من هنا ، تثير المصادقة على مشروع قانون المالية قبل التنصيب البرلماني للحكومة إشكالاً يستوجب الموازنة بين احترام حدود الاختصاص، وإلزامية أجل الإيداع، وضمان استمرارية الدولة. وفي تقديرنا، فإن إثارة شبهة المساس بالمقتضيات الدستورية تظل مشروعة، لكنها لا تكفي للجزم بثبوت خرق الدستور أو بطلان الإجراء؛ إذ يتعين فحص السند القانوني، وضرورة التدخل، وآثاره، وإمكان استدراكه، مع مراعاة التناسب بين الضرر والجزاء.
فالفصل 88 من الدستور يجعل تنصيب الحكومة رهيناً بحصولها على ثقة مجلس النواب. وتحدد المادة 38 من القانون التنظيمي رقم 065.13 مهام الحكومة المعينة قبل التنصيب، ومنها إعداد البرنامج الحكومي وممارسة الصلاحيات المشار إليها في الفقرة الأولى من المادة 37، المتعلقة بالتدابير الضرورية والمستعجلة لضمان استمرارية مصالح الدولة وانتظام المرافق العمومية. فهي حكومة قائمة قانوناً، محدودة الصلاحيات، تقارب وظيفتها خلال هذه المرحلة وظيفة تصريف الأعمال، مع احتفاظها بوضع قانوني خاص.
وفي المقابل، تحدد المادة 48 من القانون التنظيمي رقم 130.13 المتعلق بقانون المالية يوم 20 أكتوبر أجلاً أقصى لإيداع المشروع بالأسبقية لدى مكتب مجلس النواب. وهو أجل قانوني ملزم، يندرج ضمن المسطرة المالية المؤطرة دستورياً، ويحمي انتظام المناقشة البرلمانية والاستعداد للسنة المالية المقبلة. لذلك، فإن احترامه مصلحة قانونية ومؤسساتية يتعين إدراجها في الموازنة، وإن كان لا يمنح، بذاته، ترخيصاً صريحاً بتوسيع اختصاصات الحكومة قبل التنصيب.
ويجد التوفيق بين هذين المقتضيين سنداً تفسيرياً في قرار المجلس الدستوري رقم 955/15 الصادر في 4 مارس 2015. فقد أقر المجلس دستورية استبعاد المصادقة على مشاريع القوانين من تصريف الأمور الجارية، مع مراعاة ما قد تستلزمه حالة الضرورة من تدابير تشريعية أو تنظيمية. وهذا التحفظ لا يحسم مباشرة وضعية الحكومة المعينة قبل التنصيب، لكنه يسمح ببناء حجة قانونية لتدخل استثنائي تفرضه ضرورة احترام الاستحقاق المالي، شريطة تعليلها وضبط حدودها.
وعليه، يمكن الدفاع عن أولوية احترام أجل الإيداع عندما يتعذر استكمال التنصيب قبله، دون اعتبار هذه الأولوية تفويضاً عاماً لممارسة كامل الصلاحيات الحكومية. كما يبقى التساؤل مشروعاً عن أسباب عدم ترتيب التنصيب والمصادقة بصورة تتجنب الإشكال؛ غير أن مساءلة تدبير الزمن المؤسساتي لا تغني عن تقدير الضرورة القائمة عند حلول الأجل.
وتكتسب هذه القراءة قوتها من طبيعة الإجراء نفسه؛ فالمصادقة الحكومية تنصب على مشروع قانون، ولا تمنحه بمجردها قوة التنفيذ أو تجيز استخلاص الموارد وإنفاق الاعتمادات المقترحة. ويظل المشروع خاضعاً للمناقشة والتعديل والتصويت داخل البرلمان بمجلسيه، مع احتفاظ مجلس النواب بالبت النهائي وفق المسطرة القانونية. وبذلك، تبقى إمكانات المراجعة قائمة، وتظل الإرادة البرلمانية عنصراً حاسماً في إنتاج القانون المالي.
ومن هنا، ينبغي التمييز بين تسلل شبهة المساس بالدستور وثبوت خرقه. فالأولى تفتح باب النقد والمساءلة وطلب التوضيح؛ أما الثانية، حين يراد ترتيب آثار قضائية عليها، فتستوجب عرض المنازعة وفق شروطها ومساطرها أمام الجهة المختصة. ولا يتحول التقدير السياسي أو الفقهي، مهما بلغت وجاهته، إلى حكم قضائي بالبطلان.
وفي هذا المعنى الإجرائي، يمكن القول: «لا خرق إلا بدفع، ولا إبطال إلا بقرار قضائي»؛ أي إن الاحتجاج بالخرق بقصد ترتيب جزاء قضائي يحتاج إلى دفع أو إحالة مقبولة بحسب المسطرة، وإن الإبطال القضائي لا يستخلص من مجرد الاعتراض. ولا يعني ذلك أن المخالفة لا توجد إلا بإثارتها، أو أن عدم الطعن يصححها، وإنما يعني التمييز بين وجود عيب محتمل، وإثارته قانوناً، وثبوته قضائياً، وترتيب الجزاء المناسب عليه.
كما يقتضي تقدير هذا الجزاء مراعاة التناسب بين الضرر والجزاء: فما الضمانة الدستورية التي مسها الإجراء؟ وهل أضعف حرية منح الثقة أو سلطة البرلمان المالية؟ وهل يمكن تدارك العيب المحتمل بتأكيد تبني المشروع وإعادة التداول بشأنه بعد التنصيب، وفق المسطرة المتاحة؟ وهذه أسئلة لا تستهدف تعطيل قواعد الاختصاص، بل تحديد أثر مخالفتها المحتملة ووسيلة معالجتها.
فالضرر الدستوري قد يكون مؤسساتياً، ولا يشترط أن يكون مادياً؛ كما أن إمكان الاستدراك لا يعني التصحيح التلقائي بأثر رجعي، لكنه يظل عنصراً جديراً بالتقدير عند بحث المآل القانوني للإجراء، حتى لا يرتب عليه جزاء يتجاوز جسامة العيب وأثره.
وعليه، فإن الموقف الأرجح، في تقديرنا، هو الدفاع عن تدخل استثنائي معلل لحفظ أجل الإيداع، مع صون إمكان الاستدراك والرقابة البرلمانية والقضائية. فحماية الدستور تقتضي الدقة في وصف المخالفة، والتمييز بين الشبهة والثبوت، والتناسب بين الضرر والجزاء، دون تحويل احتمال الخرق إلى إبطال معلن خارج المسطرة والاختصاص.






