فن وإعلام

دفاعا عن القراءة: صناديق الاقتراع والذكاء العمومي (10)

سعيد ناشيد (كاتب)

الديمقراطية لا تضمن أن تكون الأغلبية على صواب، لكنها تراهن على ذلك. وقد أجرى كوندورسيه حساب هذا الرهان في «مقالة في تطبيق التحليل على احتمال القرارات المتّخذة بأغلبية الأصوات» (1785)، بعد سنة واحدة من مقالة كانط عن التنوير. وخلاصة حسابه: إذا كان كلّ مصوّت أقرب إلى الصواب منه إلى الخطأ، وكان يحكم برأيه لا برأي غيره، اقتربت الأغلبية من اليقين كلّما اتّسع عددها؛ أمّا إذا كان أقرب إلى الخطأ، فإنّ اتّساع العدد لا يزيدها إلّا ضلالًا. فصندوق الاقتراع لا يصنع الحكمة، بل يضاعف ما يجده في العقول: يضاعف الفطنة إن سادت، والغفلة إن غلبت. ولم يكتفِ كوندورسيه بالحساب؛ ففي سنة 1792 قدّم إلى الجمعية التشريعية مشروعه في تنظيم التعليم العمومي، ممّا يدلّ على أنّه أدرك في ختام الحساب أنّ الرهان الديمقراطي يُكسَب في المدرسة قبل صناديق الاقتراع.

وما يجده الصندوق في العقول هو ما أسمّيه الذكاء العمومي. ليس هو مجموع ذكاء الأفراد، بل قدرتهم المشتركة على متابعة الحجّة إلى آخرها، وعلى التمييز بين الدليل والضجيج، وعلى احتمال التعقيد دون الهروب إلى الشعارات، وعلى تغيير الرأي حين يتغيّر الدليل، وعلى طلب التوضيح وتدبير التوافقات. وهي قدرات لا تولد مع المواطن، بل تُكتسب بالتعليم والمعرفة، وبالقراءة الصامتة أساسًا؛ ففيها يتمرّن العقل على اختبار الحجج بمعزل عن نبرات الصوت التي قد تُغلِّب الانفعال على الفهم. قارئ النصّ يجلس وحده أمام حجج متدرّجة لا تستعجله، فيتعلّم بهدوء كيف يلجم التسرّع في إصدار الأحكام، ويكتسب النفَس الطويل في التفكير والإنصات والانتباه.

اليوم يُطلب من المواطن أن يبتّ في قضايا بالغة التعقيد، كالمناخ والأوبئة والذكاء الاصطناعي، بانتباه قصير النفَس. والشاشة التي تُضعف الانتباه تُضعف الديمقراطية من أساسها. وثمّة حساب آخر يعيدنا إلى الشرط الثاني عند كوندورسيه: من تلقّوا الانفعال نفسه في اللحظة نفسها لا يصوّتون بمليون رأي، بل برأي واحد مكرّر مليون مرّة. الجمهور الذي لا يقرأ لا يتفاعل بل ينفعل، ولا يختار بل يُستدرَج. لهذا ليس الدفاع عن القراءة دفاعًا عن هواية، بل عن الشرط المعرفي للديمقراطية: فالشعب الذي يريد أن يحكم نفسه عليه أن يفكّر بنفسه.