لماذا يصر البعض على تقديم قراءات متعددة لبلاغ الديوان الملكي اليوم وكلها قراءات ناقصة؟ منهم من قال إنه رفض لأسماء معينة، ومنهم من قال إنه تقريع لرئيسة الحكومة، ومنهم من قال إنه تعثر في المشاورات، ولم يقرأه أحد قراءة مؤسساتية رزينة كما كتب، لماذا لم يقرأه أحد على أنه حرص ملكي مواكب لدقة المرحلة وعلى تتبع دقيق لمسار تشكيل حكومة الملك؟
الجواب بسيط، لأن هناك من لا يفهم القصر إلا بمنطق الإثارة، وهناك من يريد أن يخيف الناس لا أن يشرح لهم.
لو كان البلاغ رفضا لأسماء، لما صدر بهذه الصيغة، أعراف القصر واضحة ومستقرة منذ عقود، حين يتحفظ الملك على اسم أو مسار، فهو لا يعلن ذلك في بلاغ، بل يبلغ المعني بالأمر مباشرة في إطار واجب التحفظ والسرية التي تحكم العلاقة بين الملك ورئيس الحكومة المكلفة، الملك لا يفضح ولا يشهر، الملك يوجه في صمت، فمن يروج لفكرة الرفض لا يعرف أبجديات العمل المؤسساتي، بلاغ الرفض لا يكون علنيا، بلاغ التتبع هو الذي يكون علنيا، وما صدر اليوم هو بلاغ تتبع بامتياز.
ولو كان تقريعا لرئيسة الحكومة، كما يروج بعض المراهقين سياسيا، لما جاءت فيه عبارة "أعرب الملك عن متمنياته لها بالتوفيق والنجاح في مهمتها"، التقريع في قاموس القصر لا يكون مقرونا بالتمني بالتوفيق، التقريع يكون بالصمت، بعدم الاستقبال، بتأخير المسار، أما الاستقبال في حد ذاته فهو تزكية وتشجيع، فالملك حين يستقبل رئيسة حكومته المكلفة ليطلع على المراحل التي قطعتها، فهو يقول لها أمام الرأي العام، أنت تشتغلين تحت رعايتي، وتحت تتبعي، وأنا معك في مسارك، وهذا هو عكس التقريع تماما، هذا هو الدعم المؤسساتي في أرقى صوره.
القراءة الحقيقية التي تهرب منها التحليلات الصغيرة هي أن البلاغ رسالة ملكية واضحة لمن يظن أن الاستوزار حق مكتسب لأنه قريب من دائرة معينة أو جهة معينة أو لأنه يملك مالا أو جريدة أو حزب، البلاغ يقول بصريح العبارة، الحكومة تشكل باقتراح من رئيسة الحكومة وتعيين من الملك، ولا أحد بينهما، لا وسطاء ولا أبواب خلفية ولا هاتف من هنا أو هناك، حين يقول الديوان الملكي إن الاستقبال يندرج في إطار الصلاحيات الدستورية للملك وحرصه على ضمان حسن سير المؤسسات، فهو يذكر الجميع أن المؤسسة الوحيدة التي تمنح الشرعية للحكومة هي المؤسسة الملكية، لا دوائر الضغط ولا مجموعات المصالح، وهذا هو المعنى العميق لعبارة "تعبئة شاملة وأداء جاد ومسؤول"، معناها أن معيار الاستوزار هو الجدية والقدرة على التعبئة، لا القرب من فلان أو علان.
وهناك رسالة أخرى أبلغ، رسالة تبعث بها السيدة فاطمة الزهراء المنصوري نفسها من خلال هذا الاستقبال، رسالة مفادها بالعامية المغربية التي يفهمها الجميع "سأرجع للملك في الشادة والفادة"، في كل كبيرة وصغيرة، وهذه هي قمة الرزانة السياسية، رئيسة حكومة مكلفة لا تتصرف كزعيمة حزب تريد أن تفرض أمرا واقعا، بل كرجل دولة يعرف أن المرجع الوحيد والحكم الوحيد هو الملك، هي بذلك تقطع الطريق على كل من كان يريد أن يبتزها أو يضغط عليها، تقول لهم، أنا لا أشكل الحكومة في مقرات الأحزاب، أشكلها تحت أنظار الملك، وكل خطوة أعرضها على الملك، وكل مرحلة أطلع عليها الملك، وهذا هو الفرق بين من يحترم المؤسسات ومن يستعمل المؤسسات.
المغاربة يجب أن يفهموا أن بلاغ اليوم هو ممارسة مؤسساتية راقية، الملك يمارس دوره كضامن لحسن سير المؤسسات، ورئيسة الحكومة تمارس دورها كمسؤولة تحترم المؤسسة وتعود إليها في كل خطوة، وهذا هو النموذج الذي يريده المغرب، نموذج الولاء المؤسساتي لا الولاء الشخصي، نموذج الحكومة التي تولد في القصر بثقة ملكية لا في الكواليس بضغوط حزبية.
أما من يصر على قراءة الرفض والتقريع والعرقلة، فهو إنما يعبر عن عقده، لأنه كان ينتظر أن يكون قريبا من الحكومة بمنطق القرب، فجاء البلاغ ليقول له إن القرب الوحيد المعترف به هو القرب من حب الوطن ومن خدمة الملك، وكل قرب آخر لا قيمة له في قاموس القصر.






