاصة أبناء مغاربة العالم الذين يعودون إلى وطنهم في عطل قصيرة، ولا يملكون ترف الانتظار والتنقل المتكرر؟
النقاش مفتوح، لأن إصلاح الإدارة يبدأ بالاعتراف بالمشكلات، وبترسيخ ثقافة المسؤولية، وبجعل خدمة المواطن واجبا يوميا لا يحتاج إلى تدخل استثنائي..






