سياسة واقتصاد

لا بد من شهادة صحة عقلية لتقلد المناصب السياسية !

جلال المخفي (صحفي)


سؤال يراودني بكامل الجدية، ممزوجا بجرعة من التهكم والسوداوية التي تفرضها علينا مفارقات هذا الواقع: لماذا يفرض المشرع المغربي على الوزراء، النواب، والمستشارين الجماعيين، القضاة، وكبار الموظفين، الخضوع الصارم لنظام "التصريح الإجباري بالممتلكات" ومراقبة حساباتهم البنكية وعقاراتهم, بينما لا يطلب منهم قط "تصريحا إجباريا بسلامة القوى العقلية والنفسية" قبل اعتلاء الكراسي وتسيير شؤون العباد؟


إن القانون يشترط للترشح والتعيين شروطا تقليدية نمطية مثل السن، والجنسية، والتمتع بالحقوق المدنية والسياسية مع خلو السجل العدلي من السوابق، لكنه يترك الباب مفتوحا، بكل أريحية، أمام أي اعتلال نفسي ليمسك بمقود إدارة مدينة أو ليشرع القوانين لأمة كاملة.


هذا الخوف ليس مجرد هواجس عابرة أو سوداوية، بل تنعشه حقائق مريرة من ذاكرتنا السياسية القريبة؛ إذ لا يمكن أن ننسى التصريح الصادم لوزير الصحة الأسبق، البروفيسور الحسين الوردي، من تحت قبة البرلمان نفسه، حين كشف رسميا أن حوالي نصف المغاربة يعانون أو عانوا من اضطرابات نفسية مختلفة.


وإذا أسقطنا هذه التقديرات (48٪) إحصائيا وبشكل ديمقراطي عادل على المؤسسة التشريعية، (وهو الأمر الذي قام به الوردي فعلا حينها) فإن نصف أعضاء مجالسنا الموقرة هم بالضرورة امتداد طبيعي وخلفية وفية لهذه الأرقام الصادمة.


وما يؤكد هذا الطرح ويزيده قتامة، ما عشناه سابقا من وقائع تمثلت في تسريب وثائق وشواهد طبية تفيد بمعاناة مسؤول سابق عن تدبير عاصمة البلاد من اضطرابات نفسية حادة وثابتة "بالأوراق والملفات الرسمية"، ورغم ذلك كان يمارس سلطته في تسيير مدينة بحجم الرباط وتوجيه مصير سكانها.


إنه لأمر مضحك مبك؛ فالدولة حريصة كل الحرص على التأكد من أن جيب المسؤول لم يتسع بشكل غير مشروع، لكنها لا تملك أدنى فكرة عما إذا كان عقله يتسع لاتخاذ قرار مصيري بوعي كامل، أم أنه يرزح تحت تأثير نوبات تمنعه من التمييز السليم. يبدو أننا في حاجة ماسة لمراجعة المنظومة القانونية وجعل "الشهادة النفسية" شرطا أساسيا للأهلية، على الأقل لنعرف كمواطنين ما إذا كنا نقاد بحكمة السياسة ورصانتها، أم بهواجس المصحات وتقلباتها.