دخل النقاش بشأن الصحراء الغربية المغربية مرحلة بات فيها البناء المؤسساتي للحكم الذاتي يكتسي أهمية موازية لتقدمه على المستوى الدبلوماسي. فكلما ترسخ هذا الخيار داخل المسار السياسي، ازدادت الحاجة إلى الانتقال من عرض المبادئ العامة إلى تحديد هندسة مؤسساتية وقانونية دقيقة، توضح طبيعة السلطات التي ستتولاها الجهة، وكيفية توزيع الاختصاصات بينها وبين الدولة، والضمانات الدستورية والقانونية الكفيلة بصون هذا التوزيع واستمراره.
ويتمثل التحدي الأساسي في تصميم حكم ذاتي يتمتع باختصاصات فعلية ومؤسسات قادرة على ممارسة صلاحياتها بكفاءة، في إطار توزيع واضح للسلطة والمسؤولية، من دون أن يؤدي ذلك إلى ازدواج في السيادة أو إلى المساس بوحدة الدولة والنظام الدستوري للمملكة. ومن ثم، لم يعد السؤال متعلقاً بمبدأ الحكم الذاتي في حد ذاته، بقدر ما أصبح يتعلق بكيفية تحويله إلى نظام مؤسساتي متماسك يجمع بين اتساع التدبير الذاتي ووحدة السيادة واستمرارية الدولة.
وقد اكتسب هذا السؤال أهمية أكبر بعد اعتماد مجلس الأمن، في 31 أكتوبر 2025، القرار 2797، الذي دعم إجراء مفاوضات تتخذ من المقترح المغربي للحكم الذاتي أساساً لها، مع الإبقاء على غاية التوصل إلى حل سياسي نهائي مقبول بصورة متبادلة ويكفل تقرير المصير. كما اعتبر القرار أن حكماً ذاتياً حقيقياً قد يمثل أحد أكثر المخارج قابلية للتحقق، ودعا الأطراف إلى تقديم مقترحات بناءة.[1]
بهذا المعنى، ينتقل مركز الثقل تدريجياً من سؤال «هل يشكل الحكم الذاتي أساساً للتسوية؟» إلى سؤال أكثر تركيباً: «أي حكم ذاتي يمكن أن يكون قابلاً للعمل والاستمرار؟». فلم يعد الأمر يتعلق بتأكيد المبدأ بقدر ما يتعلق بتحديد مضمونه القانوني والمؤسساتي: توزيع الاختصاصات، وضماناتها، وتمويلها، وتدبير الموارد، وآليات الانتقال، وطبيعة العلاقة بين مؤسسات الحكم الذاتي ومؤسسات الدولة.
وتظل المبادرة المغربية المقدمة إلى الأمم المتحدة في أبريل 2007 نقطة الانطلاق القانونية الموثقة لهذا البناء. فهي تقترح مؤسسات تشريعية وتنفيذية وقضائية للجهة، وتسند إليها اختصاصات تشمل، على وجه الخصوص، الإدارة المحلية، والشرطة المحلية، والتنمية الاقتصادية، والميزانية والجباية، والبنيات التحتية، والتعليم والصحة والتشغيل والثقافة والبيئة.[2]
كما تنص المبادرة على عرض النظام المنبثق عن المفاوضات على استشارة استفتائية وإدماجه، بعد ذلك، في النظام الدستوري المغربي. وهنا يقتضي التحليل قدراً من الدقة: فالاستشارة المقصودة في مبادرة 2007 تتعلق بإقرار النظام المتفاوض بشأنه، ولا ينبغي الخلط بينها وبين الصيغة الاستفتائية التي سبق تصورها في إطار مخطط التسوية الأممي السابق. وسيعود البحث لاحقاً إلى الكيفيات التي يمكن بها التعبير عن الموافقة على التسوية وإدخالها حيز النفاذ.
وفي أعقاب القرار 2797، أُعلن عن تحديث المبادرة وصياغتها بمزيد من التفصيل. ووفق تصريح للسفير عمر هلال نقلته وكالة المغرب العربي للأنباء في 17 يونيو 2026، جرى إبلاغ الأطراف بمشروع مطور ومناقشته في سياق العملية السياسية.[3] غير أن النص الكامل لهذه الصيغة لم يكن، في المصادر الرسمية المعتمدة في هذه الدراسة، متاحاً بما يسمح بتحليله بنداً بنداً. ومن ثم، يستند البحث إلى النص المنشور لمبادرة 2007 باعتباره الأساس القابل للتحقق، من دون أن ينسب إلى الصيغة المطورة أحكاماً لم تنشر رسمياً.
وعليه، لا يتمثل التحدي في اختراع نموذج جديد من الصفر، بل في تحويل مبادرة سياسية عامة إلى بناء مؤسساتي مكتمل، قادر على الجمع بين مطلبين لا ينبغي النظر إليهما بوصفهما متعارضين: ممارسة فعلية وواسعة للاختصاصات الذاتية من جهة، وبقاء هذه الممارسة داخل وحدة السيادة والنظام الدستوري للمملكة من جهة أخرى.
ويفيد القانون المقارن في اختبار هذه الفرضية، شرط ألا يتحول إلى تمرين في الاستنساخ. فجنوب تيرول يقدم دروساً في تحصين التمويل؛ وتظهر جزر آلاند إمكان المواءمة بين الاختصاصات الترابية والمشاركة في المؤسسات الوطنية؛ وتبرز تجربة آتشيه أهمية نزع السلاح والمواكبة الدولية المحددة زمنياً؛ بينما تتيح تجربة بانغسامورو فهماً أدق لآليات التنسيق بين مستويات الحكم، والتحويلات المالية، وإدارة المرحلة الانتقالية. ولا تُستدعى هذه التجارب بوصفها نماذج جاهزة أو متفوقة في ذاتها، وإنما باعتبارها خزانات لآليات مؤسساتية قابلة للفحص والمقارنة والانتقاء.[4]
وتنتمي هذه الدراسة، في جوهرها، إلى مجال الهندسة المؤسساتية. ولذلك فهي تفصل باستمرار بين ثلاث دوائر ينبغي ألا تختلط: القانون المغربي النافذ، والمقتضيات الموثقة في مبادرة 2007، والخيارات الجديدة التي لا يمكن إعمالها إلا من خلال اتفاق سياسي أو تعديل دستوري أو نصوص قانونية وتنظيمية لاحقة. فالجهوية المتقدمة توفر رصيداً مؤسساتياً وإدارياً مهماً، لكنها لا تختزل، في وضعها القانوني الحالي، نظام الحكم الذاتي الذي تتصوره مبادرة 2007، ولا سيما من حيث اتساع الاختصاصات وطبيعة المؤسسات المقترحة.[5]
وعلى هذا الأساس، يتناول البحث ثلاثة مستويات مترابطة: بناء الحكم الذاتي من الداخل، والخروج من النزاع وبناء جماعة سياسية مشتركة، ثم ضمان اندماج النظام في الدولة وقدرته على الاستمرار في مواجهة الاختلافات والأزمات. والفرضية الناظمة هي إمكان إقامة حكم ذاتي فعلي، واسع الصلاحيات ومحصن مؤسساتياً، داخل إطار سيادة واحدة، على أن تحدد التسوية السياسية النهائية الضمانات والكيفيات التي تجعله قابلاً للنفاذ والاستمرار.
الجزء الأول: بناء حكم ذاتي فعلي في إطار سيادة واحدة
لا تُقاس فعالية الحكم الذاتي بكثرة مؤسساته أو بتعدد نصوصه، وإنما بوضوح الاختصاصات المسندة إلى الجهة، وبقدرتها على ممارستها بصورة فعلية، وبوجود ضمانات قانونية ودستورية تحول دون الانتقاص منها أو تعطيل آثارها. وفي المقابل، يظل الحكم الذاتي مؤطراً بوحدة الدولة والسيادة، ولا يمكن أن يشكل أساساً لسلطة تأسيسية مستقلة أو لنشوء مراكز سيادية متوازية.
وعلى هذا الأساس، يفترض النموذج توزيعاً دقيقاً ومحكماً للاختصاصات داخل نظام دستوري واحد. وتمارس الجهة، في المجالات الداخلة ضمن صلاحياتها، سلطات تشريعية وتنفيذية ومالية حقيقية، من غير أن يكون لها تعديل نطاق اختصاصاتها بإرادتها المنفردة، أو تغيير النظام المؤسسي للحكم الذاتي، أو ممارسة سلطة سيادية مستقلة، أو إقرار انفصال أحادي.
أما الاختصاصات المرتبطة بجوهر السيادة، وفي مقدمتها الجنسية والدفاع والعملة والحدود والتمثيل الدولي للمملكة، فتبقى من اختصاص الدولة. وبذلك، يقوم الحكم الذاتي على معادلة واضحة: سلطة جهوية واسعة ومضمونة قانوناً، داخل دولة واحدة وسيادة واحدة ونظام دستوري واحد.
القسم الأول:
تحديد توزيع الاختصاصات وتحصينها
تقدم الأزمة الكاتالونية لسنة 2017 درساً مؤسساتياً يستحق الاستحضار هنا، من دون أي مماثلة بين سياقات تاريخية وسياسية مختلفة. فقد أظهرت تلك الأزمة كيف يمكن لخلاف حول تفسير الاختصاصات أن ينتقل، إذا غابت الحدود القانونية الواضحة، إلى نزاع يمس أساس الشرعية الدستورية نفسها.[6]
أ. الاختصاصات الذاتية والمشتركة والمحفوظة للدولة
يمكن بناء توزيع الاختصاصات على ثلاث دوائر مترابطة: اختصاصات ذاتية تمارسها الجهة في نطاقها، واختصاصات تستلزم التنسيق أو المشاركة بين الجهة والدولة، واختصاصات تظل محفوظة حصراً للدولة لارتباطها المباشر بالسيادة.
1. الاختصاصات الذاتية للجهة
ينبغي أن تمنح الاختصاصات الذاتية للجهة سلطة حقيقية في القرار والتدبير في المجالات الأكثر اتصالاً بالحياة اليومية للسكان وبالتنمية الترابية، ومن بينها الإدارة الجهوية، والتنمية الاقتصادية، والسياحة، والسكن والتعمير، والنقل الداخلي، والتكوين المهني، وبعض السياسات البيئية، والتنظيم الترابي لخدمات التعليم والصحة، وشرطة القرب، فضلاً عن صون التراث الثقافي واللغوي للجهة وتثمينه، وفي مقدمته المكون الحساني.
غير أن وصف هذه الاختصاصات بأنها «ذاتية» لا يعني إخراجها من المجال الدستوري المشترك. فالنظام ينبغي أن يحدد بدقة العلاقة بين السلطة الجهوية والقواعد الوطنية الضامنة للحقوق والحريات والمساواة والأمن القانوني. ويقتضي ذلك، في كل قطاع، الفصل بين النواة الوطنية المشتركة وبين المساحة التي تملك فيها المؤسسات الجهوية سلطة القرار.
في التعليم، مثلاً، يمكن للجهة أن تتمتع باختصاص واسع في تنظيم المؤسسات التعليمية وتدبيرها، وتكييف جزء من البرامج مع الخصوصيات الترابية، وتطوير التكوين المهني وفق حاجات الاقتصاد المحلي، وإدماج الموروث الثقافي واللغوي الجهوي في السياسات التعليمية.[7] وفي المقابل، تحتفظ الدولة بالمرجعيات الوطنية الأساسية التي تضمن جودة التعليم والمساواة في الولوج إليه، وبالقواعد اللازمة للاعتراف بالشهادات في مجموع التراب الوطني. وبهذه الصيغة يمكن للنظام التعليمي الجهوي أن يتمتع بهامش واسع من الحكم الذاتي من دون أن ينفصل عن المنظومة الوطنية.[8]
وينطبق المنطق نفسه على الصحة. فيمكن لحكومة الجهة أن تتولى التخطيط الترابي للخدمات الصحية، وإعداد الخريطة الصحية، وتدبير المؤسسات والاستثمارات الاستشفائية، وبرامج الوقاية والصحة العامة الموجهة إلى الاحتياجات المحلية.[9] أما الدولة فتظل مسؤولة عن القواعد الوطنية الضرورية لوحدة النظام الصحي وسلامته، ولا سيما في مجالات الأدوية والمنتجات الصحية، والمؤهلات، وشروط ممارسة المهن الطبية، والضمانات الأساسية التي تكفل مستوى مشتركاً من الحماية الصحية لجميع المواطنين.[10]
وفي مجال الأمن، تسمح منطقية مبادرة 2007 بإسناد وظائف محددة إلى شرطة محلية أو جهوية تتولى أمن القرب، وتنظيم السير، والشرطة الإدارية، في إطار المنظومة الوطنية للأمن.[11] أما الدفاع الوطني، والاستخبارات الخارجية والاستراتيجية، ومكافحة التجسس، وحماية الحدود الدولية، والتعامل مع التهديدات العابرة للحدود، فتبقى في صميم اختصاصات الدولة.
ولا ينبغي أن يترجم هذا التوزيع إلى فصل عملياتي بين الأجهزة. فالإرهاب والجريمة المنظمة والجريمة العابرة للحدود مسائل تتجاوز بطبيعتها المجال الجهوي، ولذلك تظل مسؤوليتها الأساسية وطنية، مع إمكان مشاركة الشرطة الجهوية في حدود مهامها وتعاونها الكامل مع الأجهزة المختصة للدولة. ومن ثم، تظل مكافحة الإرهاب ومكافحة التجسس والتهديدات العابرة للحدود ضمن المسؤولية الوطنية، بينما تسهم أجهزة الشرطة الجهوية في آليات التنسيق الأمني بحسب نطاق اختصاصها.[12]
2. المجالات ذات الممارسة المنسقة
لن يكون ممكناً، في نظام حكم ذاتي متقدم، رسم حدود صلبة بين جميع الاختصاصات. فهناك قطاعات تتجاوز آثارها الحدود الإدارية للجهة، أو ترتبط بشبكات وطنية، أو تمس مصالح استراتيجية للمملكة في مجموعها.
وفي هذه الحالات، لا ينبغي أن يفهم الاشتراك في الاختصاص على أنه اشتراط موافقة الطرفين على كل قرار، لأن ذلك سيحول التنسيق إلى آلية دائمة للشلل. والأجدى هو تحديد المسؤوليات قطاعاً بقطاع: من يضع القاعدة المشتركة؟ من يخطط؟ من يمنح الترخيص؟ من يمول؟ من ينفذ؟ ومن يراقب؟
في البنيات التحتية الكبرى، مثلاً، يمكن للجهة أن تخطط وتمول وتدير المنشآت ذات الوظيفة الترابية أساساً، من طرق جهوية ونقل داخلي وتجهيزات مائية محلية وبنيات اقتصادية موجهة إلى الإقليم. أما المنشآت ذات المصلحة الوطنية، أو التي تربط الجهة ببقية المملكة، فينبغي أن تخضع لتخطيط منسق مع الدولة.
فطريق سيار يربط العيون أو الداخلة بالمحاور الكبرى للمملكة، أو خط سككي ذي وظيفة وطنية، أو منشأة ذات طابع استراتيجي وطني أو دولي، لا يمكن النظر إليها بوصفها مسألة جهوية محضة. وتظل الاختصاصات الوطنية ذات الصلة قائمة، مع إشراك المؤسسات الجهوية في آليات التشاور كلما مست هذه المشاريع مجالات تدخلها.
وينطبق المنطق نفسه على الطاقة. إذ يمكن للجهة أن تشجع إنتاج الطاقة المتجددة الموجهة إلى احتياجاتها، وأن تشارك في تخطيط مواقع المنشآت، وأن تتولى بعض البنيات التحتية الطاقية ذات الطابع المحلي. أما الشبكات الوطنية، والربط الدولي، وأمن الإمدادات، والمنشآت ذات القيمة الاستراتيجية الوطنية أو الدولية، فتبقى خاضعة لاختصاصات الدولة مع إقرار آليات ملائمة للتشاور الترابي.[13]
وفي مجالي البيئة والماء، يمكن إسناد حماية المجالات الطبيعية، وتدبير بعض النفايات، ومكافحة التصحر، والتدبير المحلي للموارد المائية، وبرامج التكيف المناخي إلى الجهة. غير أن الأحواض والفرشات المائية العابرة للحدود الجهوية، والتحويلات الكبرى للمياه، والالتزامات المناخية الدولية، وحماية أجزاء من الساحل ذات أهمية وطنية، والمشاريع ذات الآثار البيئية الممتدة خارج الجهة، تتطلب بطبيعتها تدخلاً وطنياً منسقاً.
وينطبق الأمر ذاته على الحماية المدنية. فالجهة يمكن أن تدير الوقاية من المخاطر وعمليات الإغاثة العادية والكوارث التي تظل آثارها ضمن المجال الجهوي. أما إذا تجاوزت الكارثة قدرات الجهة أو امتدت إلى أكثر من جهة، فتنتقل إدارة الاستجابة إلى آليات التنسيق والدعم الوطنية.
أما الموارد الاستراتيجية، فتقتضي تمييزاً أكثر دقة بين تدبير آثارها الاقتصادية والترابية وبين ممارسة السلطات السيادية المرتبطة بها. ويمكن للمؤسسات الجهوية أن تشارك، في حدود اختصاصاتها الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، في التخطيط الترابي للأنشطة المرتبطة بهذه الموارد، وأن تستفيد من آليات توزيع الإيرادات التي يحددها نظام الحكم الذاتي ومبادرة 2007. لكن الدولة تظل مسؤولة عن الالتزامات الدولية، والأمن الاقتصادي الوطني، وبقية المسائل المتصلة باختصاصاتها السيادية. ومن ثم، فإن تقاسم المنافع الاقتصادية لا يعني تقاسم السيادة على الموارد.
ويقدم النظام الإسباني مثالاً على التمييز بين المنشآت الطاقية تبعاً لنطاقها الترابي، مع احتفاظ الدولة بالأسس العامة للنظام الطاقي.[14] كما أن بانغسامورو اعتمد هيئات مشتركة متخصصة لتنسيق شؤون الطاقة والبنيات التحتية.[15] ولا تهم المقارنة هنا لذاتها، وإنما لأنها توضح أن التداخل بين المسؤوليات الوطنية والترابية يمكن إدارته بقواعد مؤسساتية واضحة بدلاً من تركه للمساومة السياسية المتكررة.
وفي السياق المغربي، يمكن أن تتولى تشكيلات قطاعية داخل «المجلس الدائم للتنسيق بين الدولة والجهة» معالجة الملفات التي تتقاطع فيها الاختصاصات، خصوصاً في مجالات الطاقة والماء والبيئة والبنيات التحتية والحماية المدنية. وبذلك تصبح المشاورات مؤسساتية ومنتظمة كلما ترتبت على ممارسة اختصاص جهوي آثار تمس مصالح أو سياسات وطنية.[16]
3. الاختصاصات المحفوظة للدولة
في المقابل، ينبغي أن تظل مجموعة من الاختصاصات وطنية حصراً لأنها تتصل مباشرة بوحدة الدولة وشخصيتها القانونية الدولية ووظائفها السيادية.
ويشمل هذا المجال، على وجه الخصوص:
الدفاع الوطني والقوات المسلحة؛
العلاقات الدبلوماسية والتمثيل الدولي للمملكة؛
إبرام المعاهدات الدولية الملزمة للدولة والتصديق عليها؛
الجنسية والهجرة واللجوء ونظام الأجانب؛
العملة والسياسة النقدية؛
الأمن الاستراتيجي والاستخبارات الخارجية ومكافحة التجسس؛
مراقبة الحدود الدولية والمجال الجوي والمجالات البحرية الواقعة تحت سيادة الدولة أو ولايتها؛
الجمارك والأنظمة الوطنية للتجارة الخارجية؛
الأسس الجوهرية للسياسة الجنائية وكل ما يحجزه الدستور للدولة؛
والاختصاصات الدستورية والدينية التي يمارسها الملك وفقاً للدستور.
غير أن احتفاظ الدولة الحصري بسلطة القرار في هذه المجالات لا يعني استبعاد المؤسسات الجهوية من كل مشاركة عملية في تنفيذ بعض السياسات داخل المجال الترابي للجهة. فالتمييز الضروري هنا هو بين سلطة التقرير السيادية، التي تبقى وطنية، وبين المشاركة الإدارية أو العملياتية التي يمكن أن تضطلع بها الجهة.
في العلاقات الدولية، مثلاً، تظل الدولة وحدها صاحبة سلطة إلزام المملكة دولياً وإبرام المعاهدات وتمثيلها دبلوماسياً. غير أن السلطات الجهوية قد تنخرط، ضمن الإطار الذي تحدده الدولة، في تعاون اقتصادي أو جامعي أو ثقافي أو بيئي مع شركاء أجانب، وأن تسهم في التنفيذ المحلي لاتفاقات دولية تمس اختصاصاتها.
وفي المجال الأمني، تبقى الدولة مسؤولة عن الأمن الاستراتيجي والاستخبارات ومكافحة التجسس والتهديدات الإرهابية والعابرة للحدود. لكن الشرطة الجهوية تستطيع، في حدود اختصاصها، نقل المعلومات إلى الأجهزة الوطنية والمشاركة في العمليات المنسقة التي تجري داخل الجهة.
وتظل مراقبة الحدود والجمارك والالتزامات الدولية ضمن الاختصاص الوطني، من دون أن يمنع ذلك المؤسسات الجهوية من إدارة بعض التجهيزات والخدمات الترابية التي تسند إليها صراحة، بشرط احترام اختصاصات الدولة في الحدود والجمارك والأمن والملاحة والبنيات الاستراتيجية.
وهكذا يظل الخط الفاصل واضحاً: يمكن للجهة أن تشارك في التطبيق الترابي لسياسات وطنية من دون أن تنتقل إليها السلطة السيادية التي تقوم عليها تلك السياسات. فالدولة وحدها تحتفظ بالقرارات التي تمس السيادة، والوحدة القانونية، والأمن الاستراتيجي، والشخصية القانونية الدولية للمملكة.
ولا يكفي، مع ذلك، تصنيف الاختصاصات في ثلاث فئات. فلكل سياسة عمومية رئيسية ينبغي أن يحدد نظام الحكم الذاتي، أو القانون التنظيمي المنفذ له، بصورة عملية: من يسن القاعدة؟ من يمول؟ من يدير؟ من يراقب؟ ومن يفصل في النزاع؟
هذه المنهجية هي التي تحول التوزيع النظري للاختصاصات إلى مسؤوليات قابلة للتطبيق، وتحد من التفسيرات المتنافسة التي يمكن أن تنشأ بين الدولة والجهة.
أما الاختصاصات التي لا يسندها النظام صراحة إلى أي مستوى، فينبغي ألا تترك بدورها في منطقة رمادية. فمبدأ التفريع والاتفاق المنصوص عليه في مبادرة 2007 يحتاج إلى صياغة أكثر دقة داخل النظام النهائي، بحيث يصبح إسناد الاختصاصات المتبقية قابلاً للتوقع وللفصل القضائي عند النزاع.[17]
ومن هنا تبرز الحاجة إلى بنية قانونية قوية لا تكتفي بتوزيع الاختصاصات، بل تحميه أيضاً.
ب. بنية قانونية من ثلاثة مستويات
لا تتوقف قوة الحكم الذاتي على حجم الاختصاصات المسندة إلى الجهة، بل على درجة الحماية القانونية الممنوحة لها. فإذا وضعت الضمانات الجوهرية في مرتبة تشريعية ضعيفة، ظل ممكناً تعديلها أو تقليصها بأغلبية سياسية عادية. أما إذا أدرج كل تفصيل إداري وتقني في الدستور، فقد يتحول النظام إلى بناء جامد يستعصي على التطور.
ومن ثم، ينبغي توزيع قواعد الحكم الذاتي على ثلاثة مستويات قانونية متكاملة: الدستور، ونظام الحكم الذاتي المتفاوض بشأنه، وقانون تنظيمي للتنفيذ
الدستور
يتولى الدستور تكريس وجود الحكم الذاتي وحماية مبادئه الأساسية. وفي مقدم هذه المبادئ انتماء الجهة إلى المملكة، ووحدة السيادة، والوحدة الترابية، والملكية الدستورية، والاختصاصات السيادية للدولة، إلى جانب الاعتراف بالمؤسسات الأساسية للحكم الذاتي وبالمرتكزات الجوهرية لاختصاصاتها.
لكن وظيفة الدستور لا ينبغي أن تمتد إلى تنظيم كل جزئية إدارية ومالية ومؤسساتية. فالدستور يرسم الإطار الأعلى، ويحصن التوازن الأساسي بين الدولة والجهة، ويحدد موقع نظام الحكم الذاتي داخل تدرج القواعد القانونية الوطنية.
نظام الحكم الذاتي
يمثل نظام الحكم الذاتي المستوى الثاني.[18] وينبثق عن التسوية المتفاوض بشأنها، ثم يدمج في النظام الدستوري وفق الشروط المعتمدة لدخوله حيز النفاذ. وفي هذا الإطار، يغدو الميثاق المؤسساتي الأساسي للجهة.[19]
ويتولى تحديد توزيع الاختصاصات، وبنية المؤسسات الجهوية، ومبادئ النظام الانتخابي، والضمانات المالية، وآليات التنسيق مع الدولة، ومساطر تسوية المنازعات، والقواعد الأساسية للمرحلة الانتقالية.
ويتعين تحديد مرتبته داخل تدرج القواعد القانونية تحديداً صريحاً. فلا ينبغي أن يعامل كقانون عادي يمكن للبرلمان الوطني تعديله وفق المسطرة التشريعية المعتادة. ومن ثم، يتعين أن يعترف الدستور بوظيفته الخاصة وأن يخضع مراجعته لمسطرة متميزة، بما يوفر له الحماية الضرورية من دون إخراجه من النظام الدستوري المغربي.
القانون التنظيمي للتنفيذ
أما المستوى الثالث فيتمثل في قانون تنظيمي يتولى تحويل المبادئ الدستورية ومقتضيات نظام الحكم الذاتي إلى قواعد عملية قابلة للتطبيق.
ويمكن أن ينظم هذا القانون الإدارات الجهوية، والمساطر الانتخابية، ونقل الموظفين والمصالح، والآليات الميزانياتية، والعلاقات اليومية بين الإدارات الوطنية والجهوية، والإجراءات اللازمة لممارسة الاختصاصات بصورة فعلية.
ويمثل القانون التنظيمي ضمانة أقوى من القانون العادي، بالنظر إلى المسطرة الخاصة التي يخضع لها في النظام الدستوري المغربي وإلى وجوب عرضه على المحكمة الدستورية قبل إصدار الأمر بتنفيذه.[20] كما أنه يسمح بتعديل الكيفيات التقنية عند الحاجة من دون إعادة فتح النظام الأساسي للحكم الذاتي بأكمله.
وتتيح هذه الهندسة تجنب خطرين متعاكسين. الأول هو الإفراط في دسترة التفاصيل بما يحول الاستقرار إلى جمود. والثاني هو الإحالة المفرطة إلى التشريع العادي بما يجعل الضمانات الجوهرية رهينة للتقلبات السياسية.
والقاعدة التي ينبغي أن تحكم التدرج بسيطة: كلما اقتربت القاعدة من جوهر التوازن بين الدولة والجهة، ارتفعت درجة تحصينها؛ وكلما تعلقت بالتدبير التقني للمؤسسات، اتسع هامش تكييفها.
ومن هنا يمكن تحديد «نواة محصنة للتسوية» تجمع، في الوقت نفسه، بين الحدود المفروضة على الحكم الذاتي والضمانات التي تجعل ممارسته حقيقية. فتشمل وحدة السيادة، وانتماء الجهة إلى المملكة، والوحدة الترابية، والملكية الدستورية، والاختصاصات السيادية للدولة، كما تشمل المؤسسات والسلطات والضمانات التي لا يمكن ممارسة الحكم الذاتي فعلياً من دونها.
وتعمل الحماية في الاتجاهين: فلا يجوز للمؤسسات الجهوية أن توسع اختصاصاتها من جانب واحد إلى مجال السيادة، كما لا يجوز للدولة أن تقلص، بقانون عادي ومن جانب واحد، الضمانات الجوهرية التي يقوم عليها الحكم الذاتي.
أما المسائل التقنية، كتكوين بعض الهيئات، والتدبير الداخلي للإدارات، وبعض طرق التمويل، ومساطر التعاون الإداري، وكيفيات نقل المصالح، فيمكن أن تتطور في ضوء التجربة من دون إعادة فتح أسس التسوية في كل مرة.
وينبغي أن تعكس مساطر التعديل المنطق نفسه. فتعديل تقني محدود يمكن أن يتم في إطار القانون التنظيمي؛ أما تعديل جوهري في توزيع الاختصاصات أو في الضمانات المؤسساتية، فيخضع للمسطرة الخاصة المنصوص عليها دستورياً أو في نظام الحكم الذاتي؛ وكل ما يمس المبادئ الدستورية يخضع بطبيعته لقواعد المراجعة الدستورية.
ويقدم القانون المقارن أمثلة مفيدة على هذا التفاوت في مستويات الحماية. ففي إسبانيا، تعد أنظمة الحكم الذاتي قواعد مؤسساتية أساسية للجماعات ذاتية الحكم، وتخضع مراجعتها لمسطرة خاصة تقتضي، في جميع الأحوال، موافقة البرلمان بموجب قانون تنظيمي.[21] أما جنوب تيرول، فيستفيد نظامه الخاص من حماية أعلى لأنه يندرج في المستوى الدستوري الإيطالي.[22] ولا يعني ذلك أن أياً من هذين النموذجين قابل للنقل بحذافيره إلى المغرب، وإنما يبين أن الاستقرار والمرونة ليسا نقيضين متى وزعت درجات الحماية بصورة عقلانية.
والهدف، في نهاية المطاف، هو حكم ذاتي ثابت في مبادئه وقابل للتطور في آليات عمله: لا تمس ضماناته الجوهرية بإرادة أحادية، ولا تتحول تفاصيله التقنية إلى أحكام جامدة تعوق قدرته على التكيف.
ج. نقل تدريجي للاختصاصات، مضبوط قانوناً ومقيد بآجال
الاعتراف القانوني باختصاص لا يعني، بالضرورة، أن يصبح قابلاً للممارسة الكاملة في اليوم التالي لدخول النظام حيز النفاذ. فإرساء حكم ذاتي متقدم يستلزم نقل موظفين ومصالح إدارية وموارد مالية وأنظمة معلومات وتجهيزات، وقد يتطلب في بعض القطاعات بناء قدرات مؤسساتية جديدة.
لذلك، يبدو التدرج في نقل بعض الاختصاصات خياراً واقعياً. فالسياحة والثقافة وبعض مجالات التكوين المهني يمكن نقلها بسرعة نسبية، بينما قد تتطلب خدمات التعليم والصحة والشرطة الجهوية والآليات المالية مراحل متعاقبة بسبب حجم الموظفين والبيانات وأنظمة المعلومات والتنسيق اللازم مع مؤسسات الدولة.
لكن التدرج ينبغي ألا يتحول إلى تأجيل مفتوح. فمنذ دخول نظام الحكم الذاتي حيز النفاذ، يتعين أن يقترن كل اختصاص يؤجل نقله بجدول زمني يحدد مراحل التنفيذ والموارد البشرية والمالية والأجل الأقصى. وبذلك يكون التأجيل إدارياً ومؤقتاً، بينما يظل أصل النقل وموعده مضمونين قانوناً.
ويتصل بذلك مبدأ لا يقل أهمية: لا معنى لنقل الاختصاص من دون نقل الوسائل اللازمة لممارسته. فإذا أسندت إلى الجهة مسؤولية مرفق ما من دون موظفيه وميزانيته وبياناته وتجهيزاته، فإن النتيجة لن تكون حكماً ذاتياً فعلياً، بل اختصاصاً شكلياً يفتقر إلى القدرة على العمل.[23]
وتتولى آلية مشتركة بين الدولة والجهة متابعة الجدول الزمني ومعالجة الصعوبات التقنية. وإذا برزت عراقيل في التنفيذ، وجب تقييمها وتعليلها داخل آلية المتابعة المقررة في النظام، حفاظاً على استمرارية عملية النقل وفعاليتها.
وفي حالة النزاع، ينبغي التمييز بين مشكلات التنفيذ التقنية، التي تعالج بالتشاور أولاً، وبين تنازع الاختصاص بالمعنى القانوني. وهذا الأخير يمكن أن يحال إلى المحكمة الدستورية إذا نص الإطار الدستوري للحكم الذاتي صراحة على هذا الاختصاص.[24] وينبغي أن يكون حق الإحالة متبادلاً بين الدولة والجهة عندما تدعي إحداهما أن الأخرى تجاوزت نطاق صلاحياتها.[25]
ولا ينبغي أن يترتب على مجرد إحالة النزاع إلى المحكمة وقف الاختصاص أو عملية نقله تلقائياً. وإذا استدعى الأمر تدبيراً مؤقتاً، فيجب أن يكون مقرراً قانوناً وخاضعاً لرقابة قضائية، حتى لا تتحول المنازعة إلى أداة للعرقلة.[26]
وهكذا يصبح التدرج وسيلة لتنظيم التنفيذ، لا ذريعة لإبقاء الحكم الذاتي في حالة انتقال دائم.
يتبع
محمد رضا نور ،
الرئيس المؤسس للمركز المغربي للدراسات اإلفريقية والتنمية المستدامة
أستاذ التعليم العالي كلية الحقوق والعلوم السياسية بفاس جامعة األخوين، إفران
[1] مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، القرار 2797 (2025)، S/RES/2797 (2025)، 31 أكتوبر 2025، الديباجة والفقرتان 2 و3. يدعم القرار مفاوضات تتخذ من المقترح المغربي أساساً لها، مع الإبقاء على متطلبي التوصل إلى حل مقبول بصورة متبادلة وضمان تقرير المصير. النص الرسمي: S/RES/2797 (2025).
[2] المملكة المغربية، «المبادرة المغربية للتفاوض بشأن نظام للحكم الذاتي لجهة الصحراء»، مرفق الرسالة المؤرخة في 11 أبريل 2007، S/2007/206، الفقرات من 5 إلى 8 ومن 12 إلى 29. والمبادرة مقترح للتسوية، ومن ثم ينبغي تمييز مقتضياتها عن أحكام القانون الداخلي النافذ حالياً.
[3] SNRT News، قصاصة لوكالة المغرب العربي للأنباء بتاريخ 17 يونيو 2026، تصريح السفير عمر هلال بشأن القرار 2797 والمشروع المطور للحكم الذاتي؛ الديوان الملكي، بلاغ 10 نوفمبر 2025 بشأن تحيين المبادرة. تثبت هذه المصادر وجود تصريحات وإعلانات علنية، لكنها لا تتيح إعادة بناء نص متفاوض بشأنه لم ينشر كاملاً.
[4] وزارة الشؤون الخارجية الفنلندية، The Special Status of the Åland Islands؛ وAct on the Autonomy of Åland, 1144/1991. تستدعى التجربة هنا لفهم العلاقة بين الاختصاصات الترابية والمشاركة الوطنية، من دون نقل نظامها اللغوي أو حق الإقامة أو وضعها الدولي الخاص أو نزع السلاح إلى النموذج المقترح.
[5] دستور المملكة المغربية لسنة 2011، الفصول 1 و71 ومن 135 إلى 146 ومن 172 إلى 175؛ القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات. فالسلطة التنظيمية والتدبير الحر المعترف بهما حالياً للجماعات الترابية لا يساويان السلطة التشريعية الجهوية التي تفترضها مبادرة حكم ذاتي مدمجة دستورياً. انظر أيضاً مبادرة 2007، الفقرات من 19 إلى 25 والفقرة 29.
[6] في 6 سبتمبر 2017 اعتمد البرلمان الكاتالوني قانوناً لتنظيم استفتاء تقرير المصير الذي أجري في 1 أكتوبر، مستنداً إلى تصور لسلطة القرار تعارض مع النظام الدستوري الإسباني. وقضت المحكمة الدستورية في 17 أكتوبر 2017 بعدم دستورية القانون وبطلانه، مؤكدة، من بين أمور أخرى، أن جماعة ذاتية الحكم لا تستطيع أن تمنح نفسها من جانب واحد سلطة تأسيسية أو أن تعيد تعريف صاحب السيادة. وبلغت الأزمة ذروتها في 27 أكتوبر مع إعلان الاستقلال داخل البرلمان الكاتالوني، وفي اليوم نفسه أجاز مجلس الشيوخ الإسباني التدابير المتخذة استناداً إلى المادة 155 من الدستور. انظر: المحكمة الدستورية الإسبانية، STC 114/2017، 17 أكتوبر 2017؛ الدستور الإسباني، المواد 1.2 و2 و155.
[7] إسبانيا، Ley Orgánica 2/2006 de Educación، المادتان 6 و6 bis بصيغتهما بعد LOMLOE؛ الدستور الإسباني، المادة 149.1.30. تحدد الدولة المضامين التعليمية الدنيا والإطار الوطني للشهادات، بينما تطور السلطات التعليمية المناهج في نطاق اختصاصاتها.
[8] الفلبين، Republic Act No. 11054، المادة IX، القسمان 16 و17، بشأن اندماج نظام التعليم في بانغسامورو ضمن النظام الوطني واحترام المعايير الوطنية ذات الصلة. ويستفاد من الآلية في تنظيم الخدمات ترابياً من دون نقل خصوصياتها الثقافية والدينية.
[9] الفلبين، Republic Act No. 11054 المؤرخ في 27 يوليو 2018، المادة V، القسم 2 (bb)، والمادة IX، القسم 22. تتناول الأحكام البرامج الصحية والمستشفيات والتنظيم الجهوي للخدمات، وتستدعى لدعم فكرة الاختصاص الترابي في التدبير، لا لتحديد التوزيع الذي ينبغي أن يعتمده النظام المغربي.
[10] إسبانيا، دستور 1978، المادة 149.1.16؛ Ley 14/1986 General de Sanidad، ولا سيما المواد 40 و41 و44 ومن 48 إلى 50؛ Ley 44/2003 de ordenación de las profesiones sanitarias. توضح هذه النصوص العلاقة بين القواعد الوطنية والتنسيق العام للنظام الصحي والممارسة الترابية لاختصاصات التدبير. أما التوزيع في الحالة المغربية فيبقى رهين النصوص المغربية الخاصة بها.
[11] تقدم كاتالونيا مثالاً متطوراً للشرطة الترابية. فالمادة 164 من نظام الحكم الذاتي تسند إلى Generalitat تنظيم Mossos d’Esquadra وتخطيط منظومة الأمن العام الكاتالونية ومراقبة السير، كما تتولى الشرطة وظائف في أمن المواطنين والنظام العام والشرطة الإدارية والقضائية والتحقيق الجنائي. انظر: Ley Orgánica 6/2006، المادة 164.
[12] تظهر التجربة الكاتالونية كذلك أهمية عدم تحويل توزيع الاختصاصات الأمنية إلى فصل مغلق بين الأجهزة. وينص النظام على Junta de Seguridad تجمع الدولة وGeneralitat لتنسيق سياساتهما الأمنية وعمل قوات الشرطة. ويمكن تكييف آلية مماثلة مع الخصوصيات المغربية من دون المساس باختصاص الدولة في الدفاع والاستخبارات الاستراتيجية وحماية الحدود. انظر: Ley Orgánica 6/2006، المادة 164.4.
[13] يسمح هذا التمييز بالتعامل بصورة مختلفة مع منشأة طاقية موجهة أساساً إلى الحاجات الترابية ومنشأة مدمجة في الشبكة الوطنية أو في الربط الدولي. ويقدم النظام الإسباني مثالاً على ذلك، إذ يميز بين المنشآت التي تمتد آثارها إلى جماعة ذاتية أخرى أو يتجاوز نقل الطاقة منها المجال الترابي، وهي حالات تدخل في اختصاص الدولة. انظر: الدستور الإسباني، المادتان 149.1.22 و149.1.25.
[14] يسمح النظام الإسباني للجماعات ذاتية الحكم بممارسة صلاحيات تتعلق بمنشآت إنتاج الطاقة وتوزيعها ونقلها عندما تظل آثارها داخل المجال الترابي، بينما تحتفظ الدولة بالأسس العامة للنظام الطاقي وتتدخل عندما يتجاوز التشغيل أو النقل ذلك المجال. انظر: الدستور الإسباني، المادتان 149.1.22 و149.1.25؛ Ley Orgánica 9/1992، المادة 11.
[15] الفلبين، Republic Act No. 11054، المادة VI، القسمان 6 و7، بشأن Intergovernmental Infrastructure Development Board وIntergovernmental Energy Board.
[16] المرجع نفسه، المادة VI، الأقسام من 2 إلى 7. وفي الصيغة المقترحة في الدراسة، تندرج التشكيلات القطاعية داخل المجلس الدائم للتنسيق بين الدولة والجهة منعاً لتكاثر الهيئات الدائمة.
[17] مبادرة 2007، S/2007/206، الفقرة 17، التي تقر ممارسة الاختصاصات غير المسندة صراحة باتفاق مشترك وعلى أساس مبدأ التفريع. ويحتاج النظام النهائي إلى تحويل هذا التوجيه إلى قاعدة دقيقة لتحديد الاختصاصات المتبقية على نحو يسمح بالفصل القضائي فيها عند النزاع.
[18] مبادرة 2007، S/2007/206، الفقرة 29. أما اعتبار نظام الحكم الذاتي ميثاقاً مؤسساتياً أساسياً ومنحه حماية خاصة في تدرج القواعد القانونية فهما خياران مقترحان لصياغة التسوية قانوناً.
[19] ينبغي تحديد مرتبة نظام الحكم الذاتي صراحة في المنظومة القانونية المغربية. وعلى سبيل المقارنة، يصف الدستور الإسباني أنظمة الحكم الذاتي بأنها القواعد المؤسساتية الأساسية للجماعات ذاتية الحكم، ويشترط أن تحدد، من بين أمور أخرى، تنظيم مؤسساتها واختصاصاتها. انظر: الدستور الإسباني، المادة 147.
[20] ينص الدستور المغربي على مسطرة خاصة للقوانين التنظيمية وعلى إحالتها وجوباً إلى المحكمة الدستورية قبل إصدار الأمر بتنفيذها. وبالنسبة إلى القوانين التنظيمية المتعلقة بالجماعات الترابية، يقرر الفصل 85 أيضاً قاعدة أغلبية خاصة. انظر: دستور المملكة المغربية لسنة 2011، الفصلان 85 و132.
[21] ينص الفصل 147 من الدستور الإسباني على أن تعديل نظام الحكم الذاتي يتم وفق المسطرة المنصوص عليها فيه، ويتطلب في جميع الأحوال موافقة Cortes Generales بموجب قانون تنظيمي، بما يمنع تعديله بالطريقة نفسها التي يعدل بها قانون عادي.
[22] يعترف الفصل 116 من الدستور الإيطالي لمنطقة ترينتينو ألتو أديجي/جنوب تيرول بأشكال خاصة من الحكم الذاتي ينظمها نظام خاص ذي مرتبة دستورية. وتكمن أهمية المثال في درجة الحماية القانونية، لا في إمكان نقل النموذج الإيطالي برمته.
[23] الفلبين، Republic Act No. 11054، المادة XVI، الأقسام 6 و10 و11، بشأن خطة الانتقال ونقل السلطات والممتلكات والموظفين والوظائف، مع التمييز بين خلافة الإدارة السابقة وبين الوظائف المنقولة من المصالح الوطنية.
[24] تعهد أنظمة ترابية عدة إلى القضاء الدستوري بالفصل في تنازع الاختصاص. ففي إسبانيا تختص المحكمة الدستورية بالنزاعات بين الدولة والجماعات ذاتية الحكم وبين الجماعات نفسها. وفي بلجيكا تراقب المحكمة الدستورية احترام قواعد توزيع الصلاحيات بين الدولة الاتحادية والمجتمعات والجهات. انظر: الدستور الإسباني، المادة 161.1 c؛ والدستور البلجيكي، المادة 142.
[25] تمثل المعاملة بالمثل ضمانة مهمة. ففي إيطاليا يجوز للحكومة الطعن في قانون جهوي إذا رأت أنه تجاوز اختصاص الجهة، كما تستطيع الجهة الطعن في قانون للدولة أو لجهة أخرى إذا اعتبرته معتدياً على مجال صلاحيتها. انظر: الدستور الإيطالي، المادة 127.
[26] يقدم القانون الإسباني مثالاً على التأطير القضائي للوقف. فوفق المادة 161.2 من الدستور، يؤدي طعن الحكومة في بعض أحكام أو قرارات أجهزة جماعة ذاتية الحكم إلى وقفها، لكن المحكمة الدستورية ملزمة بتأكيد الوقف أو رفعه خلال أجل أقصاه خمسة أشهر. وتختلف هذه التلقائية عن الخيار المقترح هنا، الذي يجعل الوقف تدبيراً خاضعاً لتقدير قضائي لا أثراً آلياً لكل إحالة.






