ماذا تريد الأمم المتحدة وواشنطن، وما حدود الممكن في المرحلة الجديدة؟"
لم يعد من الممكن فهم ملف الصحراء الغربية من خلال التصريحات الدبلوماسية المنفردة أو الاكتفاء بتعداد المواقف التقليدية للأطراف. فالتحولات التي شهدها المسار السياسي، وتزايد التركيز الأمريكي على مقترح الحكم الذاتي المغربي، ومواصلة الأمم المتحدة البحث عن تسوية نهائية، تفرض قراءة أعمق لطبيعة المرحلة الراهنة. لم يعد السؤال مقتصراً على أي الأطراف يحظى بدعم دولي أوسع، بل أصبح يتعلق أيضاً بما إذا كان هذا الدعم قادراً على إنتاج تسوية قابلة للتفاوض والتنفيذ، وما المعايير القانونية والسياسية التي ستحدد مضمونها وحدودها.
في هذا السياق، تكتسب تقارير الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، وتحركات مبعوثه الشخصي ستافان دي ميستورا، وتصريحات المستشار الأمريكي مسعد بولوس، أهمية تتجاوز مضمونها المباشر. فهي تكشف عن تفاعل ثلاث مسارات متوازية: مسار أممي يبحث عن حل سياسي نهائي، ومسار أمريكي يسعى إلى دفع الأطراف نحو مفاوضات أكثر تركيزاً، ومسار مغربي يهدف إلى تثبيت الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باعتباره أساساً للتسوية. غير أن تقاطع هذه المسارات لا يعني بالضرورة تطابق أهدافها، ولا يثبت أن الخلافات الجوهرية قد جرى تجاوزها.
من إدارة النزاع إلى اختبار التسوية
يشكل القرار 2797 الصادر عن مجلس الأمن في 31 أكتوبر 2025 محطة مهمة في تطور الإطار السياسي للنزاع، إذ جعل مقترح الحكم الذاتي المغربي أساساً للمفاوضات الرامية إلى التوصل إلى حل سياسي، مع استمرار الإحالة إلى تقرير المصير باعتباره هدفاً للتسوية. وتكمن أهمية هذا التطور في أنه يمنح المفاوضات نقطة انطلاق أكثر تحديداً، بدلاً من إبقاء النقاش محصوراً في الدعوات العامة إلى الحوار.
لكن الدقة تقتضي التمييز بين اعتماد مقترح الحكم الذاتي أساساً للمفاوضات وبين اعتماده اتفاقاً نهائياً. فالمجلس لم يحسم، بمجرد ذلك، جميع التفاصيل المتعلقة بتوزيع الصلاحيات أو الضمانات أو آليات التعبير عن إرادة السكان المعنيين. كما أن الانتقال من الاعتراف بأهمية المقترح إلى تسوية نهائية يتطلب معالجة مسائل سياسية وقانونية ومؤسساتية لا تزال موضع خلاف.
وتظهر أهمية هذا التمييز عند النظر إلى الموقف الأمريكي. فالولايات المتحدة أعلنت اعترافها بسيادة المغرب على الصحراء في ديسمبر 2020، ثم واصلت دعمها للحكم الذاتي باعتباره أساساً للحل السياسي. غير أن الموقف الأمريكي، مهما بلغت أهميته الاستراتيجية، يظل موقف دولة ذات مصالح وحسابات خاصة، ولا ينبغي الخلط بينه وبين قرار أممي ينهي النزاع أو تسوية دولية ملزمة لجميع الأطراف.
إن قوة التحرك الدبلوماسي لا تقاس فقط بعدد التصريحات المؤيدة، بل بقدرته على تحويل الدعم السياسي إلى ترتيبات قابلة للتطبيق، وتوفير الشروط اللازمة لاستمرار الاتفاق بعد توقيعه. وهذه هي المسافة التي لا تزال تفصل بين التقدم في تحديد إطار المفاوضات والتوصل إلى تسوية نهائية.
غوتيريش ودي ميستورا: حدود الدور الأممي
تنبع أهمية الأمين العام للأمم المتحدة من مسؤوليته في متابعة تنفيذ قرارات المنظمة، وتقديم تقارير دورية عن تطورات النزاع، ودعم المساعي الرامية إلى التوصل إلى حل سياسي. غير أن دوره لا ينبغي تفسيره باعتباره سلطة مستقلة تستطيع أن تحسم وحدها الوضع النهائي للإقليم، أو أن تفرض على الأطراف صيغة تسوية خارج الإطار الذي يحدده مجلس الأمن والعملية السياسية.
أما المبعوث الشخصي ستافان دي ميستورا، فتتمثل مهمته الأساسية في تيسير الحوار واستكشاف إمكانات التوافق. وتزداد صعوبة هذه المهمة عندما تتعارض تصورات الأطراف بشأن الغاية النهائية من التسوية. فالمغرب يطرح الحكم الذاتي تحت سيادته، بينما تتمسك جبهة البوليساريو، مدعومة من الجزائر، بتفسير لتقرير المصير يتيح خيار الاستقلال، وتظل الجزائر طرفاً أساسياً في الحسابات الإقليمية وفي المسار الدبلوماسي، رغم اختلاف توصيفها الرسمي لطبيعة مشاركتها في النزاع.
في المقابل، لا يمكن فهم الموقف الآخر من خلال اختزاله في رفض المقترح المغربي. فجبهة البوليساريو تنطلق من أن الصحراء الغربية إقليم غير متمتع بالحكم الذاتي، وأن مصيره لا يُحسم إلا بإرادة سكانه عبر استفتاء يكون فيه الاستقلال خياراً مطروحاً بصورة حقيقية. وتستند في ذلك إلى الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية لعام 1975، الذي خلص إلى أن الروابط التي كانت قائمة بين الإقليم والمغرب وموريتانيا لا ترقى إلى سيادة إقليمية تحول دون تطبيق مبدأ تقرير المصير. ومن هذا المنطلق ترى الجبهة أن جعل الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية نقطة الانطلاق يصادر مسبقاً نتيجة يفترض أن تحددها إرادة الصحراويين، وأن الحكم الذاتي قد يكون خياراً ضمن خيارات الاستفتاء لا بديلاً عنه. كما تعدّ نفسها ممثلاً للصحراويين وطرفاً أصيلاً في التسوية، لا جهة تُستشار في حل أُعدّ سلفاً.
أما الجزائر فتؤكد أنها دولة جوار ملاحظة، وأن موقفها قائم على الدفاع عن مبدأ تصفية الاستعمار، وأن الحل ينبغي أن يُتفاوض عليه بين طرفي النزاع المباشرين.
غير أن هذه الحجج تواجه، من منظور المغرب، اعتراضات جدية. فالمغرب يرى أن رأي محكمة العدل الدولية لعام 1975 لم ينكر وجود روابط قانونية وروابط بيعة بين السلطان وعدد من القبائل الصحراوية، وأن الرأي نفسه لم يُلزم بالاستفتاء كوسيلة وحيدة لتقرير المصير. ويضيف أن خيار الاستفتاء، الذي كان محور خطة التسوية في التسعينيات، تعثّر بسبب الخلاف حول تحديد هوية الناخبين، حتى دعا مجلس الأمن لاحقاً إلى حل «واقعي وعملي ودائم ومقبول من الطرفين». وفي هذا الإطار، يقدّم المغرب مبادرة الحكم الذاتي لعام 2007 باعتبارها الصيغة الأكثر قابلية للتطبيق، وهي مبادرة وصفتها قرارات مجلس الأمن المتتالية بأنها جادة وذات مصداقية، وتدعمها اليوم دول مؤثرة، في مقدمتها الولايات المتحدة وفرنسا وإسبانيا.
أما تمثيل الصحراويين، فيرى المغرب أن البوليساريو ليست الممثل الوحيد لهم، وأن سكان الأقاليم الجنوبية يشاركون في الانتخابات المحلية والوطنية. كما يعتبر أن الجزائر، بحكم استضافتها للمخيمات ودعمها للجبهة ومشاركتها في الموائد المستديرة، طرف فعلي في النزاع لا مجرد ملاحظ. وتبقى لكل من الموقفين حججه السياسية والقانونية، إذ يظل السؤال المتعلق بكيفية التعبير الحر عن إرادة السكان أحد أصعب عناصر التسوية وأكثرها حساسية.
وفي مطلع أكتوبر 2026، شهدت الأمم المتحدة تحركات متزامنة ضمن مسارات مؤسسية مختلفة لمعالجة قضية الصحراء الغربية. ففي 6 أكتوبر، عرض ممثل جبهة البوليساريو موقف الجبهة أمام اللجنة الرابعة التابعة للجمعية العامة، في إطار مناقشات المسائل السياسية الخاصة وتصفية الاستعمار. وفي 7 أكتوبر، عقد مجلس الأمن اجتماعاً مغلقاً مع الدول المساهمة بقوات وأفراد شرطة في بعثة المينورسو، أعقبته في 8 أكتوبر مشاورات مغلقة بشأن البعثة. وتقتضي القراءة الدقيقة التمييز بين هذه المحطات من حيث طبيعتها المؤسسية ووظيفتها، والفصل بين المواقف التي تعلنها الأطراف وبين ما تثبته السجلات الرسمية من إجراءات أممية. فانعقاد الاجتماعات، في حد ذاته، لا يكفي للاستنتاج بأن تحولاً في الموقف الدولي قد تحقق، أو أن توافقاً جديداً بشأن التسوية قد نشأ.
وقد أفادت تقارير صحفية بشأن مشاورات 8 أكتوبر بأن استمرار الأعمال العدائية وانعدام الثقة بين الأطراف ما زالا من العقبات التي تواجه المسار السياسي، مع استمرار التنسيق بين المبعوث الشخصي للأمين العام والإدارة الأمريكية. غير أن هذه المعطيات، في ظل عدم إتاحة تفاصيل المداولات المغلقة كاملة للرأي العام، لا تكفي وحدها للاستنتاج بأن الأطراف اقتربت من اتفاق نهائي، أو أنها حسمت مضمون الحكم الذاتي والضمانات المرتبطة به. ومن ثم، تظل قراءة هذه التطورات مرتبطة بالتمييز بين الوقائع المثبتة، والتصريحات المنسوبة إلى أصحابها، والاستنتاجات التحليلية التي يمكن استخلاصها منها.
ومع ذلك، فإن مجرد انتقال النقاش إلى تفاصيل الحكم الذاتي يمثل مؤشراً يستحق المتابعة. فالحكم الذاتي لا يمكن تقييمه من خلال تسميته وحدها، بل من خلال الصلاحيات التي يمنحها للمؤسسات المحلية، وطريقة تشكيلها، وعلاقتها بالسلطات المركزية، والضمانات التي تكفل استمرارية اختصاصاتها. وهذه المسائل ليست تفاصيل تقنية هامشية، بل تمثل جوهر أي تسوية يراد لها أن تكون قابلة للحياة.
أما الحديث عن ضمانات دولية طويلة الأمد، فلا ينبغي أن يُقرأ تلقائياً باعتباره انتقاصاً من السيادة المغربية. فالضمانات قد تتعلق بتنفيذ الاتفاق واحترامه، وقد تتصل بآليات مراقبة أو تسوية خلافات. وتختلف دلالتها القانونية بحسب طبيعتها وحدودها. لذلك، فإن الحكم على أي مقترح من هذا النوع يقتضي معرفة نصه الدقيق، لا الاكتفاء بتأويلات سياسية أو بتسريبات جزئية.
واشنطن: الدفع نحو اتفاق أم إدارة أكثر فاعلية للنزاع؟
تكتسب تصريحات مسعد بولوس أهمية خاصة لأنها تعكس سعي الإدارة الأمريكية إلى دفع الأطراف نحو مفاوضات تستند إلى مقترح الحكم الذاتي المغربي. وقد أكد بولوس، في تصريحات نقلتها وسائل إعلام في سبتمبر 2026، أن الجولات التفاوضية التي جمعت ممثلين عن المغرب والجزائر وموريتانيا والبوليساريو لم تفضِ إلى اتفاق نهائي، وأنه لا يوجد حل وشيك للنزاع.
وتكشف هذه التصريحات عن مفارقة أساسية: فواشنطن تريد تسريع المسار السياسي وتحديد أساس عملي للتفاوض، لكنها تدرك، وفق ما أعلنته، أن الوصول إلى اتفاق لا يزال متعثراً. كما أن تأكيدها أهمية الحصول على رد رسمي من البوليساريو بشأن مقترح الحكم الذاتي يشير إلى رغبتها في نقل النقاش من تبادل المواقف العامة إلى التعامل مع مضمون المقترح.
غير أن التحرك الأمريكي لا يمكن اختزاله في دعم طرف دون النظر إلى الحسابات الأوسع. فالولايات المتحدة معنية باستقرار شمال إفريقيا، وبعلاقاتها مع المغرب والجزائر، وبالأمن الإقليمي والتعاون في مواجهة التهديدات العابرة للحدود. ومن ثم، فإن دفع المفاوضات قد يكون وسيلة لتقليص مخاطر استمرار النزاع، إلى جانب كونه امتداداً للموقف الأمريكي المؤيد للمغرب.
لكن لا توجد، استناداً إلى التصريحات العلنية المشار إليها، أدلة كافية على أن واشنطن توصلت إلى تفاهم نهائي مع الجزائر أو أن الأطراف وافقت سراً على تسوية بعينها. فالاستنتاج الجيوسياسي المنضبط يقتضي التمييز بين اتجاه السياسة الأمريكية المعلن وبين النتائج التي لم تتحقق بعد.
كما أن مشاركة الجزائر في المفاوضات تطرح سؤالاً جوهرياً بشأن قدرة الدبلوماسية الأمريكية على الجمع بين دعم مقترح الحكم الذاتي والحفاظ على قناة تفاوضية مع الجزائر. فالتوصل إلى تسوية قابلة للاستمرار يتطلب التعامل مع المصالح والحسابات الإقليمية التي تؤثر في النزاع، وليس الاكتفاء بالرهان على موازين الاعترافات الدبلوماسية.
خاتمة الجزء الأول: من المواقف السياسية إلى اختبار الترتيبات
تكشف التحركات الأممية والأمريكية عن سعي إلى نقل ملف الصحراء الغربية نحو مفاوضات أكثر تحديداً، لكن تحديد أساس التفاوض لا يعني أن شروط التسوية قد حُسمت. فالمواقف السياسية لا تزال متباعدة، والضمانات، وآليات المشاركة، وحدود الصلاحيات، وكيفية التعبير عن إرادة السكان، كلها مسائل تحتاج إلى معالجة واضحة.
ومن هنا تبرز أهمية الانتقال من مناقشة المرجعيات السياسية العامة إلى فحص الترتيبات المؤسسية التي قد تقترحها المفاوضات. فالسؤال لم يعد متعلقاً بموقع الحكم الذاتي في الخطاب الدبلوماسي وحده، بل بمدى وضوح بنيته القانونية، وحدود صلاحيات مؤسساته، والضمانات التي يمكن أن تجعل أي اتفاق قابلاً للتنفيذ والاستمرار.
وهذا ما يقود إلى السؤال المركزي في الجزء الثاني: إذا كانت المفاوضات قد بدأت، وفق ما يرد في التقرير الأممي، تتناول ترتيبات انتقالية محتملة، فكيف يمكن تقييم فكرة المجلس الانتقالي؟ وما المعايير القانونية والسياسية التي ينبغي أن تحكم تصميم الحكم الذاتي، من دون الخلط بين المقترحات التفاوضية والالتزامات القانونية القائمة؟






