أكدت الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها أن المغرب، رغم تسجيله تحسنا طفيفا في مؤشر مدركات الفساد برسم سنة 2025 باكتسابه 39 نقطة وتقدمه إلى المرتبة 91 عالمياً، لا يزال يواجه تحدياً جوهرياً تتمثل معالمه في استمرار "فجوة التنفيذ" بين النصوص القانونية والأثر الملموس على حياة المواطنين والمقاولات.
وجاء ذلك خلال تقديم رئيس الهيئة، محمد بنعليلو، للتقرير السنوي برسم سنة 2025، والذي كشف عن حصيلة مركبة تتقاطع فيها دينامية المتابعات القضائية مع تعثرات هيكلية طبعت تنزيل الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد على مدى العقد الأخير، مما يفرض الانتقال العاجل من منطق إنتاج النصوص إلى قياس الأثر الفعلي وتحقيق النتائج المستدامة.
وفي سياق تعزيز قنوات التبليغ والكشف المبكر، أبرز التقرير ارتفاعاً ملحوظاً في تفاعل المواطنين والفاعلين مع الهيئة، حيث انتقل عدد الملفات والتبليغات المتوصل بها من 92 ملفاً سنة 2024 إلى 420 ملفاً سنة 2025، ليصل إلى 742 ملفاً خلال السنة الجارية، وهو ما يعكس تنامي الثقة في المؤسسة رغم تسجيل عدد من الملفات التي صُرّح فيها بعدم الاختصاص أو القبول.
وأشار العرض إلى تواصل تدخلات رئاسة النيابة العامة وأقسام الجرائم المالية والمحاكم المالية لرصد أفعال الفساد المالي وغسل الأموال ومحاربتها، مع التأكيد على ضرورة توطيد المقاربة المالية وتتبع مسارات العائدات غير المشروعة لاستهداف المردودية الاقتصادية للجريمة وتفعيل دور أجهزة التفتيش الداخلي داخل الإدارات العمومية.
وعلى صعيد تقييم العقد الماضي من تنفيذ الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد الممتدة من 2015 إلى 2025، خلص التقرير إلى أن تعدد المشاريع لم يتحول إلى أثر يتماشى مع الطموح الاستراتيجي، إذ لم تتجاوز نسبة المشاريع المنجزة بالكامل 54 في المائة، بينما ظلت نسب مهمة متعثرة أو لم تُطلق نهائياً، لا سيما في الإصلاحات التشريعية الكبرى مثل تجريم الإثراء غير المشروع وتأطير حالات تنازع المصالح وتطوير التصريح الإجباري بالممتلكات.
وأرجع التقرير هذا التعثر إلى قصور في آليات القيادة والتنسيق، وغياب منظومة متكاملة لإدارة الأداء والمخاطر، وطول المدة الزمنية للاستراتيجية، مما استدعى تقديم مقترحات عملية لهيكلة جيل جديد من الاستراتيجيات بأفق زمني لا يتجاوز خمس سنوات يتماشى مع الانتداب الحكومي.
وختاماً، شدد التقرير على أهمية بناء منظومة وطنية مندمجة للنزاهة تقوم على التكامل المؤسساتي والشراكات الاستراتيجية مع مختلف الأقطاب الأمنية والرقابية والاقتصادية، إلى جانب تعزيز آليات الحماية القانونية للمبلغين وإطلاق مركز النداء المتخصص تحت رقم 3003.
كما جددت الهيئة الدعوة لتطوير الآراء والتوصيات المعيارية ذات الصلة بالنزاهة الانتخابية، ومراجعة بعض مقتضيات مشروع قانون المسطرة الجنائية بما يضمن التوازن بين فعالية الإنفاذ وصيانة حقوق الأفراد، مؤكدة أن محاربة الفساد تظل قضية الدولة والمجتمع برمتها وتتطلب تعبئة جماعية مستدامة لتحويل التزامات الحكامة إلى ممارسات يومية ومكتسبات ملموسة.






