من لا يفهم قاعدة الاستيعاب لا يفهم كيف يحكم المغرب، الدول الأخرى تواجه الأفكار المعارضة بالقمع أو بالتجاهل فتنفجر في وجهها، أما الدولة المغربية، فتواجه الفكرة بتبنيها، تجردها من حدتها، وتحولها إلى سياسة عمومية، هذه هي الحكمة التي ضمنت للمغرب استمراريته لاثني عشر قرنا، أن العرش لا يعتبر نفسه حزبا ضد حزب، بل هو الحاضن لكل الأحزاب، والمظلة لكل الأفكار.
وقد تكرر هذا المشهد كثيرا، حدث مع الحركة الوطنية التي طالبت بالاستقلال فتبناها محمد الخامس وجعلها مشروع عرش، وحدث مع الحركات الإسلامية التي طالبت بالهوية فتبناها الحسن الثاني وأمير المؤمنين وجعلها في صلب الدستور، واليوم يحدث نفس الشيء مع أطروحة اليسار حول العدالة الاجتماعية.
ولنعترف بهدوء، اليسار المغربي، منذ الاتحاد الوطني للقوات الشعبية إلى الاتحاد الاشتراكي إلى التقدم والاشتراكية وإلى اليسار الجديد، كان يحمل تشخيصا صحيحا، كان يقول منذ الستينيات، إن الاستقلال السياسي بدون عدالة اجتماعية يظل ناقصا، وإن التنمية التي لا تصل إلى الفقراء ليست تنمية، وإن المدرسة والمستشفى ليسا قطاعين كباقي القطاعات، بل هما أساس الشرعية، وأن ترك السوق بدون ضوابط أخلاقية يخلق مغربين، مغرب يستفيد ومغرب يدفع الثمن.
هذا التشخيص كان صحيحا، لكن اليسار لم يكن يملك أداة التنفيذ، كان في المعارضة، صوته عال لكن يده قصيرة، وظل يرفع نفس المطالب لخمسين سنة.
وفي المقابل، الدولة المغربية في بداية الثمانينيات كانت على حافة الإفلاس، المديونية بلغت 90% من الناتج الداخلي، خزينة فارغة، وكان لا بد من قرارات قاسية، دخلنا برنامج التقويم الهيكلي مع صندوق النقد الدولي، خوصصنا مؤسسات كبرى، حررنا الأسعار، جمدنا التوظيف، قلصنا الدعم، هذه القرارات أنقذت الدولة من الانهيار المالي، وحافظت على استقرار الدرهم وعلى ثقة المستثمرين، وهذا يحسب لها.
لكن لكل دواء أعراض جانبية، الأعراض كانت اجتماعية، تراجعت الخدمات العمومية، اتسعت الفوارق، ظهر إحساس لدى فئات واسعة بأن الدولة التي كانت تحمي أصبحت تحاسب، وأن منطق الربح سبق منطق الكرامة، وهذا الاحتقان هو الذي مهد لأحداث اجتماعية كثيرة، وبلغ ذروته في سياق 2011 وما بعده.
وهنا يأتي دور العرش كقارئ استراتيجي، جلالة الملك محمد السادس التقط أن الأزمة ليست مغربية فقط، بل هي أزمة عالمية، فحتى في قلب الرأسمالية، في الولايات المتحدة وأوروبا، بدأوا بعد أزمة 2008 يتحدثون عن عودة الدولة، عن الحاجة إلى حماية اجتماعية، عن فشل السوق وحده في ضمان الاستقرار.
فجاءت الخطب الملكية الحاسمة في 2020 و2021، ليقول الملك بعبارة واضحة، النموذج التنموي السابق وصل إلى مداه، لا يمكن أن نستمر بنموذج ينتج الأرقام ولا ينتج العدالة، ولا بد من نموذج جديد، وأطلق المفهوم المفتاحي، الدولة الاجتماعية.
ما هي الدولة الاجتماعية؟ هي ببساطة أطروحة اليسار وقد نزعت عنها لغة الصراع الطبقي وأصبحت مشروع ملك، هي أن الدولة تعود لتضمن الحد الأدنى من الكرامة لكل مواطن، ليس كصدقة بل كحق دستوري.
تعميم التغطية الصحية الإجبارية لأكثر من 22 مليون مغربي إضافي، السجل الاجتماعي الموحد الذي أنهى زمن الريع والزبونية في الدعم، الدعم الاجتماعي المباشر لأكثر من 4 ملايين أسرة، إصلاح المدرسة العمومية عبر خارطة الطريق، إصلاح المستشفى العمومي، كل هذه الأوراش كانت عناوين في بيانات اليسار، أصبحت اليوم مراسيم وقوانين وميزانيات تفوق 40 مليار درهم سنويا.
وبهذا قام العرش بعملية استيعاب عبقرية، سحب البساط من أزمتين، سحب البساط من أزمة اليسار الذي وجد الملك يطبق برنامجه أكثر منه، فلم يعد لديه مبرر للبقاء في المعارضة العدمية، وسحب البساط من أزمة النيوليبرالية التي كانت تهدد بانفجار اجتماعي، لأنه أعاد للدولة وجهها الحامي.
وهنا نصل إلى المستجد الأهم الذي يفسر عنوان مقالنا، الأغلبية الحكومية الحالية بتركيبتها، الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية.
يجب أن نقرأ هذه التركيبة بعيون رجل الدولة لا بعيون الحساب الحزبي الضيق.
أغلبية 2021، المشكلة من التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة والاستقلال، كانت أغلبية التأسيس القانوني، مهمتها كانت تقنية بامتياز، إخراج القوانين المؤسسة، بناء السجل الاجتماعي الموحد، تمرير قانون الإطار للحماية الاجتماعية، إصلاح المقاصة، وقد نجحت في ذلك رغم كل الصعوبات، لأنها كانت أغلبية إدارية منسجمة.
أما اليوم فنحن أمام مرحلة ثانية أكثر عمقا، مرحلة التثبيت السياسي والرمزي، والدولة الاجتماعية لكي تستمر لا تحتاج فقط إلى قوانين، بل تحتاج إلى إجماع وطني، تحتاج إلى أن يشعر كل مغربي أن هذا المشروع يمثله، وهنا كان لا بد من توسيع القاعدة.
دخول الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ليس مجرد مقعد وزاري، هو مصالحة تاريخية كبرى، هذا الحزب الذي أسسه المهدي بن بركة وعبد الرحيم بوعبيد، الذي عاش السجون والمنافي، الذي كان يعتبر نفسه حامل مشروع الدولة العادلة، يأتي اليوم ليقول، إن الدولة التي كنت أعارضها بالأمس من أجل العدالة، أصبحت اليوم تطبق العدالة، فلماذا أبقى خارجها؟ وجود الاتحاد الاشتراكي داخل أغلبية الدولة الاجتماعية يمنح هذا الورش شرعية نضالية وتاريخية لا تقدر بثمن، كأن الدولة تقول للمواطن البسيط، حتى المعارض التاريخي اقتنع بأننا في الطريق الصحيح، وهذا يقوي الثقة.
دخول حزب التقدم والاشتراكية هو الضمير الفكري لهذه الأغلبية، هذا الحزب الذي يحمل إرث الحركة الشيوعية واليسارية المغربية، وجوده داخل الحكومة هو صمام أمان، هو الذي سيذكر كل يوم بأن الدولة الاجتماعية ليست مجرد أرقام، بل هي فلسفة، وأن الدعم المباشر ليس منة من الحكومة بل حق للمواطن، وأن المدرسة والمستشفى العموميين ليسا عبئا على الميزانية بل هما الاستثمار الحقيقي، فوجوده يضمن التوازن بين النجاعة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، ويمنع أي انزلاق نحو ليبرالية متوحشة مقنعة.
أما الأصالة والمعاصرة والاستقلال فهما يمثلان ركيزتي التنزيل والاستمرارية، الأصالة والمعاصرة بما يضمه من كفاءات تدبيرية شابة وقدرة على تحويل الرؤية الملكية إلى برامج عملية على الأرض، والاستقلال بما يمثله من عمق وطني تاريخي وقيم التضامن والتكافل التي نادى بها علال الفاسي منذ كتابه النقد الذاتي، والتي تشكل الجذور الثقافية والأخلاقية للدولة الاجتماعية المغربية الأصيلة، فالدولة الاجتماعية في المغرب ليست مستوردة من الشمال، بل هي امتداد لقيم التويزة والتعاضد في ثقافتنا.
إن هذه الأغلبية الرباعية المتنوعة، التي تجمع بين اليمين الوطني والوسط واليسار، هي في جوهرها حكومة وحدة وطنية اجتماعية مصغرة، رسالتها للداخل والخارج واضحة.
للداخل تقول، إن زمن الصراع الإيديولوجي انتهى، اليوم لا يهمنا من أنت، يساري أو يميني، محافظ أو حداثي، المهم هل أنت مع الدولة الاجتماعية التي تحمي الفقراء؟ وهذا هو العقد الاجتماعي الجديد، عقد لم يعد يقول، الدولة توفر الأمن وأنت عليك بالصبر، بل يقول، الدولة تضمن لك الكرامة من المهد إلى اللحد، عبر الصحة والتعليم والدعم، وأنت تضمن انخراطك في بناء الوطن.
وللخارج تقول،إن المغرب في إقليم يموج بالانقلابات والاحتجاجات الاجتماعية، اختار طريقا ثالثا، لا هو طريق القمع ولا هو طريق الفوضى، بل طريق الاستباق، أن يستوعب المطلب قبل أن يتحول إلى أزمة، وأن يجمع كل عائلاته السياسية حول الملك.
إن ما فعله العرش هو درس في علم السياسة، أخذ من اليسار قلبه الاجتماعي، ومن اليمين عقله التدبيري، ومن الوسط توازنه، وصهرها في بوتقة واحدة اسمها الدولة الاجتماعية، دولة قوية لأنها عادلة، وعادلة لأنها قوية.
وهكذا يكون المغرب قد أنقذ الرأسمالية من نفسها، وأنقذ اليسار من تهميشه، وأنقذ المجتمع من الانفجار، وتلك هي هندسة الاستقرار التي لا يتقنها إلا عرش يفكر بمنطق القرون لا بمنطق الولايات الحكومية، عرش مهمته أن لا يترك أحدا من أبنائه على قارعة الطريق.






