تحليل

حكومة المنصوري أمام اختبار الكفاءة: هل تعيد الرسالة الملكية ترتيب معايير الاختيار الوزاري؟

إبراهيم الخياطي (باحث في الثقافة البصرية والوساطة الرقمية)

لم يعد النقاش حول تشكيل الحكومة المغربية الجديدة مقتصراً على توزيع الحقائب الوزارية بين الأحزاب الأربعة المشكلة للأغلبية، بل اتسع ليشمل سؤالاً أكثر عمقاً يتعلق بمعايير اختيار الوزراء، وحدود التوفيق بين الترضيات السياسية ومتطلبات الكفاءة، ومدى قدرة الفريق الحكومي المقبل على الاستجابة لانتظارات المواطنين في مرحلة تتزايد فيها الضغوط الاقتصادية والاجتماعية.

وفي هذا السياق، يكتسب البلاغ الصادر عن الديوان الملكي بشأن استقبال فاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة الحكومة المعينة، أهمية سياسية ومؤسساتية، بالنظر إلى ما تضمنه من تشديد على ضرورة التعبئة الشاملة والأداء الحكومي الجاد والمسؤول، في ضوء التحديات التي تواجه البلاد والانتظارات المعقودة على الحكومة المقبلة.

غير أن القراءة التحليلية لهذا البلاغ تقتضي التمييز بين الرسائل الواردة فيه والتأويلات المتداولة بشأن كواليس تشكيل الحكومة. فالحديث عن رفض القصر لائحة وزارية أولى، أو إعادتها بسبب غلبة الاعتبارات الحزبية على معايير الكفاءة، يظل ادعاءً يحتاج إلى تأكيد من مصدر موثوق، ولا يجوز تقديمه باعتباره حقيقة ثابتة ما لم يرد بشأنه دليل واضح.

تشكيل الحكومات في الأنظمة الديمقراطية يقوم، في الأصل، على التوفيق بين نتائج الانتخابات والتوازنات البرلمانية من جهة، ومتطلبات التدبير العمومي من جهة أخرى. فالأحزاب التي تشارك في الأغلبية تسعى إلى ترجمة وزنها السياسي إلى حضور داخل الحكومة، بينما تفرض المسؤولية الحكومية اختيار أشخاص قادرين على إدارة القطاعات التي ستُسند إليهم.

وتظهر الصعوبة عندما يتحول توزيع الحقائب إلى غاية في حد ذاته، بدلاً من أن يكون وسيلة لبناء فريق منسجم يمتلك رؤية مشتركة وقدرة على التنفيذ. ففي هذه الحالة، قد يصبح التوازن بين الأحزاب أهم من طبيعة الملفات المطروحة، وقد تتقدم الحسابات التنظيمية على الخبرة القطاعية أو القدرة على اتخاذ القرار.

لكن اختزال المسألة في ثنائية بسيطة بين السياسي والتقني ليس دقيقاً بدوره. فالوزير ليس خبيراً تقنياً فحسب، بل مسؤول سياسي مطالب بتحديد الأولويات، وتدبير الموارد، والتنسيق مع المؤسسات، وتحمل المسؤولية أمام البرلمان والرأي العام. لذلك، فإن معيار الاختيار الأكثر أهمية هو الجمع بين الكفاءة التدبيرية والحس السياسي والنزاهة والقدرة على تحقيق نتائج قابلة للتقييم.

تكمن أهمية الرسائل الرسمية المرتبطة بتشكيل الحكومة في أنها تضع المسؤولية العمومية ضمن إطار أوسع من الحسابات الحزبية اليومية. فالحكومة المقبلة لن تُقاس فقط بمدى تمثيلها لمكونات الأغلبية، وإنما أيضاً بقدرتها على مواجهة ملفات ثقيلة، في مقدمتها البطالة، والقدرة الشرائية، وجودة الخدمات الصحية والتعليمية، والتفاوتات المجالية.

كما أن الدعوة إلى الجدية والمسؤولية تفتح المجال أمام نقاش حول العلاقة بين الاختيار الوزاري والنتائج المنتظرة. فالوزير الذي يتولى قطاعاً حيوياً لا يُفترض أن يكون مجرد ممثل لحزبه داخل الجهاز التنفيذي، بل مسؤولاً عن تنفيذ سياسة عمومية لها أهداف وميزانية وآجال، ويجب أن تكون نتائجها قابلة للمساءلة.

ومن هنا، فإن القيمة العملية لأي توجيه بشأن الأداء الحكومي ستظهر في كيفية ترجمته إلى معايير واضحة للاختيار والتقييم، وفي مدى ارتباط المسؤولية الوزارية بالإنجاز الفعلي، وليس فقط بالتصريحات أو الوعود.

يكتسب النقاش حول الكفاءة أهمية أكبر عندما نضعه أمام الوعود الانتخابية التي تنتظر التنفيذ. فخلق فرص الشغل، وتحسين الأجور، وتوسيع الحماية الاجتماعية، وتخفيف أعباء المعيشة، ليست ملفات يمكن معالجتها بمجرد اختيار أسماء تحظى بالقبول السياسي؛ إنها تتطلب سياسات متكاملة، وموارد مالية، وتنسيقاً بين القطاعات، وآليات للمراقبة والتقييم.

ففي ملف التشغيل، على سبيل المثال، لا يكفي الإعلان عن أهداف رقمية كبيرة، بل يجب تحديد القطاعات القادرة على خلق فرص عمل مستدامة، والتمييز بين المناصب الدائمة والعمل الموسمي، وقياس أثر البرامج الحكومية على معدل البطالة وجودة الأجور.

وفي مجال الصحة والتعليم، لا تتوقف النتائج على هوية الوزير وحدها، بل ترتبط كذلك بالميزانيات المخصصة، وتدبير الموارد البشرية، والحكامة، وتوزيع الخدمات بين المدن والمناطق البعيدة. أما في ما يتعلق بالقدرة الشرائية، فإن أي وعود بتحسين الدخل أو توسيع الدعم يجب أن تُربط بكلفة التمويل وبالآثار المحتملة على الأسعار والمالية العمومية.

لهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس فقط من سيشغل الحقائب الوزارية، بل ما إذا كان كل مسؤول سيصل إلى منصبه على أساس مهام محددة وأهداف قابلة للقياس، وما إذا كانت الحكومة ستقبل بإخضاع حصيلتها لتقييم دوري واضح.

بين شرعية الأحزاب وفعالية الدولة

لا ينبغي أن يتحول الحديث عن الكفاءة إلى دعوة لإلغاء الدور السياسي للأحزاب، كما لا ينبغي أن تتحول الشرعية الانتخابية إلى مبرر لتقديم الولاء التنظيمي على متطلبات التدبير الجيد. فالأحزاب تشكل جزءاً أساسياً من الوساطة الديمقراطية، ونتائج الانتخابات تمنحها موقعاً في بناء الأغلبية، لكن المسؤولية الحكومية تفرض عليها أيضاً اختيار أشخاص قادرين على تحمل أعباء القطاعات التي يدبرونها.

والتحدي الحقيقي أمام الأغلبية الرباعية هو إثبات أن اختلاف المرجعيات الحزبية لن يتحول إلى تنافس على المواقع على حساب البرنامج الحكومي. فالحكومة المنسجمة ليست بالضرورة حكومة تتكون من أشخاص ينتمون إلى التوجه نفسه، وإنما حكومة تتفق مكوناتها على أولويات واضحة، وتحدد مسؤوليات كل قطاع، وتملك آليات لحل الخلافات دون تعطيل القرارات.

ومن شأن اعتماد معايير شفافة في اختيار الوزراء وتقييم أدائهم أن يعزز الثقة في المؤسسات، ويجعل النقاش حول الأسماء أقل ارتباطاً بالتسريبات وأكثر ارتباطاً بالخبرة والنزاهة والنتائج.

إن تشكيل الحكومة المقبلة يشكل لحظة اختبار للأغلبية الجديدة، لكنه أيضاً اختبار لمفهوم المسؤولية العمومية في حد ذاته. فالتوازنات الحزبية تفسر جانباً من كيفية توزيع المسؤوليات، غير أنها لا تكفي وحدها لتبرير الاختيارات أو ضمان نجاحها.

وإذا كان التشديد الرسمي على الجدية والمسؤولية يضع الأداء الحكومي في صلب الاهتمام، فإن التحدي يتمثل في تحويل هذا المبدأ إلى ممارسة مؤسساتية: اختيار على أساس الكفاءة، وتدبير وفق أهداف واضحة، ومحاسبة على النتائج، وشفافية في تقييم ما تحقق وما تعثر.

في نهاية المطاف، لن يحسم الجدل حول الحكومة الجديدة عدد الأسماء التي تتغير، ولا طبيعة الانتماءات الحزبية للوزراء، بل ما إذا كانت الاختيارات ستنتج أداءً أفضل في القطاعات الحيوية، وما إذا كان المواطن سيلاحظ فرقاً في فرص الشغل، وجودة الخدمات، والقدرة على العيش الكريم.