سياسة واقتصاد

من حزب التغيير إلى سؤال التغيير.. المفارقة التاريخية للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية

عبد العزيز السطي
ليست أخطر الأزمات التي تصيب الأحزاب السياسية تلك التي تفقد فيها بعض المقاعد الانتخابية، أو تتراجع فيها قدرتها على استقطاب الناخبين، بل تلك التي تفقد فيها تدريجياً قدرتها على مساءلة ذاتها، وتجديد نخبها، وإنتاج أفكار جديدة، والتمييز بين مصلحة التنظيم واستمرار الأشخاص في مواقع القيادة. ففي هذه اللحظة، لا يعود الحزب مجرد تنظيم يواجه صعوبات ظرفية، بل يصبح أمام أزمة تتعلق بطبيعة وجوده السياسي، وبمدى قدرته على الوفاء للمرجعية الفكرية التي تأسس عليها.

ويقدم الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية حالة تستحق التحليل من هذا المنظور. فقد تشكل الحزب سنة 1975 في سياق سياسي وتاريخي ارتبط بالصراع من أجل الديمقراطية، وتوسيع المشاركة السياسية، والدفاع عن الحريات والعدالة الاجتماعية. 

وراكم، عبر عقود، رصيداً نضالياً وفكرياً ومؤسساتياً جعله أحد أبرز مكونات اليسار المغربي. كما شكلت تجربة التناوب التوافقي سنة 1998، بقيادة عبد الرحمن اليوسفي، محطة مهمة في انتقال المعارضة الاتحادية إلى المشاركة في تدبير الشأن الحكومي، وما رافق ذلك من أسئلة حول العلاقة بين المشروع الإصلاحي ومتطلبات الدولة وموازين القوى السياسية.

غير أن الأحزاب التاريخية لا تُقاس فقط بما أنجزته في الماضي، وإنما بقدرتها على تحويل ذلك الماضي إلى مشروع للمستقبل. فالتاريخ الذي لا ينتج فكراً جديداً يتحول إلى ذاكرة استهلاكية، والمرجعية الاشتراكية التي لا تنعكس في الممارسة التنظيمية تصبح خطاباً فاقداً لجزء من صدقيته، والديمقراطية التي يدافع عنها الحزب في المجال العام تفقد بعض قوتها الأخلاقية عندما لا تجد تعبيرها الواضح في آليات اتخاذ القرار داخله.

ومن هنا، تكتسب مسألة تعدد الولايات على رأس الاتحاد الاشتراكي، واستمرار إدريس لشكر في موقع الكاتب الأول منذ سنة 2012، أهمية تتجاوز النقاش حول شخصه أو مدة توليه المسؤولية. فقد أعادت إعادة انتخابه لولاية رابعة في المؤتمر الوطني الثاني عشر، المنعقد في أكتوبر 2025 وفق ما أوردته تقارير صحفية، فتح النقاش حول حدود التداول على القيادة، وعلاقة الإصلاح التنظيمي بتجديد المشروع السياسي، ولا سيما في ضوء التقارير التي تحدثت عن تعديل القواعد الداخلية المتعلقة بتحديد الولايات. وينبغي، عند تقييم هذه الوقائع، التمييز بين ما تسمح به القواعد التنظيمية وما تثيره الممارسة السياسية من أسئلة حول التنافس الداخلي وتوزيع السلطة. [1]

إن المشكلة، من منظور العلوم السياسية، ليست في أن يتولى شخص قيادة حزب لفترة طويلة فحسب؛ فتعدد الولايات ليس دليلاً آلياً على الاستبداد التنظيمي، كما أن تغيير القيادة لا يضمن تلقائياً نجاح الحزب.

وإنما تكمن المسألة في الشروط التي يتم في ظلها تجديد التفويض، ومدى وجود منافسة داخلية فعلية، وقدرة المؤسسات الحزبية على مراقبة القيادة، وإمكان تحويل الاختلاف إلى تنافس ديمقراطي على البرامج والتصورات.

وتزداد أهمية هذا السؤال عند مقارنته بتجارب الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية الأوروبية التي واجهت أزمات مشابهة في جوانب منها، سواء تعلق الأمر بتراجع قواعدها الاجتماعية، أو ضعف قدرتها على تجديد خطابها، أو الصراعات حول القيادة والهوية والتحالفات. فقد أظهرت التجربة الفرنسية، على سبيل المثال، أن التكيف التنظيمي والبرنامجي قد يظل محدوداً عندما لا يتحول الضغط الناتج عن الأزمات الانتخابية إلى مراجعة عميقة للهوية والبنية التنظيمية. كما أبرزت الأبحاث المقارنة أن تركيز القرار في قيادة قوية قد تكون له تكاليف مؤسساتية تظهر بوضوح عند انتقال القيادة أو مغادرة صاحبها. 

وعليه، فإن أزمة الاتحاد الاشتراكي لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها خلافاً بين مؤيدين ومعارضين للكاتب الأول، ولا باعتبارها مجرد مطالبة بتغيير الأشخاص، وإنما بوصفها اختباراً لمدى انسجام الممارسة التنظيمية مع الفكر الاشتراكي الديمقراطي، ولمدى قدرة الحزب على الانتقال من منطق المحافظة على المواقع إلى منطق إعادة بناء المشروع السياسي.

وفي السياق ذاته،إلى أي حد يعكس استمرار القيادة وتعدد الولايات داخل الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية أزمة أعمق في الديمقراطية الداخلية وتجديد النخب والهوية الاشتراكية، وكيف يمكن تفسير هذه الأزمة في ضوء نظريات التنظيم الحزبي وتجارب الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية الأوروبية التي واجهت اختلالات مشابهة في العلاقة بين القيادة والمؤسسات والقواعد الاجتماعية؟

ويتفرع عن هذه الإشكالية عدد من الأسئلة:

هل أصبحت استمرارية القيادة هدفاً تنظيمياً مستقلاً عن تجديد المشروع الاشتراكي؟

ما الحدود الفاصلة بين الاستمرارية المشروعة للقيادة وتركيز السلطة الذي يضعف التداول والمحاسبة؟

ماذا تكشف التجارب الأوروبية عن العلاقة بين تجديد القيادة وتجديد الفكر والبرنامج؟

كيف يمكن إعادة بناء الاتحاد الاشتراكي باعتباره حزباً ديمقراطياً اشتراكياً، لا مجرد تنظيم يسعى إلى المحافظة على حضوره المؤسساتي؟

المحور الأول: من الرأسمال النضالي إلى أزمة الوظيفة السياسية: حين يتحول التاريخ إلى غطاء للعجز عن التجدد

يتمتع الاتحاد الاشتراكي برصيد تاريخي لا يمكن اختزاله في حسابات انتخابية ظرفية. فقد ارتبط اسمه بمرحلة من الصراع السياسي والفكري حول الديمقراطية والحريات والعدالة الاجتماعية، وشارك في إنتاج نخب سياسية ونقابية وثقافية ساهمت في تشكيل الحياة العامة بالمغرب. 

غير أن الاعتراف بهذه المكانة لا ينبغي أن يتحول إلى حصانة من النقد، لأن القيمة التاريخية للحزب لا تمنحه حقاً دائماً في التمثيل، ولا تعفيه من إثبات جدواه في الحاضر.

وهنا تظهر إحدى المفارقات التي تواجه الأحزاب التاريخية: كلما تعاظم رصيدها الرمزي، ازدادت قدرتها على الاستناد إلى الماضي في تبرير استمرارها، لكن هذه القدرة قد تتحول إلى عائق عندما تصبح الذاكرة النضالية بديلاً عن التقييم الموضوعي للأداء. فالتاريخ الذي يفترض أن يكون مصدراً للثقة والتجدد يمكن أن يتحول إلى أداة لإغلاق النقاش، وكأن المشاركة في المعارك السياسية السابقة تمنح أصحابها حقاً دائماً في احتلال المواقع التنظيمية.

ومن منظور ماكس فيبر، تطرح هذه المسألة سؤال انتقال الشرعية من الرأسمال الشخصي أو التاريخي إلى الشرعية المؤسسية القائمة على قواعد مستقرة. فالتنظيم الذي يربط استمراريته بشخص القيادة أو برصيدها السابق يواجه صعوبة في بناء استقلال مؤسساته عن الأشخاص. وكلما أصبحت استمرارية الحزب مرتبطة باستمرار قائد معين، ازدادت أهمية السؤال حول قدرة التنظيم على إنتاج قيادة بديلة من داخله، وعلى المحافظة على تماسكه بعد انتقال المسؤولية.

ولا يعني ذلك أن استمرار قائد واحد يثبت بالضرورة وجود أزمة، بل إن الاختبار الحقيقي يتمثل في مدى قدرة التنظيم على تجديد خياراته، وفتح المنافسة الداخلية، ومراجعة السياسات التي لم تحقق أهدافها، وتكوين بدائل قيادية قادرة على تحمل المسؤولية.

وفي الحالة الاتحادية، تبرز أهمية التمييز بين الحزب باعتباره مؤسسة تاريخية والحزب باعتباره فاعلاً سياسياً راهناً. فالمؤسسة التاريخية لا تحافظ على مكانتها لمجرد أنها كانت في قلب الصراع الديمقراطي، وإنما لأنها تظل قادرة على أداء وظيفة في المجتمع. وإذا أصبح الخطاب الحزبي يستعيد أسماء الماضي وشعاراته أكثر مما ينتج أجوبة عن التشغيل والحماية الاجتماعية والتعليم والصحة والعدالة المجالية، فإن الفجوة بين الذاكرة والواقع تصبح موضوعاً مشروعاً للنقد.

لقد تغير المجتمع المغربي، كما تغيرت البنية الاجتماعية التي تشكلت في ظلها الحركات اليسارية التقليدية. وتراجعت بعض أشكال التعبئة النقابية والتنظيم الجماهيري، وبرزت أنماط جديدة من العمل والهشاشة الاقتصادية، وتغيرت علاقة الشباب بالسياسة، وازدادت أهمية القضايا المرتبطة بالتكنولوجيا والبيئة والمساواة وتفاوت الفرص.

وفي مواجهة هذه التحولات، لا يكفي أن يعلن الحزب تمسكه بالاشتراكية الديمقراطية؛ بل ينبغي أن يحدد ما تعنيه هذه المرجعية في الممارسة. هل تعني الدفاع عن دولة اجتماعية ذات سياسات قابلة للتنفيذ؟ هل تعني توسيع المشاركة الديمقراطية داخل الحزب وخارجه؟ هل تعني إخضاع القيادة للمحاسبة، وتوفير شروط تداول المسؤولية؟ وهل تعني تقديم برنامج اقتصادي واجتماعي يوضح كيفية تمويل الالتزامات التي يقترحها؟

إن عدم الإجابة عن هذه الأسئلة يحول الاشتراكية إلى هوية لفظية أكثر منها مشروعاً سياسياً. ومن هنا، فإن النقد الجوهري الموجه إلى الأحزاب التاريخية لا يتعلق بتقدم عمرها أو طول تجربة قادتها، بل بخطر تحول الرصيد التاريخي إلى مبرر لتأجيل التجديد.

المحور الثاني: تعدد الولايات واحتكار القرار: بين الشرعية التنظيمية ومفارقة الديمقراطية الداخلية

يشكل تعدد الولايات الحزبية إحدى أكثر القضايا حساسية في دراسة التنظيمات السياسية، لأنه يقع عند تقاطع ثلاثة مبادئ: حق الأعضاء في اختيار قيادتهم، وحق القيادة المنتخبة في ممارسة صلاحياتها، وحق التنظيم في تجديد نُخبه وضمان عدم تحوله إلى بنية مغلقة.

ومن الناحية القانونية والتنظيمية، لا يمكن اعتبار تعدد الولايات مخالفة للديمقراطية في حد ذاته إذا تم وفق قواعد صادق عليها المؤتمر المختص. غير أن الشرعية الإجرائية لا تحسم وحدها السؤال السياسي. فالقواعد التي تسمح باستمرار القيادة قد تكون صحيحة من حيث الشكل، لكنها تظل قابلة للنقاش من حيث آثارها على توزيع السلطة، وتكافؤ الفرص، وتجديد النخب، وفعالية المؤسسات.

وهنا ينبغي التمييز بين انتخاب القيادة وتجدد القيادة. فقد يجري الانتخاب بصورة دورية، بينما تظل شروط المنافسة غير متكافئة، أو تبقى صناعة القرار متركزة في دوائر محدودة، أو تتحول الأجهزة التنظيمية إلى أدوات لتثبيت التوازنات القائمة بدلاً من مراقبتها. وفي المقابل، يمكن لاستمرار القيادة أن يكون نتيجة منافسة حقيقية ومتجددة، إذا كانت المؤسسات مستقلة وقادرة على تقييم الأداء وتوفير فرص فعلية للبدائل.

ولذلك، فإن السؤال بشأن استمرار إدريس لشكر لا ينبغي أن يُحسم بمجرد عدد الولايات، بل عبر فحص طبيعة العملية التنظيمية: كيف تُتخذ القرارات؟ ما حجم المشاركة الفعلية للقواعد؟ كيف تُختار الترشيحات؟ هل تستطيع التيارات المختلفة التعبير عن مواقفها؟ وما مدى استقلال الأجهزة الحزبية عن مركز القيادة؟

إن الخطر الذي تشير إليه أدبيات التنظيم الحزبي يتمثل في تحول التفويض الانتخابي إلى سلطة يصعب تحديها داخل التنظيم. فقد يؤدي تراكم النفوذ التنظيمي والسياسي والإعلامي لدى القيادة إلى جعل المنافسة الداخلية غير متوازنة، حتى عندما تبقى الانتخابات والمؤتمرات قائمة. وفي هذه الحالة، لا تختفي الديمقراطية شكلياً، وإنما قد تفقد جزءاً من مضمونها التنافسي.

وقد ناقش روبرت ميخلز هذه المفارقة في دراسته الكلاسيكية حول التنظيمات السياسية، من خلال ما سماه «القانون الحديدي للأوليغارشية»، أي الميل الذي قد تنشأ عنه نخب تنظيمية تسيطر تدريجياً على أدوات القرار والموارد والخبرة، فتزداد قدرتها على إعادة إنتاج موقعها. ولا يعني هذا المفهوم أن كل قيادة طويلة الأمد تتحول بالضرورة إلى أوليغارشية، لكنه يقدم أداة تحليلية لفحص العلاقة بين التنظيم والسلطة.

وفي هذا السياق، يصبح تعدد الولايات مشكلة سياسية عندما لا يكون مصحوباً بتجديد حقيقي للتفويض، أو عندما تتحول القواعد التنظيمية إلى وسيلة لتقليص فرص التداول، أو عندما يصبح الاعتراض الداخلي مكلفاً إلى درجة تدفع الأعضاء إلى الانسحاب أو الصمت أو تجميد المشاركة.

وتكتسب هذه المسألة أهمية إضافية بالنسبة إلى حزب يرفع مرجعية اشتراكية ديمقراطية؛ لأن الديمقراطية ليست مجرد قيمة يدافع عنها في مواجهة المؤسسات الأخرى، بل مبدأ ينبغي أن ينعكس في تدبير السلطة داخله. فكيف يمكن لحزب أن يجعل توسيع المشاركة والمساءلة جزءاً من مشروعه العام، إذا لم يوضح كيف تُمارس هذه المبادئ في انتخاب قيادته وتقييمها؟

إن التناقض بين الخطاب والممارسة، إذا ثبت من خلال الوقائع التنظيمية، ليس تفصيلاً إجرائياً، بل يمس صدقية المرجعية الفكرية نفسها. ومع ذلك، فإن المعالجة لا تكون بالتشكيك المجرد في كل قيادة طويلة الأمد، بل ببناء قواعد تمنع تركيز السلطة، وتضمن شفافية المنافسة، وتربط الاستمرار في المسؤولية بأداء قابل للتقييم.

ومن هنا، فإن تحديد الولايات، أو اعتماد قواعد تمنع تركز المسؤوليات لفترات طويلة، يمكن أن يكون أحد الخيارات المؤسسية المطروحة للنقاش. لكنه ليس بديلاً عن الديمقراطية الداخلية الفعلية؛ فقد توجد حدود للولايات من دون منافسة حقيقية، كما قد توجد منافسة فعلية مع استمرار قائد منتخب. والمطلوب هو الجمع بين قواعد واضحة للتداول، ومؤسسات مستقلة، وحقوق فعلية للأعضاء، وآليات للمحاسبة.

المحور الثالث: الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية الأوروبية أمام أزماتها: ماذا نتعلم من فرنسا وبريطانيا وألمانيا؟

لا تسمح المقارنة العلمية باعتبار التجربة الأوروبية نموذجاً واحداً متجانساً، لأن الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية تختلف في تاريخها وبنيتها الاجتماعية وقواعدها التنظيمية ومواقعها داخل أنظمتها السياسية. ومع ذلك، تقدم تجاربها دروساً مهمة في فهم العلاقة بين أزمة القيادة وأزمة المشروع السياسي.

أولا الحزب الاشتراكي الفرنسي: خطر التكيف المحدود

واجه الحزب الاشتراكي الفرنسي أزمات متتالية ارتبطت بتراجع قدرته على تمثيل قطاعات اجتماعية تقليدية، وبالصراعات حول الهوية والبرنامج والتحالفات. وقد خلص ديفيد هانلي، في دراسة منشورة سنة 2008 حول تغير الحزب الاشتراكي الفرنسي، إلى أن الاستجابة للأزمة اتجهت في عدد من المجالات نحو التكيف العملي المحدود أكثر من التجديد العميق للهوية والبنية التنظيمية. [2]

وتكشف هذه التجربة أن الاعتراف بوجود الأزمة لا يعني بالضرورة القدرة على تجاوزها. فقد تعيد الأحزاب النظر في بعض البرامج، أو تغير بعض المواقع القيادية، أو تعدل تحالفاتها، بينما تبقى الأسئلة البنيوية من دون حسم.

والدرس الذي يمكن استخلاصه بالنسبة إلى الاتحاد الاشتراكي هو أن تغيير القيادة، إذا لم يصاحبه نقاش فكري حول معنى الاشتراكية الديمقراطية في المغرب، قد ينتهي إلى إعادة توزيع المواقع داخل التنظيم من دون تغيير وظيفته السياسية. كما أن استمرار القيادة من دون مراجعة جدية قد يكرس بدوره التكيف المحدود، إذا تحولت المحافظة على التوازنات التنظيمية إلى أولوية تتقدم على إعادة بناء المشروع.

ثانيا حزب العمال البريطاني: تجديد القيادة ليس مجرد طقس انتخابي

تقدم التجربة البريطانية مثالاً مهماً على النقاش حول اختيار القيادة وتوسيع مشاركة الأعضاء والمؤيدين في العملية الانتخابية. وقد درست فلورنس فوشيه، في بحث مقارن منشور سنة 2015، انتخابات القيادة داخل حزب العمال البريطاني والحزب الاشتراكي الفرنسي، مبينة أهمية فهم القواعد التنظيمية والسرديات السياسية والممارسات التي تحيط بعملية الاختيار، لا الاكتفاء بالنظر إلى الانتخابات بوصفها إجراءً تقنياً. [3]

ففتح عملية اختيار القيادة أمام نطاق أوسع من المشاركين قد يعزز المشاركة، لكنه لا يضمن وحده توزيع السلطة بصورة ديمقراطية، ولا يحسم الخلافات حول البرنامج والهوية. وقد تتحول الانتخابات الداخلية إلى منافسة بين أشخاص أو معسكرات، إذا لم ترتبط بنقاش حول السياسات والأولويات الاجتماعية.

والدرس هنا أن تجديد القيادة ينبغي أن يكون مناسبة لمراجعة المشروع السياسي، وليس مجرد آلية لتغيير الشخص الذي يتصدر التنظيم. فإذا لم تتغير طريقة صناعة القرار، ولم تُراجع العلاقة بين القيادة والقواعد، ولم يتحدد برنامج جديد، فإن الانتقال قد لا يتجاوز المستوى الشكلي.

ثالثا الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني: تجديد الفكر شرط لتجديد الوظيفة

تقدم التجربة الألمانية درساً مختلفاً، يرتبط بتطور المرجعية الفكرية أكثر مما يرتبط بمسألة القيادة وحدها. فقد شكل برنامج غودسبرغ سنة 1959 محطة مهمة في انتقال الحزب الاشتراكي الديمقراطي نحو صياغة أكثر ملاءمة للديمقراطية التعددية والاقتصاد الاجتماعي المنظم.

وتوضح هذه المحطة أن الحزب التاريخي يستطيع إعادة تفسير مرجعيته من دون التخلي عن قيمه الأساسية. لكن هذا النوع من التجديد لا ينتج عن تغيير القيادة وحده؛ بل يحتاج إلى نقاش فكري، وتقييم للتحولات الاجتماعية، وتحديد للعلاقة بين مبادئ المساواة والحرية ومتطلبات إدارة الاقتصاد.

وبالنسبة إلى الاتحاد الاشتراكي، فإن هذا الدرس يعني أن أزمة القيادة لا يمكن فصلها عن أزمة المشروع الاشتراكي الاتحادي. فالتجديد الحقيقي ينبغي أن يجيب عن سؤال معنى الاشتراكية الديمقراطية في سياق مغربي يتسم بتحديات التشغيل والهشاشة والفوارق المجالية وضعف بعض أشكال الوساطة السياسية.

رابعا: ما الذي تقوله الدراسات المقارنة عن القيادة القوية؟

تناولت دراسة لديسبينا ألكسيادو وإيوين أو مالي، منشورة في المجلة الاروبية للأبحاث السياسية العلاقة بين القيادات الحزبية القوية واستقرار الأحزاب على المدى المتوسط. ووجد الباحثان بعض الأدلة التي تدعم فرضية أن تركيز قدر كبير من السيطرة على التنظيم والسياسات والاستراتيجية لدى قائد قوي قد يخلق صعوبات عند مغادرته، مع التأكيد أن النتائج لا تثبت علاقة آلية في جميع الحالات. 

وتكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة في سياق الأحزاب التاريخية، لأن القيادة التي تتحكم في تفاصيل التنظيم قد تحقق استقراراً ظاهرياً في الأمد القصير، لكنها قد تترك الحزب أمام صعوبة في إنتاج بدائل قادرة على تحمل المسؤولية عندما تتغير الظروف.

غير أن هذا الاستنتاج لا يعني أن استمرار إدريس لشكر يؤدي بالضرورة إلى النتيجة نفسها؛ فذلك يحتاج إلى أدلة مستقلة حول توزيع القرار والسلطة داخل الاتحاد الاشتراكي. وإنما يعني أن السؤال يستحق الفحص: هل ينتج التنظيم قيادات بديلة بصورة منتظمة؟ وهل توجد آليات تسمح بانتقال المسؤولية من دون أن يتحول إلى أزمة شاملة؟ وهل ترتبط استمرارية الحزب بالمؤسسات أم بشخص القيادة؟

وتبين المقارنة الأوروبية، في مجموعها، أن لا تغيير القيادة وحده ولا استمرارها وحده يمثل حلاً مضموناً. فالشرط الأساسي هو وجود مؤسسات قادرة على تنظيم التنافس، ومشروع فكري واضح، وبرنامج اجتماعي قابل للتقييم، وقاعدة حزبية تشارك في صناعة القرار. ومن دون هذه العناصر، قد تتحول أزمة القيادة إلى مجرد وجه ظاهر لأزمة أعمق في وظيفة الحزب.

المحور الرابع: نحو نقد اشتراكي اتحادي من الداخل: التداول على المسؤولية وإعادة بناء المشروع

إن تجاوز أزمة الاتحاد الاشتراكي يقتضي الخروج من ثنائية تختزل النقاش في الدفاع عن الكاتب الأول أو المطالبة برحيله، لأن كلا الموقفين قد يظل محدوداً إذا لم يرتبط بتصور واضح لمستقبل التنظيم. فالسؤال الأهم ليس من يتولى القيادة فقط، بل ما القواعد التي تحكم ممارستها، وما البرنامج الذي يفترض أن تنفذه، وما الوسائل التي تسمح للأعضاء بمحاسبتها.

ومن منظور اشتراكي ديمقراطي، يمكن بناء مشروع التجدد على أربعة مرتكزات مترابطة.

أولاً: إقرار التداول بوصفه مبدأً مؤسساتياً

يقتضي التداول وضع قواعد واضحة لتجديد المسؤوليات، وضمان منافسة داخلية متكافئة، وتمكين المؤتمرات والأجهزة التقريرية من ممارسة صلاحياتها الفعلية. ويمكن أن تشمل الإصلاحات تحديد الولايات أو وضع آليات أكثر صرامة للمحاسبة، بشرط ألا يتحول ذلك إلى تعديل شكلي للقواعد أو إلى إجراء يستهدف أشخاصاً بعينهم.

فالغاية ليست منع قائد معين من الاستمرار لمجرد أنه أمضى فترة طويلة في موقعه، وإنما ضمان أن تكون استمراريته مرتبطة بتفويض ديمقراطي متجدد، وأن يظل التغيير ممكناً وواقعياً داخل المؤسسة.

ثانياً: إعادة الاعتبار للفكر الاشتراكي الاتحادي

لا يمكن أن يستعيد الاتحاد الاشتراكي دوره عبر الإصلاح التنظيمي وحده. فالمطلوب مراجعة فكرية تحدد ما الذي يميزه اليوم عن بقية الفاعلين السياسيين، وكيف يمكن ترجمة قيم المساواة والتضامن والحرية إلى سياسات عمومية قابلة للتنفيذ.

ويقتضي ذلك بناء برنامج اقتصادي واجتماعي واضح يتناول التشغيل والحماية الاجتماعية والتعليم والصحة والعدالة الضريبية والتنمية المجالية، ويحدد الوسائل المالية والمؤسساتية لتحقيق أهدافه. كما يقتضي تطوير تصور للعلاقة بين الدولة والسوق، وبين الحريات الفردية والحقوق الاجتماعية، وبين الديمقراطية السياسية والمشاركة الاقتصادية.

إن الاشتراكية التي لا تقدم أجوبة عن الأسئلة الملموسة للمجتمع تفقد تدريجياً قدرتها على التعبئة والإقناع. أما الاشتراكية الديمقراطية التي تربط المبادئ بالبرامج، فتمنح هويتها مضموناً يمكن للمواطنين تقييمه ومناقشته.

ثالثاً: استعادة الوظيفة المجتمعية للحزب

لا يكفي أن يكون الحزب حاضراً في البرلمان أو في النقاشات المتعلقة بتشكيل الحكومات. فوظيفته الأساسية تشمل أيضاً تأطير المطالب الاجتماعية، وتكوين الكفاءات، وإنتاج الأفكار، وتوسيع المشاركة السياسية، وبناء جسور بين المواطنين والمؤسسات.

ويستدعي ذلك إعادة النظر في العلاقة مع الشباب والنساء والطبقة العاملة والفئات المهنية الجديدة، والانفتاح على التحولات التي عرفها المجتمع المغربي. كما يتطلب تطوير آليات منتظمة للإنصات إلى المواطنين، وربط العمل البرلماني والاقتراح التشريعي بحاجاتهم الفعلية.

ولا يمكن تحقيق هذه الغاية إذا ظل التنظيم منشغلاً بصورة مفرطة بالصراعات حول المواقع. فحين تصبح الطاقة التنظيمية موجهة أساساً نحو تدبير التوازنات الداخلية، تتراجع القدرة على إنتاج المبادرات السياسية والاجتماعية.

رابعاً: بناء انتقال قيادي منظم لا يقوم على الانتقام ولا على التمديد المفتوح

إذا اختار الحزب تجديد قيادته، فإن الانتقال ينبغي أن يتم وفق قواعد واضحة تحفظ استمرارية المؤسسات والخبرة المتراكمة، وتتيح في الوقت نفسه ظهور قيادة جديدة ذات تفويض سياسي وبرنامجي محدد. أما إذا اختار استمرار القيادة، فينبغي أن يقترن ذلك بمحاسبة واضحة، وتقييم للأداء، وضمان فعلي للمنافسة الداخلية.

وفي الحالتين، لا ينبغي أن يتحول النقاش إلى تصفية حسابات شخصية، ولا أن تصبح وحدة الحزب ذريعة لإسكات الاختلاف. فالوحدة التي تقوم على إغلاق النقاش قد تؤجل الأزمة ولا تحلها، بينما يمكن للاختلاف المنظم أن يكون مصدراً لتجديد الفكر والممارسة.

وتتطلب هذه العملية أيضاً وضع برنامج زمني للإصلاح، يتضمن أهدافاً قابلة للقياس في مجال التنظيم والتكوين واستقطاب الكفاءات وإنتاج السياسات العمومية. فالتجديد الذي لا يخضع للتقييم قد يتحول بدوره إلى شعار جديد لا يغير شيئاً في الممارسة.

وبذلك، يصبح التداول على المسؤولية جزءاً من إصلاح مؤسساتي شامل، لا غاية منفصلة عن مشروع الحزب. فالمطلوب هو بناء تنظيم يستطيع تغيير قيادته من دون أن يفقد استمراريته، والمحافظة على استمراريته من دون أن يجعلها مبرراً لرفض التجديد.

ختاما ،تكشف أزمة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية عن مفارقة عميقة تواجه الأحزاب التاريخية: فالحزب الذي نشأ دفاعاً عن الديمقراطية والعدالة الاجتماعية يجد نفسه مطالباً اليوم بإثبات أن هذه القيم ليست مجرد عناصر في ذاكرته النضالية، وإنما مبادئ تحكم تنظيمه وممارسته السياسية الراهنة.

ولا يكفي، في هذا السياق، اختزال الأزمة في استمرار إدريس لشكر على رأس الحزب، كما لا يصح اعتبار تعدد الولايات مسألة تقنية منفصلة عن توزيع السلطة وتجديد النخب. فالمعيار الحقيقي يتمثل في طبيعة المؤسسات، وفعالية المنافسة الداخلية، وشفافية اتخاذ القرار، وقدرة التنظيم على إنتاج قيادات بديلة ومشروع سياسي يستجيب للتحولات الاجتماعية.

وتؤكد التجارب الأوروبية أن الأزمات الحزبية لا تُحل بالضرورة بتغيير القيادة، كما لا يُضمن تجاوزها باستمرارها. فقد أظهرت التجربة الفرنسية حدود التكيف التنظيمي عندما لا يتحول إلى تجديد عميق، وأبرزت المقارنات بين حزب العمال البريطاني والحزب الاشتراكي الفرنسي أهمية القواعد والممارسات التي تنظم المنافسة الداخلية، فيما تطرح الدراسات المتعلقة بالقيادات القوية سؤال قدرة المؤسسات على الاستمرار بعد انتقال المسؤولية.

لكن الاستفادة من هذه التجارب تقتضي عدم التعامل معها باعتبارها نماذج جاهزة، بل باعتبارها أدوات لفهم المشكلات التي يواجهها الاتحاد الاشتراكي في سياقه المغربي. فالتجديد ينبغي أن ينطلق من خصوصية التاريخ الاتحادي، ومن مراجعة نقدية لتجربته في المعارضة والحكم، ومن إعادة بناء مرجعيته الاشتراكية الديمقراطية على أساس قضايا المجتمع الراهنة.

والحقيقة التي ينبغي أن تواجهها الأحزاب التاريخية بوضوح هي أن الشرعية النضالية لا يمكن أن تتحول إلى امتياز دائم، وأن الانتخاب الداخلي لا يعفي القيادة من المحاسبة، وأن الاستمرارية التنظيمية ليست فضيلة في ذاتها إذا أصبحت على حساب تجديد المشروع. وفي المقابل، فإن تغيير الأشخاص من دون تغيير القواعد والأفكار والبرامج لا يمثل إصلاحاً حقيقياً، بل قد يكون مجرد إعادة ترتيب للمواقع.

إن الاتحاد الاشتراكي لا يحتاج فقط إلى حسم سؤال من يقوده، بل إلى حسم سؤال أعمق: ما المشروع الذي يقوده، ولمن يتوجه، وكيف يترجم مرجعيته الاشتراكية إلى ممارسة ديمقراطية وسياسات اجتماعية ملموسة؟

ومن هذا المنظور، فإن تعدد الولايات يصبح موضوعاً مشروعاً للنقد عندما يرتبط بضعف التداول أو غياب المنافسة الفعلية، لا لمجرد كونه تعدداً في حد ذاته. كما يصبح تغيير القيادة ذا قيمة سياسية عندما يفتح المجال أمام مراجعة شاملة، لا عندما يقتصر على استبدال شخص بآخر داخل البنية التنظيمية نفسها.

فالأحزاب التي لا تستطيع تجديد قيادتها وأفكارها وممارساتها تخاطر بأن يتحول تاريخها من مصدر للشرعية إلى ستار يحجب أزمتها. والاتحاد الاشتراكي، إذا أراد الحفاظ على معنى إرثه الديمقراطي، مطالب بأن يجعل التداول والمحاسبة والتجديد جزءاً من هويته التنظيمية، وأن يثبت أن الاشتراكية الديمقراطية ليست فقط ما يدافع عنه في المجتمع، بل أيضاً ما يمارسه داخل مؤسساته.