سياسة واقتصاد

ما كشفته الانتخابات فينا

نعيمة الحروري

انتهت الانتخابات، طويت اللافتات، وصمتت مكبرات الصوت، وعاد المرشحون إلى بيوتهم، وعرف الفائزون طريقهم إلى مقاعدهم، وابتلع الخاسرون مرارة الخسارة.

لكن شيئا مؤلما لم ينته بانتهاء الحملة.

شيء يستحق أن ندق بسببه ناقوس الخطر.

فما جرى على مواقع التواصل خلال أيام المنافسة لم يكن دائما اختلافا سياسيا، ولا سجالا انتخابيا، ولا حتى خصومة عابرة. كان في أحيان كثيرة سقوطا أخلاقيا مخيفا، رأينا فيه كيف يمكن، في لحظة حماس أو كراهية، أن تتحول سمعة إنسان وعائلته وحياته الخاصة، بل وعرضه، إلى ذخيرة انتخابية.

قرأنا كلاما يجعل المرء يتساءل بحسرة: ماذا حدث لنا؟

متى أصبح الاختلاف مبررا للإهانة؟

ومتى أصبح إسقاط الخصم أهم من الحفاظ على إنسانيتنا؟

ومتى أصبح من الطبيعي أن نجلس خلف هواتفنا لنجرح أشخاصا ربما لم نجلس معهم يوما، ولم نعرف عنهم سوى ما قاله خصومهم؟

الأشد إيلاما أن الكثير من ذلك كان يأتي من حسابات بلا وجوه.

اسم مستعار. صورة مسروقة. بضعة متابعين.

وخلفها شخص يمنح نفسه الحق في هدم سمعة بنيت خلال سنوات.

يكتب اتهاما في ثوان، فتلتقطه الحسابات، وتتناقله الصفحات، وتضيف إليه التعليقات تفاصيل جديدة، وفجأة تصبح الإشاعة “حقيقة” لأن عددا كبيرا من الناس كرروها.

أما الإنسان الموجود في الجهة الأخرى من الشاشة، فلا أحد يسأل ماذا حدث له.

لا أحد يرى والدته وهي تقرأ.

ولا أبناءه.

ولا أسرته.

ولا أحد يعرف ماذا تفعل الكلمات بالإنسان عندما يطفئ هاتفه ويبقى وحده معها.

نقول إن القانون موجود.

نعم، موجود.

لكن الحقيقة أن كثيرا ممن يتعرضون لهذا النوع من العنف لا يصلون إلى أبواب المحاكم أصلا. بعضهم يتعب من فكرة الشكايات والمتابعات، وبعضهم يرفض أن يمنح الإساءة عمرا أطول، وبعضهم يجد نفسه أمام حساب وهمي لا يعرف حتى من يوجد خلفه.

ثم إن السؤال الذي يخيفني أكثر هو: هل نحتاج فعلا إلى شرطي ومحكمة حتى لا نخوض في أعراض بعضنا؟

هل وصلنا إلى مرحلة لا يمنع فيها الإنسان من التشهير بإنسان آخر سوى خوفه من العقوبة؟

إذا كان الجواب نعم، فنحن أمام مشكلة أكبر بكثير من حسابات وهمية.

نحن أمام تصدع في منظومة كاملة من القيم.

فقد عرف مجتمعنا الخصومات دائما. واختلف الناس في السياسة، وفي المصالح، وفي الانتخابات، وربما اشتدت بينهم العداوات. لكن كانت هناك، رغم كل شيء، خطوط حمراء. كان هناك شيء اسمه “العيب”. وكانت هناك بيوت لا تدخلها الخصومات، وعائلات لا تقحم فيها، وأعراض يعرف حتى الخصم أن الاقتراب منها سقوط وليس انتصارا.

اليوم أخشى أننا نفقد هذه الحدود واحدة تلو الأخرى.

والمخيف أكثر أن الإساءة لم تعد فعلا فرديا.

هناك من يكتب، ومن يشارك، ومن يضع علامة الإعجاب، ومن يضحك، ومن يضيف شائعة أخرى، ومن يعرف أن الكلام كذب لكنه ينشره لأن المستهدف ليس من معسكره.

وهكذا يتحول اغتيال إنسان معنويا إلى عمل جماعي، قد يشارك فيه المئات دون أن يشعر أحد منهم أنه فعل شيئا يستحق الخجل.

وهنا يجب أن ندق ناقوس الخطر.

ليس من أجل السياسيين وحدهم، ولا المرشحين وحدهم، ولا من أجل هذه الانتخابات التي انتهت.

بل من أجلنا جميعا.

لأن المجتمع الذي يعتاد التشهير اليوم بمرشح لأنه يختلف معه، قد يعتاد غدا التشهير بجاره وزميله وصديقه وكل من يقف في طريقه.

الانتخابات تمر.

والمناصب تزول.

والخصومات، مهما اشتدت، يأتي يوم وتخفت.

لكن ما ينبغي أن يخيفنا حقا هو ما يبقى بعدها فينا.

أن نعتاد القسوة. أن تصبح سمعة الإنسان خبرا للتسلية، وعرضه مادة للصراع، وألمه مجرد تفصيل لا يعنينا. أن نصل إلى مرحلة لا نسأل فيها إن كان ما نكتبه صحيحا، ولا ماذا سيفعل بإنسان أو بأسرة، وإنما نسأل فقط: كم سيحصد من إعجاب وكم سيلحق بالخصم من أذى؟

هنا لا نكون أمام أزمة مواقع تواصل، ولا أمام انحرافات حملة انتخابية عابرة.

نكون أمام شيء أخطر بكثير:

مجتمع يفقد، شيئا فشيئا، حساسيته تجاه أذى الآخرين.

وتلك خسارة لا تظهر نتائجها في صناديق الاقتراع، ولا تعلنها وزارة الداخلية في صباح اليوم التالي.

لكنها قد تكون أخطر خسائرنا جميعا.

فالانتخابات ستنتهي وتنسى، والفائز اليوم قد يخسر غدا، والمقاعد التي نتقاتل من أجلها لن تدوم لأحد..

لكن أقسى ما في الانتخابات.. أن نخسر إنسانيتنا ونحن نبحث عن الفوز.